التحول نحو اليمين في اوروپا ،،


 

تتناول المقالة التي اقدمها اليوم ظاهرة مهمة تتعلق بمسار الحياة السياسية العامة في اوروپا ممثلة بتوجهات الاحزاب السياسية ، وهي دراسة تحليلية شاملة في نطاق الزمان حيث تغطي الفترة من ١٩٨٠لغاية ٢٠١٤ كما تشمل عدداً مهماً من البلدان الاوروپية الرئيسية واستندت النتائج المقدمة فيها الى معطيات احصائية مفصلة .

تتناول الدراسة التغييرات التي طرأت على المشهد العام للنظام الحزبي الاوروپي وفق محور يضم معايير جديدة تتركز حول الاتجاهات التي تتبناها الاحزاب التقليدية والحديثة على اساس مدى ابتعادها عن المعايير اللبرالية العامة متجهة نحو نوع من تبني خطاب ذي طبيعة سلطوية ، وبعبارة اخرى وفق معايير تتعلق بقضايا الهجرة والحريات والهوية القومية والتي كانت تشكل العناوين الاساسية للأحزاب الشعبوية وأحزاب اليمين ، لكنها اصبحت ايضاً تشكل عناوين أساسية في خطاب احزاب الوسط ، من اليمين واليسار على حد سواء . هذا تيار يبتعد بالمشهد السياسي الاوروپي متجهاً نحو فضاء جديد الى جانب الاهتمام التقليدي الخاص بقضايا الرفاه والبطالة والتعليم .

لقد ساد اعتقاد عام لفترة من الوقت مفاده ان هذا التحول جاء كنوع من المبادرة لسحب البساط من تحت اقدام اليمين الشعبوي من قبل احزاب الوسط التي تبنت ، لاغراض انتخابية ، مواقف كانت تحسب في الماضي على اجندات أقصى اليمين . تخلص الدراسة الى ان الامر ليس كذلك وان هذا التوجه العام نحو اليمين قد بدأ في الظهور منذ بداية الثمانينات ولم تكن حركات اليمين الشعبوي قد ظهرت كعامل مؤثر في الحياة السياسية في اوروپا .

لاتقدم الدراسة تفسيراً لذلك بل اكتفت بتأشير الظاهرة وفق مؤشرات احصائية لخصتها المقالة بشكل نصّي ، وسنحاول في هذا التقديم فهم الظاهرة بشكل تحليلي اكثر سبراً لاسباب الظاهرة التي تقع تحت عنوان عريض رئيسي صار يتردد كثيراً في الادبيات الأكاديمية الغربية : تراجع الديمقراطية اللبرالية .

لقد ارتبطت الديمقراطية منذ شيوعها في الغرب ، وبعض تطبيقاتها في مستعمراته السابقة ، باللبرالية ، ومن اهم القيم التي اصبحت عناوين الحياة السياسية هي التعددية السياسية والثقافية والقبول بالاخر وتبني طيف عريض من الحقوق والحريات الفردية على المستويات القانونية والاقتصادية والاجتماعية ، لكن ما ينبغي الانتباه له هو ان اللبرالية ليست ابنة الديمقراطية وبذات القدر فأن الديمقراطية ليست ابنة اللبرالية . لم تعد معايير الحريات الاجتماعية – المدنية والحريّة الاقتصادية ترتبط عضوياً بالديمقراطية وفق تعريفها الاكثر شيوعاً ( حكومة الشعب ، بواسطة الشعب ، من اجل الشعب ) . ان الفصل بين عالمي اللبرالية والديمقراطية اصبح سمة عالمية ، بل ان الديمقراطيات اللبرالية اصبحت تتجه مبتعدة عن اللبرالية مع شيوع الاتجاه المتزايد نحو اليمين الذي يقوم خطابه على قضايا رفض الغرباء ( الهجرة ) المحافظة على الهوية الاخلاقية ( قضايا المثلية الجنسية والاجهاض والحريات الجنسية ) والتأكيد على الهوية القومية ومبدأ السيادة الوطنية ( قضايا حرية التجارة والتكتلات الدولية ) .

منذ انهيار الاتحاد السوڤيتي وانتهاء الحرب الباردة سادت العالم موجة كاسحة من التوجه نحو الديمقراطية شملت بلدان شرق ووسط اوروپا واسيا وإفريقيا وامريكا اللاتينية ، ولكنها لم تكن ذات جوهر لبرالي . جرت منذ ذلك الحين المئات من الانتخابات العامة ذات التعددية الحزبية في عدد كبير من هذه البلدان وعكست مشاركة شعبية واسعة في الحياة السياسية العامة ، غير ان ذلك النمو في الحياة السياسية لم يكن متزامناً بالضرورة مع نمو في الحريات المدنية لان الحكومات التي تنتجها الانتخابات قد تكون حكومات غير كفوءة وربما فاسدة او قصيرة النظر او غير مسؤولة وتسيطر عليها المصالح الخاصة مما يجعلها عاجزة عن تبني سياسات تلبي الحاجات العامة للمجتمعات ، غير ان التصنيف الوحيد الممكن لهذه البلدان هو انها بلدان ديمقراطية لانها تستوفي معايير الديمقراطية الدستورية لانها تنظم انتخابات تنافسية تعددية ، اما الذهاب لابعد من ذلك فانه يجعل من توصيف اي بلد بانه ديمقراطي امراً متعذراً . التوسع في المعايير يعني اعتماد مجموعة شاملة من القيم والحريات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والدينية يصعب إيجادها متوفرة جملة واحدة في بلد واحد . لو اخذنا بهذا المعيار الواسع فانه يصبح علينا تسجيل تحفظات على ” ديمقراطية ” السويد حيث يسود البلاد نوع من الاشتراكية الاجتماعية التي تقيد الحرية الاقتصادية للأفراد ، وكانت الحكومة الفرنسية تحتكر البث التلفزيوني الى وقت قريب ، وماتزال بريطانيا تصنف على انها دولة ذات هوية دينية .

ان الابتعاد بشكل جوهري عن القيم اللبرالية في الكثير من الديمقراطيات خارج نطاق اوروپا امر مفهوم ويعود الى تدنٍ تقليدي وموروث اجتماعي يفرض قيوداً استثنائية على الحريات المدنية والاجتماعية ، ولكن ماهو السر في تراجع القيم اللبرالية من دائرة الشؤون العامة في بلدان شهدت مولد اللبرالية وصارت عنواناً لها ، واعني هنا الدول الاوروپية ؟! .

دون الحاجة للخوض في تفاصيل كثيرة فان هنالك اتفاقاً عاماً بين المحللين على ان أزمة الديمقراطية اللبرالية هي صناعة اوروپية رغم انها تبدو ثمرة عوامل خارجية ؛ في التحليل العميق لما يبدو ضغوطاً خارجية سنكتشف ايضاً عوامل ذاتية يمكن إجمالها في التالي :

١- فشل سياسات احزاب الوسط سواء من اليمين او اليسار والذين توحدوا خلف لافتات عامة يمكن اختصارها في عنوانين رئيسيين : الديمقراطية المسيحية التي مثلت وسط اليمين والاشتراكية الديمقراطية التي مثلت وسط اليسار .

لقد حكمت الاحزاب التي تصنف تحت هذين العنوانين اوروپا منذ الحرب العالمية الثانية واعتمدت نمطين متتاليين من السياسات الاقتصادية والاجتماعية ، وكلا النمطين كان يعتمد مبادئ اللبرالية : دعم غيرمحدود لسياسات اقتصاد السوق ومبادئ الحريات الاجتماعية والفردية وتقليص دور الحكومات في الحياة العامة الى أقصى الحدود . تم اعتبار العمالة التامة العمود الرئيسي في تعميم نمط دولة الرفاه . لقد حققت هذه السياسات نجاحاً اولياً باهراً في مواجهة النمط الشيوعي والاشتراكي في شرقي اوروپا والاتحاد السوڤيتي ، ثم تسارع التوجه نحو الاندماج الاوروپي وخاصة في المحال الاقتصادي على اساس تماثل السياسات والقيم اللبرالية . لم يتم الانتباه بشكل مناسب الى ماكانت تقتضيه هذه السياسات من اعباء على كاهل دول تتفاوت في مواردها من جهة وتفاقم ظاهرة التضخم المتراكم جراء التوسع في الاتفاقين العام والخاص وشيوع نزعات الاستهلاك . توحد الاقتصاد عبر الحدود المفتوحة مما جعل الاقتصاديات الاقل حظاً اسيرة سياسات اجبارية تقوم على التوسع في الاقتراض في الداخل والخارج ، وهكذا وجدت دول اوروپية نفسها على شفير الافلاس الامر الذي ” اجبرها ” مجدداً على سلوك سياسات سيئة بالنسبة للجمهور وفي مقدمتها التقشف وفرض المزيد من الضرائب مع مايترتب عن ذلك من زيادة البطالة ودخول أزمة ركود اقتصادي شامل . ثم جاءت الأزمة المالية العالمية ٨-٢٠٠٩ لتكون القشة التي قصمت ظهر البعير . لقد سارعت الاقتصاديات الاوروپية الكبرى الى انقاذٍ اقتصاديات دول بعينها لاسباب تتعلق بالمصالح والتاريخ فيما ظلت اقتصاديات اخرى وخاصة في اوروپا الشرقية لتواجه صعوباتها بنفسها مع قليل من العون الذي تفرضه قوانين الاتحاد الاوروپي ؛ لم يكن مفاجئاً ان تنطلق أقوى موجات الشعبوية المعادية للقيم اللبرالية من شرقي اوروپا .

٢- العولمة ومقتضياتها من فتح الأبواب امام قدوم البضائع والأشخاص ومغادرة قطاعات قائدة في الاقتصاد والصناعة . العولمة بمعناها العام ولدت مع ولادة المجتمعات البشرية وتعززت كمفهوم مع ظهور الأديان الإبراهيمية التي اعتبرت رسالة للبشرية جمعاء ، لكنها اخذت بعداً اخر على يد الشركات متعددة الجنسية التي واكبت موجة الاستعمار الحديث منذ بواكير القرن السابع عشر ثم اتخذت مساراً ستراتيجياً جديداً بعد الحرب العالمية الثانية وتأسيس الامم المتحدة وما تلاها بعد ذلك من ثورة الاتصالات وتعميم الثقافة والقيم اللبرالية باعتبارها خاتمة التاريخ . تم تخفيف او رفع القيود على حرية التنقل خاصة بعد انتهاء الحرب الباردة . لقد دخل العالم عندها في مرحلة جديدة اتسمت بالعديد من التناقضات التي نجمت عن عملية اعادة صياغة النظام العالمي .

في اطار البحث الدائب عن توفير منتجات اقل كلفة بدات القطاعات الصناعية القائدة في العالم الغربي بالهجرة الى حيث تتوفر العمالة الرخيصة وموارد الطاقة فظهرت قوى صناعية جديدة مثل الصين والهند والبرازيل والارجنتين التي تمكنت من اغراق العالم بمنتجات عالية الجودة ورخيصة الثمن واصبح ذلك توجهاً عاماً بحكم قانون ريكاردو للاكلاف المقارنة ، ولكن مقابل ذلك اصبحت اليد العاملة في العالم الصناعي المتقدم تعيش على هاجس البطالة وتقلص عدد الوظائف التي هاجرت مع المنشآت الصناعية التي تركت بلادها الام في الغرب .

ان اعادة صياغة النظام العالمي قد زادت من فرص ظهور النزاعات والحروب بالوكالة وذلك ثمرة طبيعية ناجمة عن اعادة توزيع مراكز القوى العالمية وكانت منطقة الشرق الاوسط اكثر المناطق هشاشة وجذباً للمنازعات الدولية ونجم عن ذلك سيول من المهاجرين الذين يمموا وجوههم شطر اوروپا بحكم حتميات الجغرافية . لقد اصبح هؤلاء يشكلون ظاهرة كبيرة على مستوى الحياة العامة في اوروپا .

هذه الظواهر وغيرها اثرت بشكل مباشر على الشرائح متوسطة الدخل وواطئة الدخل وقليلة التعليم في المجتمعات الاوروپية والتي اعتبرت ان هنالك ضرورة لوجود حكومات وطنية قوية قادرة على التعامل مع ظواهر الهجرة التي اعتبرتها السبب الرئيسي لتقلص فرص العمل ، كما اعتبرت ان إغراق الاسواق بالسلع المنافسة الرخيصة القادمة من وراء البحار سبباً رئيسياً لتعثر الصناعات الوطنية الذي فاقم من مشكلة البطالة . على امواج خطاب كهذا صعدت الموجات الشعبوية من احزاب أقصى اليمين وتقلصت فرص الاحزاب اللبرالية .

٣- لقد تزامنت موجة العولمة وفشل السياسات التقليدية لاحزاب الوسط من اليمين واليسار مع تفاقم ظاهرة الاٍرهاب العالمي ذو الهوية الاسلامية ، كما ارادت اطراف معينة ان يبدو الاٍرهاب وكانه ظاهرة مرتبطة بدين محدد دون غيره . لست في وارد البحث في ذلك ولكن من المعلوم ان التركيز جرى بشكل خاص على النشاطات الإرهابية التي تقوم بها تنظيمات إسلامية وتم اعتباره ثمرة ثقافة منغلقة متحجرة حصراً وليس رد فعل لسياسات خارجية جائرة مارستها الدول الكبرى بضمن ذلك تدخلاتها العسكرية ومساندتها الاحتلال الصهيوني لاراضي الفلسطينيين والاصرار على طرد شعب من ارضه وإبقائه في اللجوء والمنافي . ما يعنيني ان هذه الموجة من ردود الفعل ضد التطرّف الاسلامي قد ترجمت نفسها في صناديق الانتخابات لصالح الحركات الشعبوية المعادية لمفاهيم اللبرالية التقليدية واضافت زخماً لدفع الإدراك الاوروپي العام نحو اليمين والسلطوية .

٤- لقد ارتبط النمو الاقتصادي ونموذج مجتمع الرفاه دوماً بمفاهيم اللبرالية السياسية وقد اعتبرت الحكومات الديمقراطية اللبرالية هي الاقدر على ادارةٍ الحياة العامة بتقليص تدخلها في ادارةٍ الحياة الاقتصادية والعامة ودعمها للحريات الاجتماعية والمدنية ، الا ان تعثر الحكومات التقليدية وفشل سياساتها في معالجة أزمات الركود التي بدات تشهدها القارة الاوروپية من جهة ، وظهور الصين المدوي على الساحة الاقتصادية الدولية اضافة الى تجارب كوريا الجنوبية وسنغافورة في عهد الدكتاتوريات الرشيدة التي حكمتها قد زعزع الايمان بالليبرالية وقدرتها على ان تكون الحل ” المطلق الصلاحية في الزمان والمكان ” للمشاكل التي اخذت تطرق باب كل بيت من بيوت العامة في اوروپا ، واصبح ذلك عاملاً مضافاً يشيع جواً من الأمل في حكومات قوية ولو كان ذلك على حساب بعض الحقوق والحريات .

٥- تصاعد دور الدين في الخطاب العام ، وهذه ظاهرة عالمية تحظى حالياً بالكثير من اهتمام الاوساط الأكاديمية المعنية بالعلوم الاجتماعية . لم يعد من الغريب او غير المألوف ذكر الهوية الدينية المسيحية او اليهودية المسيحية ، رغم عدم دقة الاخيرة تاريخياً ، كمرجعية في القضايا السياسية العامة وباعتبارها ركنا اساسياً في تأكيد الشخصية الاوروپية العامة والشخصية الوطنية لمواطني بلدانها .

في هذه القضية المتعلقة بالهوية الدينية تتم الإشارة الى التحدي الديني الذي تفرضه موجات الهجرة الجماعية ذات الأغلبية الاسلامية الكاسحة وما يحذر منه بعض القادة الشعبويين تحت شعار التصدي لأسلمة اوروپا ؛ القراءة التاريخية المتأنية تؤكد عدم صواب هذا النداء الشعبوي . لقد كان الدين والكنيسة فقرات رئيسية في التعبئة الاوروپية الغربية ضد المعسكر الشيوعي خلال الحرب الباردة منذ مطلع الخمسينات ، وتقدم لنا تطورات الوضع في پولونيا حالة نموذجية في ذلك ، كما تقدم لنا قضية التلكؤ الاوروپي في قبول انضمام تركيا الى الاتحاد الاوروپي مثالاً اخر وصلت حد اشارة بعض القادة الاوروپيين الى ان اوروپا نادٍ مسيحي ولا مكان لامة مسلمة فيها .

تصاعد مشاعر الدين تؤثر الى حد كبير في قضية النكوص الغربي عن قيم اللبرالية ، بل يعتبرها بعض المراقبين عاملاً اساسياً في ذلك ولنا ان نتذكر ان مبادئ اللبرالية العامة تمت على خلفية شيوع القيم العلمانية اثر انتهاء موجة الحروب الدينية في اوروپا .

هنالك عوامل اخرى لتراجع قيم اللبرالية في الغرب يمكن الإشارة اليها وخاصة قضية تطور التكنولوجيا والحلول التدريجي للذكاء الصناعي والحواسيب والروبوت محل العنصر البشري في العديد من مفاصل الحياة ، لكنها موضوعات مازالت قيد الدرس للتعرف على تأثيراتها المباشرة في هذا الصدد ، لكن المهم ان نتذكر ان تراجع اللبرالية الغربية ليس توجهاً حديثاً ، وليس توجهاً فرضته موجات الهجرة القادمة من الشرق ولكنها تيار اصيل من نتاج تعقيدات الحياة الغربية ذاتها ، اما التأثيرات الخارجية فهي عوامل مضافة ومساعدة لكنها ليست المنتجة للظاهرة .

كاتبا المقالة التي اقدمها هما الپروفيسور توماس ماير والپروفيسور ماركس واغنر وكلاهما يعمل استاذاً للعلوم السياسية في جامعة ڤينا ، وقد نشرت مقالتهما في مجلة فورين افيرز الامريكية في عددها ليوم ٤ / ٤ / ٢٠١٨ تحت عنوان ” عقود تحت التأثير ، كيف تتحول الاحزاب الاوروپية نحو اليمين ” ، …..

لنتابع …….

حققت احزاب اليمين الراديكالي الاوروپية نسبة غير اعتيادية من النجاحات . خلال عام ٢٠١٧ تمكن مرشحوا أقصى اليمين من تحقيق أفضل نتائجهم في الانتخابات الرئاسية في النمسا وفي فرنسا ؛ في إيطاليا احرز ” الليغا ” اليميني الراديكالي موقعه كأكبر حزب في التحالف المحافظ . لقد دخلت احزاب اليمين الراديكالي التحالفات الحكومية في كل من النمسا والنرويج والدنمارك ، وفي البلد الأخير يساند حزب الشعب الدنماركي حكومة الأقلية من يمين الوسط . في المانيا وهولندا حققت احزاب أقصى اليمين تقدماً خلال الانتخابات الپرلمانية التي جرت خلال عام ٢٠١٧ .

هذه الانتصارات الانتخابية قرعت أجراس الانذار ودفعت عدداً من كبار المراقبين للتساؤل عما اذا كانت احزاب اليمين الراديكالي تحرز نفوذاً جديداً وغير مسبوق في السياسات الاوروپية . لقد كانت هذه الاحزاب جزءاً من نظام الحياة الحزبية في اوروپا منذ وقت طويل : في فرنسا كانت الجبهة الوطنية قد احرزت ٣٥ مقعداً في الانتخابات التشريعية عام ١٩٨٦ ، وفي النمسا كان حزب الحرية شريكاً اصغر في الحكومة للفترة ٢٠٠٠-٢٠٠٥ ، والاكثر من ذلك فان احزاب أقصى اليمين كانت تُمارس نفوذاً ملموساً لعدة عقود في قضايا معينة مثل قضيتي الهجرة والهوية الوطنية .

الاستدارة نحو السلطوية
في ورقة بحثية تم نشرها عام ٢٠١٧ في دورية ” الدراسات السياسية ” تم عرض نتائج محاولة لقياس التغيير الذي شهدته ايديولوجيات الاحزاب الاوروپية خلال العقود الاخيرة . في هذا الاطار تمت مراجعة الموضوعات التي حظيت بالتأكيد في البرامج الانتخابية للأحزاب ، وتمت تغطية ١٧ بلداً اوروپياً في هذه الدراسة للفترة ١٩٨٠-٢٠١٤ . لقد تم التركيز في التحليل على كيفية تطور المواقف الرئيسية للأحزاب ازاء قضايا محددة مثل الهجرة والقضايا المتصلة بسيادة القانون والنظام والهوية الوطنية . لقد تم تصنيف الاحزاب وفق محور ” لبرالي – سلطوي ” بدلاً من المحور الاقتصادي التقليدي ” يسار – يمين ” ( على اساس ان لبرالي يعني المزيد من الحرية الفردية في قضايا مثل زواج المثليين والاجهاض والهجرة والتعددية الثقافية ، بينما اعتبر السلطوي من يدعو الى تقوية السلطة الاخلاقية ونمط الحياة التقليدي والتماثل الثقافي ) ، وفي كل بلد تم التركيز على مواقف الاحزاب الرئيسية من وسط اليمين ووسط اليسار اضافة الى احزاب اليمين الراديكالي .

تشكل قضايا محور “اللبرالية – السلطوية ” الجوهر الايديولوجي لاحزاب اليمين الراديكالي . من هذه الزاوية يمكننا ان نتبين الى اي مدى تمكن أقصى اليمين من تغيير مضامين الحوار السياسي في اوروپا وذلك من خلال تفحص اولوية هذه القضايا في المشهد السياسي العام لاحزاب التيار الرئيسي وفي مواقفها بشأن هذه القضايا .

لقد قادتنا دراستنا الى نتائج مذهلة : ان الاحزاب التقليدية من اليسار واليمين قد اصبحت اكثر ميلاً للسلطوية منذ عام ١٩٨٠ . لقد وجدنا انه في القضايا المتصلة بمحور ” اللبرالية – السلطوية ” فأن مواقف احزاب وسط اليسار اليوم تميل الى السلطوية بذات المعدل الذي كانت عليه احزاب اليمين الراديكالي في بواكير الثمانينات . وفي هذا الصدد فان مايصل الى ٣٠-٤٠ حزباً قد اتجهت نحو اليمين خلال الفترة موضوع البحث .

كمثال على ذلك فأن سباستيان كيرز مستشار النمسا الشاب ، وهو من حزب الشعب النمساوي المحسوب على وسط اليمين ، يدعو الى تبني موقف متشدد من قضية الهجرة خلال انتخابات عام ٢٠١٧ . لقد اعتبر المراقبون ان ذلك يمثل ستراتيجية مستحدثة لمنافسة حزب الحرية النمساوي القومي ، ولكننا نعرف اليوم من خلال التحليل الذي أجريناه ان حزب الشعب كان يتحرك حثيثاً باتجاه اليمين في القضايا المتصلة بمحور ” اللبرالية – السلطوية ” منذ عام ١٩٨٦ ومنها لم يكن حزب الحرية الوطني الا في بداية نشأته . بالمثل فانه بصرف النظر عن موقف المستشارة الألمانية أنجلا ميركيل الداعم للهجرة خلال أزمة اللاجئين فان حزبها ” الاتحاد الديمقراطي المسيحي ” من وسط اليمين كان يتجه نحو اليمين في الموضوعات المتصلة بمحور ” اللبرالية – السلطوية ” خلال العقود الثلاث الماضية .

ان هذه الاتجاهات ليست حكراً على احزاب وسط اليمين التي اتخذت دائماً مواقف متشددة في القضايا الاخلاقية والهوية . ان هذه المواقف موجودة لدى احزاب وسط اليسار . على سبيل المثال فان الحزب الاشتراكي الديمقراطي النمساوي ، وقد كان في المعارضة ، قد صوت الى جانب ضوابط اكثر تشدداً فيما يتصل بالهجرة واللجوء التي تضمنها قانون حكومي تقدم به الأئتلاف الحكومي المؤلف من حزب الشعب وحزب الحرية اليمينيين ( وسط وأقصى اليمين على التوالي ) . لقد كان الحزب منقسماً في داخله حول هذا الموضوع ولكن قيادة الحزب توقعت ان ذلك سيكون له مردود انتخابي . وبشكل عام فقد كانت احزاب التيار السائد تميل نحو مواقف سلطوية بشكل متزايد .

ان تحرك الوسط باتجاه اليمين لايعني بان التيار الرئيسي وأحزاب أقصى اليمين قد كانت تميل نحو الاعتدال في مواقفها بل على العكس فأن احزاب أقصى اليمين كانت كانت تميل الى اليمين بشكل اكبر مما وسع الهوة بينها وبين احزاب تيار الوسط الرئيسي بمرور الوقت ، رغم ذلك فانه من الملاحظ ان كامل النظام الحزبي كان يتجه نحو اليمين .

ان تفسير قضية توجه احزاب الوسط نحو اليمين السلطوي مازال موضوعاً مفتوحاً للمناقشة . جزئياً يمكن القول انه كان استجابة للظروف . لقد تحولت الهجرة الى قضية مسيّسة بشكل متزايد في اوروپا تحت تأثير بعض الاحداث مثل هجمات الحادي عشر من سبتمبر وازمة اللاجئين التي نجمت عن حروب البلقان والشرق الاوسط . كذلك لاينبغي إهمال عامل ظهور الاحزاب الجديدة من خارج اطار احزاب الوسط لتفرض تحديات حول الموضوعات التي لم تكن مسيّسة في الأصل على جدول اعمال العمل السياسي الاوروپي مثل قضية الهجرة .

في البؤرة
اضافة الى التغيير الذي شهدته مواقف الاحزاب في قضايا محور ” اللبرالية – السلطوية ” نلاحظ تزايد أهمية هذه القضايا في المشهد الحزبي العام . لقد توصلنا الى معرفة ان الانتباه قد تزايد تجاه هذه الموضوعات لدى الطيف السياسي بشكل عام ، سواء لدى احزاب الوسط في التيار الرئيسي او لدى احزاب أقصى اليمين . عندما نقوم بفرز احزاب اليمين الراديكالي الجديدة عن الاحزاب اليمينية القائمة منذ وقت طويل نلاحظ ان ميل اليمين الراديكالي للتركيز على قضايا محور ” اللبرالية – السلطوية ” ناجم عن ميل الاحزاب الجديدة التي تميل للتركيز على هذه القضايا اكثر من الاحزاب القديمة . في هولندا على سبيل المثال فان حزب ” Pim Fortuyn List ” الشعبوي ، وهو حزب يميني راديكالي في خطه العام ، قد أخلى مكانه خلال العقد الماضي لصالح حزب السياسي اليميني غيرت وايلدر ” الحرية ” الذي يكثر من تناول الموضوعات المتصلة بالمحور المذكور .

لقد لاحظنا ان التركيز على موضوعات محور ” اللبرالية – السلطوية ” يزداد في اوساط احزاب تيار الوسط السائدة رغم ان هذا التركيز مازال ضعيفاً حتى الان . ذلك يعود الى أسباب خارجية وخاصة بعد الأزمة المالية العالمية لعام ٨-٢٠٠٩ ، اما قضايا الهجرة والهوية فانها تاخذ مكانها في المقاعد الخلفية مقارنة بتلك القضايا الخاصة بالاقتصاد . لكن ذلك ربما يكون قد تبدل مع موجة اللجوء الكبرى لعام ٢٠١٥ ( نطاق الدراسة ينتهي في عام ٢٠١٤ ) .

ان تزايد التركيز حول قضايا محور ” اللبرالية – السلطوية ” لايعني ان السياسة في اوروپا قد ابتعدت عن الموضوعات الكلاسيكية مثل قضايا اعادة توزيع الثروة والضرائب . لدى تدقيق مدى أهمية مختلف الموضوعات في البرامج الحزبية نلاحظ ان القضايا الاقتصادية مازالت تحظى بالاهتمام الذي حظيت به دائماً . ان مانلاحظه هو ليس تغيراً بالجملة من السياسات القديمة الى سياسات جديدة مفتوحة النهايات ، ولكن يمكن ملاحظة ان كلا محوري القضايا يسيران جنباً الى جنب ، وهو امر يعقد مهمة الاحزاب التقليدية التي تجد نفسها في حيرة بشأن اي محور يتعين تركيز خطابها السياسي .

من الواضح ان هنالك استدارة ايديولوجية في النظام الحزبي العام في اوروپا خلال الثلاثين سنة الاخيرة . يعود ذلك بالدرجة الرئيسية الى ان احزاب الوسط من اليمين واليسار قد اخذت تميل ، الى حد معين ، الى تبني مواقف احزاب اليمين الراديكالي . اما احزاب اليمين الراديكالي فقد اتجهت نحو مزيد من اليمين . ستظهر السنوات القادمة ما اذا كان هذا التوجه سيستمر ؛ ليس علينا ان ننتظر لنعرف النتيجة لان السياسات الاوروپية قد تغيرت بالفعل .

شارك
المقال السابقهل تترك أمريكا روسيا تختطف سوريا؟
المقال التالىالسياسي يصعد على اكتاف الشعب
فائز ناجي عبدالرحمن السعدون من مواليد بغداد / الأعظمية ١٩٤٦.. درس العلوم السياسية في جامعة بغداد وتخرج فيها عام ١٩٦٧.. انخرط للعمل في السلك الدبلوماسي العراقي منذ منتصف السبعينات وعمل في البعثات الدبلوماسية العراقية في جنيف والاكوادور وجمهورية مالي وطهران وبوخارست ... تخصص في الشؤون الإيرانية منذ عا....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد