المقدس والغاية


 

من غرائب السياسة جمعها بين المتناقضات الحادة التي تجعل ممن يحمل الأخلاق المبادئ والقيم السماوية والارضية في حالة التجنّب والاعتزال عنها إلا أن يسير وفق ما يؤمن به من فكر ويتبناه من منهج،
ولو تأملنا التأريخ السياسي الطويل عند أية أمة من الأمم لوجدنا إنه لم يعتل سدة الحكم إلا من لديه القدرة على التقنّع بجميع الوجوه واللعب لجميع الأدوار حتى وإن كانت متناقضة، بل في اشد التناقض إلا النزر اليسير جدا.
لقد ظهر الشعار المكيافيلي المعروف ( الغاية تبرر الوسيلة ) في كتاب ( الأمير ) لصاحبه ( نيكولا مكيافيلي) والذي نشر في عام ( ١٥٣٢م) ومازال الكثير من السياسين سواء من الرؤساء او الملوك المستبدين او الديمقراطيين من يرفض هذا المنطق قولاً يطبقه فعلاً، وهذا واضح جدا ولايحتاج الى اي دليل،
ومما يزيد في غرابة السياسة هو خضوع السياسي المقدس للشعار ( المكيافيلي) المتقاطع بديهياً مع جميع أطروحاته وتوجهاته، وبالرغم من ذلك مازال المقدس يصّر على أدعاء المثالية وأنه لايمكن له أن يتعامل خارج الاطر والموازين المفترضة،
ويتضح هذا من خلال التحالفات والتقاطعات التي يمارسها المقدس في مشاريعه السياسية،
وفي ضوء ذلك نجد أن الرأي العام المتابع مغلوب على أمره لثقته المطلقة بالمقدس فضلا عن الضغوطات النفسية والإجتماعية التي تمليها عليهم الخشية من مخالفة ومجانبة تعاليم وارشادات المقدس،
لذا نجد إن اغلبهم يسيرون في نفس المسار الذي يسير عليه المقدس في تحالفاته وتقطعاته المتناقضة بل ويدافعون عن هذا التوجه دفاعاً مستميتاً،
لقد رأينا في ظل التشاكس السياسي كيف إن المقدس قد ائتلف مع من هم على النقيض تماماً من جميع يتصف به من صفات أو توجهات دينية أو فكرية أو أخلاقية او ثقافية او غيرها،
بمعنى انه لاقرابة بين الطرفين من جميع الجهات سوى الجهة السياسية التي تركزت على المصالح والمكاسب المتوقعة مستقبلاً والتي بدورها أطاحت بالكم الهائل من التراث الديني والفكري والأخلاقي والثقافي وغيرها للمقدس.
في الوقت ذاته وجدناه اي (المقدس) قد تقاطع ممن هم اقرب إليه ولذات السبب الذي تضمنه الشعار المكيافيلي.
وجميل ما ورد في التأريخ عن امير المؤمنين علي (ع) المثالي الأول والذي لم تفارقه المثالية حتى أستشهد من اجلها،
حينما جاءته الخلافة اصرّ على عزل بعض الولاة السابقين الذين وجدهم غير مؤهلين للإستمرار بالولاية ومن بينهم والي الشام المكين معاوية بن ابي سفيان، فأشار بعض الصحابة على علي ( ع) بأن يترك معاوية على حاله حتى تأتيه بيعة الأمصار ليسهل بعد ذلك عزله لكن علي (ع) رجل المثالية والمبدأ يرفض ذلك ويقول كلمته المشهورة ( لن يراني الله متخذ المضلين عضدا ).
وبغض النظر عما آلت إليه الأمور كان علياً (ع) واضحاً دون لبس او غموض او تناقض،
من هنا تحتم على المقدس السياسي الابتعاد عن دعوى المثالية والاستسلام قولاً كما أستسلم فعلاً لشعار السياسة ( الغاية تبرر الوسيلة ).

لا تعليقات

اترك رد