ثلاثية العقل والسعادة


 

تقول الحكمة : لا يمكن للعاقل الاستغناء عن ثلاثة : الصبر لكي يتحمل مالا يمكن تغييره ، والشجاعة لكي نغير ما يمكن تغييره، والحكمة لنفرّق بين الاثنين .

تقودنا هذه الحكمة إلى ثلاث سمات على العاقل أن يتصف بهما ، وإلا صارت حياته نكدا وهي : الصبر ، الشجاعة ، الحكمة . فالصبر ليس أناة وحسب، وإنما هو عند العاقل : تأملٌ في الوقائع ، وتعلمٌ من التجارب ، وإطالة نظر وصبر على المكاره والتقلبات ، ومن غير ذلك فلا يكون للصبر نفع ، بل هو مرارة تعكّر النفس، وتغمّ العقل ، وتفسد المزاج ، وكم من أناس ظنوا أنفسهم من الصابرين، وهم في الحقيقة من المقهورين ، ضاعت حياتهم دون إفادة أو استفادة ، إلا ابتلاع العلقم.

أما سمة الشجاعة فهي لا تعني مواقف الحرب والنزال، وإنما معرفة متى عليك أن تتكلم ، وإذا تكلمت أصلحت ، وإذا أصلحت توقعت ثمرة آنية أو آجلة.

المهم أن تنأى عن السلبية، وأن تواجه المشكلة بعقلانية وبحلول عديدة ؛ فيها الأساسي ، وفيها البديل . ومن هنا يخطئ الصابرون عندما يسكتون عن مشكلة – قد تنالهم يوما- حتى تستفحل ، أو ينأون عنها حذرا أو طلبا لراحة للبال ، فالشجاعة لا تكون في الحياة الرخوة ، وإنما في مواجهة مشكلات الحياة وتقلباتها، وكما سئل عمرو بن العاص عن السعادة ، فقال : الغمرات وينجلين . والغمرات هي المشكلات والمصاعب التي لابد من حدوثها في الحياة ، المهم أن تنجلي وينعم الإنسان بالراحة والصفاء النفسي ، وألا تستمر فتتراكم مع سابقاتها ، فتوهن الفؤاد والبدن .

وقديما قال أهل العلم : للصبر أنواع ثلاثة : صبر على الطاعة، وصبر عن المعصية، وصبر على أقدار الله المؤلمة . فالطاعة تعني امتناعا عن المعاصي التي هي لذائذ وشهوات ، وأقدار الله المؤلمة لا مفر منها : موت أو مرض أو فقر..، ويقابلها رزق بمولود جديد ، وتعافٍ وشفاء ، وغنى ودعة .

ومن هنا تأتي أهمية الحكمة، التي ترشد الصبور ليكون ذا أمل يصبر له ، ويسعى من أجله ، وتهدي الشجاع ، فلن ينال ما يبتغي إلا إذا صبر وتحمّل .

و تقول الحكمة المأثورة أيضا : ” إنما النصر صبر ساعة ” . والساعة هنا تعني: زمنا يمر نتحمل فيه بعض الضنك، ونمتص حماسة الخصم وهذا هو الصبر ، ومن ثم نفهم حركاته وسكناته ونعرف نفسياته وتلك هي الحكمة ، ثم مواجهته بثبات وقوة مصحوبة بخبرة الموقف ودربة الحياة ، وتلك سمة الشجاعة .

وصدق الشاعر أحمد بن عاصم الأنطاكي :

هوّن عليك فكل الأمر ينقطع وخلّ عنك ضباب الهمّ يندفع
فكلّ همٍّ له من بعـده فـــــــــــــــرج وكلّ كــــــــــــرب إذا ضاق يتّسـع
إنّ البلاء وإن طال الزّمان به الموت يقطعه أو سوف ينقطع

إنها أبيات البشارة ، التي لو أدركنا كنهها ، لعرفنا أن الحياة حتما ستتقلب بنا، بين الهم والكرب والبلاء، وذلك منطق الأمور، ومن توهم سعادة ما ، فهو لا يعي الحياة.

*****

سئل الشاعر الجاهلي ” عنترة بن شداد ” يوما : بم غلبتَ العربَ في المعارك ؟ فقال: بالصبر، فجادله أحد الشجعان متعجبا : كيف تكون صابراً وأنا أصبر منك ؟ قال: ناولني إصبعك، وخذ إصبعي، وعضْ أنت وأعض أنا ، وانظر أيّنا أصبر. فأدخل كل واحد أصبعه في فم صاحبه، ثم قال له: عض، فعض ذاك وعض هذا، فقال الرجل: أح ، فقال عنترة لو صبرت قليلا لصحت أنا، ثم قال:

بهمــة تخـــرج مــاء الصفا وعــزمة ما شابـها قـول آح
أقسمــت أن أوردهـــا حرة وقاحــة تحت غـــلامٍ وقــاح
إما فتى نال المنى فاشتفى أو فارس زار الردى فاستراح

يمثل عنترة مثالا لثلاثية السعادة والفوز : فهو صبور ، شجاع ، حكيم، وكلماته السابقة دالة على حكمة ، فلم يكتف بالقول ، وإنما قرنه بالفعل والشعر، وإذا تأملنا الموقف ، فإن الصبر لا يتوقف على الشخص فقط ، بل على الخصم أيضا، فاصبر على قدر تحمل خصمك ، الذي قد يكون عدوك في الحرب ، أو منافسك في العمل، ولكن كن شريفا في خصومتك ، والصبر عنوان الشرف ، والحكمة سنامه ، والشجاعة ديدنه ، فيسقط بالتالي كل خبث وتآمر ، وسبل غير شريفة .

*****

إن ثلاثية السعادة تقابلها ثلاثية البؤس والخسران ، وسماتها : طيش التعجل ، وبرود اللامبالاة ، وحماقة تمنعه من التعلم من الآخرين أو الاستفادة من تجارب الحياة.

فالسمة الأولى وهي الطيش ، تتعلق بمن يظن نفسه شجاعا ، عندما يجاهر برأيه متعجلا فتخرج كلماته بصفاقة ، وإساءة ، وتكون الطامة أنه يخسر إذا كان ذا مظلمة ، أو مطالبا بحق ، أو مدافعا عن جور ، فكل هذا يستدعي : عقلا يغلف الشجاعة ، وخبرة تؤطر المقولة ، وبصيرة تضبط الحركة .

والسمة الثانية : تتصل بتلك الشخصيات الباردة اللامبالية ، تلك التي لا تتخذ موقفا ولا تقول رأيا، وتعلل ذلك لنفسها بأنه من الحكمة ألا تتعجل ، وفي الحقيقة هي تتهرب بالصمت ، في مواقف تستدعي حضور القول ، وتوجب اتخاذ موقف ، وساعتها لن يكون السكوت من ذهب، وإنما يجلب احتقارا لمن قيد لسانه بين أسنانه.

والسمة الثالثة : الحماقة والغفلة ، والتي هي سبب للعجلة أو اللامبالاة ، وكما يقول ابن الجوزي في كتابه ” أخبار الحمقى ” : ” إن ذكر المغفلين ( وأخبارهم ) يحث المتيقظ (الذكي ) على أسباب الغفلة ، إذا كان ذلك داخلا تحت الكسب ، وعامله فيه الرياضة ( التفكر والتعلم ) ، أما إذا كانت الغفلة مجبولة في الطباع ، فإنها لا تكاد تقبل التغيير” .

إنها كارثة أن يبتلى المرء بالحمق ، فلا شفاء منه ، ولا دواء له ، لأنه أمر يتعلق بجانب نفسي وإدراكي ، لندرك أهمية تحذير ابن الجوزي عن الغفلة إذا جُبلت في الطباع.

ومن سمات الأحمق : فرحه بالكذب من مدحه ، وتأثره بتعظيمه ، إن كان غير مستحق لذلك. فهو ينخدع بما يقال له ، وهو عالم علم اليقين أنه ليس منطبقا عليه، ولو تأملنا في أحوالنا ، سنجد ذواتا مخدوعة بالمديح الزائف ، بل تعملقت حتى قاربت السحاب غرورا ، من كثرة من ينافقها زورا .

*****

هل يمكن أن نتجرع علقم الصبر العمر كله ؟

الجواب نعم ، عندما يتعلق الأمر بغاية كبرى ، يحلم امرؤ بتحقيقها، شريطة أن تكون له نفس شريفة ، وإيمان راسخ بأن الله لا يضيع أجر من أخلص وصبر.

ولننظر إلى واقع الحياة ، فهناك أمثلة لا تحصى ، لأناس صبروا على آلام الحياة، وتحملوا مشقاتها ، فهذا زوج يرسل رسالة إلى إحدى الجرائد اليومية الكبرى، يخطّ فيها ما موجزا عن حياة زوجته ، واصفا إياها بأنها كانت من أسرة كريمة ، طيبة حنونة صموتة، لا تعرف لؤما ولا خسة، أما هو فكان عصبي المزاج ، متقلبه، كثير الشكوى ، سليط اللسان ، متعدد النزوات. صبرت الزوجة على زوجها ، لأجل أطفالها ، الذين كانوا ينظرون لها ببراءة ورجاء ، وهم يرون أبا يسهر خارج المنزل، وإذا عاد ينظر إلى زوجته ، فإذا كان في وعيه سبها، وإذا كان فاقدا الوعي لطمها.

وعندما تعطل الزوج بعض الوقت عن العمل، وشحّت الأموال في أيديهم، كانت الأم تأخذ أبناءها لبيت أهلها ، تطعمهم ولا تأكل هي. ثم كبرت الأم في السن ، وتكاثرت عليها أمراض الشيخوخة ، فلم يرحم الزوج وهن جسدها ، حتى وافاها الأجل .

يقول الزوج : ماتت ، وتركتني وحيدا، أما أولادي فقد تزوجوا وتخلوا عني، وكلما هاتفتهم ، ذكروني بما كنت أفعله مع أمهم ، التي ناضلت حتى تعلموا وسعدوا .

*****

أما السيدة ” صيصة أبو دوح” ، فهي امرأة من الصعيد الجواني، من الفئة التي نسميها المهمشين ، فحياتهم عنوانها فقر ، ورزق يوم بيوم . تزوجت مبكرا من عامل بسيط على باب الله ، توفي بعد الزواج بأشهر قليلة ، تاركا جنينا في أحشائها، كان أنثى عندما قارعت صرخاته الحياة . فلم تجد الأم صيصة إلا التنكر في زي رجل لتحصل قوتها وقوت طفلتها . فلبست الجلباب الصعيدي البلدي، وأحكمت العمة البيضاء والطاقية على رأسها ، وانتعلت حذاء أسود رجاليا، وقصت شعرها. حتى ترحم نفسها من أطماع الرجال، وسياط التقاليد ، ثم انطلقت لتعمل في مهن الرجال، في قرى ومناطق لا يعرفها أحد ، فامتهنت كل شيء، من صنع الطوب اللبن ، إلى المعمار وحصاد القمح، لينتهي بها الحال إلى تلميع الأحذية بشارع المحطة، حتى حصلت على كشك تجاري، يدر عليها عائدا قليلا . لقد مجحت وربت ابنتها ” هدى” وزوجتها ، ومتعت بصرها برؤية أحفادها، ثم تتفاجأ بسقوط زوج الابنة صريعا بمرض أقعده عن الحركة ، فعادت الجدة للعمل ثانية.

” صيصة ” نالت لقب الأم المثالية عن مصر كلها ، من صعيدها إلى دلتاها .

وعندما أتساءل عن سبب تحمل الأمهات هذا الشقاء، وقد صبرن وتشجعن وزينتهن الحكمة ، لا نجد إلا سببا واحدا ألا وهو الغاية السامية ، والرضا بما قدر لهن.

*****

أما الشاب البريطاني جيمس دن ، فهو في العشرينيات من عمره ، وقد أصيب بمرض نادر ، يتألم بسببه طوال الوقت . فقد اكتشفت أمه بعد ولاته بأن مولودها دون جلد يغطي قدميه، ليصدمها الأطباء بأن طفلها مصاب بمرض انحلال البشرة الفقاعي، الذي يعادل آلام الحروق من الدرجة الثالثة، ويتسبب في ظهور تقرحات على الجلد بمجرد لمسه . كرست الأم حياتها كلها للعناية بطفلها، فكانت تغيّر الضمادات التي تغطي جسمه بالكامل ، ثم تحمله إلى مدرسته ، وترجعه منها .

ومع تقدمه في السن ، يصاب جيمس بسرطان الجلد، وتواصل الأم علاجه، حتى تعافى منه مؤخرا . إلا أنه لا يزال يعاني الآلام المبرحة، ويضطر لحقن نفسه بالمورفين كل 4 ساعات . متحملا المزيد من الألم عندما يغير ضماداته التي تلتصق بجلده مسببةً تقرحات وألما .

لقد قرر جيمس التعايش مع حياته ، والاستمتاع برفقة عائلته وأصدقائه، حتى أنه تعلم قيادة السيارات ، ليتجول بمفرده بسيارته المعدلة خصيصا لتناسب حالته كما يذهب إلى السينما أيضا . وسافر مع والدته إلى عدة بلدان ، وهو أيضا يمارس هواياته .

يقول جيمس: إن الإنسان يعيش الحياة مرة واحدة فإما أن يتركها لليأس أو يتعايش مع الآلام والمشاكل مستمتعا بعيشه ، ويؤكد : أنا لا تمر علي لحظة دون ألم .

*****

عرفنا إذن ، معنى ثلاثية الحياة : الصبر والشجاعة والحكمة، التي لن ننال سعادة في الحياة إلا بترسيخها في أنفسنا ، وقبل الثلاثية هناك إيمان وقناعة ورضا، وبعد الثلاثية هناك تجارب وخبرة وحنكة .

لا تعليقات

اترك رد