فلسفات معاصرة

 

الفلسفة وسيلة للتعرف على العالم بكل جوانبه الإنسانية والإدراكية والطبيعية. تكشف الفلسفة عن الحقائق وتتوصل إليها دائماً و تعد وسيلة وأداة ذات أهمية بالغة في الممارسة التحليلية. تساهم الفلسفة في طرح فرضيات وحلول بطريقة صحيحة وتمثل وسيلة لإشباع رغبات الإنسان في المعرفة كما تساهم في تطوير الذات الإنسانية وتنميتها على خلق حلول للمشكلات. تساعد الفلسفة الأفراد على استنباط وجهات نظر خاصة بهم حول الحياة وتفتح سبل الفهم للإنسان حول العالم المحيط به وحتى الطبيعة الإنسانية وتغرس الإيمان الديني لدى الانسان بالاعتماد على أسس عقلانية كما تهتم الفلسفة بالعلاقة بين الإنسان والطبيعة وهي عملية تحليلية نقدية وتفسيرية. في هذا المقال سنتعرض بشيء من التفصيل لبعض الفلسفات المعاصرة التي تؤثر في حياتنا:

فلسفة الاستبطان Introspection

ظل الاستبطان ، التأمل الباطن ، أو الملاحظة الذاتية ، المنهج السائد في الدراسات النفسية حتى أواخر القرن الماضي والاستبطان بالمعنى العلمي هو ملاحظة الشخص لما يجري في شعوره من خبرات حسية أو عقلية أو انفعالية في اطار ملاحظة منتظمة صريحة تستهدف وصف هذه الحالات وتحليلها أو تأويلها أحيانا سواء كانت هذه الحالات حاضرة كحالة الحزن والغضب التي يظهرها الفرد في اللحظة الراهنة أو ماضيه كأحلام النوم وأحلام اليقظة، ومن أمثلة استبطان الحالات الشعورية الحاضرة أن تطلب إلى شخص أن يصف حالته وهو يستمع إلى محاضرة جافة أو وهو يقرأ كتابا مملا أو أن تطلب إليه أن يصف ما يجري في شعوره وهو يفكر في حل مسألة حسابية ، هل يكلم نفسه وهو يفكر ؟ هل يرى صورا ذهنية لما يفكر فيه ؟ وماذا يشعر حين يستعصى عليه حل مسألة ما ؟.

ومن الأمثلة على استبطان الحالات الشعورية الماضية أن تطلب إلى شخص أن يجيبك على الأسئلة الآتية:

ما أقدم ذكرى تستطيع أن تسترجعها من ذكريات طفولتك؟

هل حلمت مرة بأنك تسافر على متن طائرة إلى بلد ما؟

وكيف كان شعورك أثناء الحلم؟.

غير أنه وجهت إلى منهج الاستبطان عدة اعتراضات وانتقادات، فقد اعترضت المدرسة السلوكية عن استخدامه بحجة أنه منهج غير علمي، وكانت حجتها في ذلك أن الحالات الشعورية التي تُدرس عن طريق التأمل الباطن هي حالات فردية ذاتية، أي لا يمكن أن يلاحظها إلا صاحبها وحده، ومن ثم لا يمكن أن تكون موضوع بحث علمي لأنها لا يمكن التحقق من صحتها فالعلم لا يقوم على الفردي الذاتي بل على الموضوعي العام الذي يشترك في ملاحظته عدة ملاحظين فهي ترفض استخدام هذا المنهج في علم النفس رفضا صريحا.

وترى من جهة أخرى أن موضوع علم النفس يجب أن يقتصر على دراسة السلوك الحركي الصريح للإنسان والحيوان، وما دام علم النفس أحد العلوم الطبيعية فلا داعي لأن يصطنع منهجا خاصا للبحث أو أن يدرس ظواهر تختلف عن ظواهرها.

ومن بين الانتقادات الأخرى التي وُجهت إلى منهج الاستبطان أن الشخص ينقسم في أثناءه إلى مُلاحِظ وملاحَظ في آن واحد، هذا من شأنه أن يغير الحالة الشعورية التي يريد وصفها وتحليلها فتأمل الإنسان نفسه أثناء فرحه أو حزنه أو غضبه من شأنه أن يخفف من شدة هذه الانفعالات لأنه يستهلك في تأمله هذا جزءا من الطاقة النفسية التي كانت تستهلك في هذا الفرح أو الحزن أو الغضب، كذلك الحال حين يتأمل الفرد ما يجري في ذهنه أثناء عملية التفكير، فإن المجهود الذي يستنفذه في الملاحظة يجعله أقل انتباها وتركيزا، من أجل ذلك يرى بعض علماء النفس استحالة هذا المنهج لأن الإنسان لا يستطيع أن يطل من النافذة ليرى نفسه سائرا في الطريق، ومن جهة أخرى، إذا سلمنا بأن الشعور بشيء نوع من الاستجابة لهذا الشيء فملاحظة الحالة الشعورية ومعرفتها لا يمكن أن تكون معاصرة للحالة نفسها، وعليه لا يكون الاستبطان في الواقع إلا نوعا من التذكر المباشر للحالة الشعورية التي نلاحظها بل قد يكون نوعا من تذكر الماضي القريب، ومن ثم لا تكون الحالة التي نصفها صورة طبق الأصل من الحالة التي نريد ملاحظتها بل مجرد امتداد لها.

وعلى الرغم من الانتقادات والاعتراضات التي وجهت إلى منهج الاستبطان فإنه قد لا يستغنى عنه الباحث في علم النفس في الكثير من الحالات، ذلك لأنه:

– يقوم بالدور الأكبر في بعض الدراسات التجريبية حين يسأل الشخص الذي تجري عليه التجربة أن يصف لنا ما يرى أو ما يسمع أو ما يشعر به بعد مجهود ذهني طويل رتيب.

– إنه الأساس في الاستفتاءات الشخصية إذ يطلب إلى الشخص أن يجيب تحريريا أو شفويا على مجموعة من الأسئلة تلقي الضوء على ما لديه من ميول ورغبات أو مخاوف إلى غير ذلك.

– إنه أثناء العلاج النفسي يستمع المعالج إلى ما يرويه المريض من مشاعر ومخاوف وأفكار تتسلط عليه وتستبد به فلا يستطيع منها خلاصا ويسترشد ما يرويه المريض في تشخيص مرضه ومساعدته على الشفاء.

– إن الاستبطان هو الوسيلة الوحيدة لدراسة بعض الظواهر والأحوال النفسية كالأحلام وأحلام اليقظة والحالة الشعورية للشخص أثناء انفعال الخوف والغضب أو ما يجده من سهولة ويسر كلما تقدم في تعلم مهارة من المهارات الكتابة على الآلة الكاتبة أو الحاسوب .

وأهم فلاسفة الاستبطان يمكن أن نذكر أرسطو ، أفلاطون ، ديكارت ، ليبنز، هوبز ، لوك ، كانت ، هيوم .

( انظر فاخر عاقل، مدارس علم النفس، الطبعة الثالثة ،بيروت ، دار العلم للملايين، 1983 وأنطون حمصي ، مدارس علم النفس، مديرية المطبوعات الجامعية، جامعة دمشق).

فلسفة الشعور بالتعددية الداخلية Internal Pluralism

إن المشهد الذهني للعقل البشري ليس شيئًا فريدًا ، بل يمكن وصفه على أنه أفضل نقاش من قبل مجموعة غير متناسقة من الآراء المتناقضة. نجرؤ على القول بأن معظم الأشخاص لا يدركون أن لديهم أكثر من صوت داخلي واحد ، خاصة أنه من الأسهل بشكل كبير أن يتماشى مع النتيجة الأكثر صوتية في أي وقت. وبمجرد أن تدرك حقيقة أن لديك بالفعل ، كما

كان ، ملاكًا على أحد كتفيك وشيطان على الكتف الآخر ، يساعدك على إعطائك فكرة عن هويتك.

فقط للتوضيح ، نحن لا نتحدث عن سماع الأصوات. نحن نتحدث عن حقيقة أن هناك أجزاء مختلفة في التكوين العقلي للشخص ، وإلا لن يكون هناك الكثير من المعاني في المصطلح “للمجادلة مع الذات” أو في مفهوم “الشك الذاتي.” وتعني النقطة غير المعنية التي أشرت إليها سابقًا أن جزءًا منك يلاحظ عندما تتجادل مع نفسك ويمكنه مراقبة العملية.

فلسفة الإيمان بالذات ( الأنانة ) Solipsism

الإيمان بالذات هو مذهب فلسفي يعتقد أن الذات فقط موجود أو يمكن أن يكون معروفا في الوجود ، وفي شكله الأكثر تطرفا ، الإيمان بالذات يرى أن ينظر إلى كل الكائنات والأحداث على أنها ليست سوى نتاج وعي الشخصية ، وأن هذا الوعي وحده هو حقيقي بالفعل ، ومعظم أشكال الإيمان بالذات تستمد قوتها من الشك ويقولون إن الشيء الوحيد الذي من الممكن معرفة حقيقية هو العقل ومحتوياته ، وبالتالي هذه الفكرة قد يكون لها ما يبررها في الوجود. والبديل عن هذا النموذج أن يدرس في حالة الشخص الأول معرفة العقل الممكنة . وقد عالجت دراسة مشكلة عقول الآخرين مناقشات واسعة في الفلسفة المعاصرة الأنجلو أمريكية.

فلسفة الوهم الباطني Introspective illusion

نحن البشر نميل إلى الوثوق باستبطاننا إلى حد كبير وأكثر من أي شخص آخر لأننا لا نملك وسائل مباشرة لمراقبة هذا الأخر. وهذا يعني أننا نميل إلى تقييم إجراءاتنا الخاصة بناءً على دوافعنا الداخلية الأساسية ، ويستند كل شخص آخر إلى عواقب أفعاله. يمكن أن يكون التأثير النهائي لهذا الأمر مدمراً ، حيث أن التفكير في هذه التصرفات يجعل من المستحيل بالنسبة لنا تقدير الدوافع الداخلية لأي شخص آخر . فإذا كنت تتسلل ، على سبيل المثال ، فوق سطح مبلل ، فستفكر في نفسك ” لم يكن خطأي أن انزلقت ، كانت الظروف مفاجئة وغير مواتية” لكن شخصًا يراقب الحادث من بعيد قد يفكر ببساطة داخل نفسة قائلا ” من المؤكد أن هذا الرجل أخرق “.

عندما تطبق هذا الأمر على مواقف تواجهها ، ينتهي بك الأمر إلى بعض من أكثر الصراعات الدموية الممكنة . يدرك الناس فقط دوافعهم المبررة للعدوان وسوء الفهم أو ببساطة لا يهتمون بآراء الطرف الآخر . وهذا يؤدي إلى نشوء خطاب مثل “نحن ببساطة نحاول الدفاع عن أنفسنا ضد تهديد خارجي ( استبطان داخلي) ، والذي كان في الأصل محرضًا من قبل هؤلاء الأشخاص لأنهم مجموعة من السذج البغيضين حقًا (تبسيط الاستبطان للطرف الآخر( . يمكن رؤية نتائج هذا النوع من التفكير في كل إبادة جماعية سبق لها أن أصابت جنسنا البشري ، لأن مجرد مراقبة العواقب يجعل من السهل كثيرا تصنيف شخص ما. هذا النمط من التفكير متوطن في كون الإنسان إنسانًا ، ولكن على الأقل يجب أن تكون لديك إشارة ( تحذير ذهني تنطلق في رأسك عندما تلاحظ نفسك تفعل شيئًا من هذا القبيل ).

مثال آخر لتوضيح هذه النقطة ؛ أنت تعير سيارتك إلى صديق ينتهي به المطاف إلى حادث عن طريق الخطأ. سيقول لك كم هو آسف وأنه لم يقصد ذلك ولكنك ستظل غاضبًا لأن سيارتك تحطمت . إذا كان الوضع معكوسًا ، فالحادثة ستحثك على عدم القيام بذلك ، ولكن الشخص الذي استعرت السيارة منه سوف يكون غاضبًا ، وربما أكثر من ذلك بسبب “أعذارك” ، وقد تتساءل لماذا لم يستطع أن يلين قليلاً ، لأنك لم تقصد فعلاً ذلك. والسبب ببساطة هو أن تفسيرك له علاقة بدوافعك ، لكن وجهة نظره تعتمد فقط على العواقب . لديك بشكل أساسي منظورين مختلفين تمامًا في مقاربة المشكلة حيث أنها تبدو مألوفة عند وضع مثل هذا ، أليس كذلك؟

الفلسفة النسبية Relativism :

النسبية هي إحدى أشهر النظريات العلمية في القرن العشرين.

لكن لطالما ظلّ المُعتقد السائد أنها نظرية لن نر نتائجها إلّا إذا ما وصلنا لسرعة الضوء.

هل يلزمنا فعلًا أن نصل لسرعة الضوء لنرى نتائجها؟

هل تعلم أن النسبية تؤثّر على حياتنا في كل يوم؟

في هذا المقال سنبيّن كيف أنّ النسبية تؤثر على حياتنا اليومية في مجالات الحياة المُختلفة . في البداية علينا توضيح بعض المفاهيم عن النسبية .

وُضعت النسبية من قِبل العالم ألبرت أينشتاين في عام 1905م.

تقوم نظرية النسبية على أنّ قوانين الفيزياء لا تتغيّر وهي نفسها في كل مكان، فالنظرية قامت بتفسير تصّرف الأجسام والعناصر في الزمان والمكان؛ حيث يمكن استخدامها للتنبؤ بأي شيء ابتداءً من وجود الثقوب السوداء وصولاً إلى انحناء الضوء بسبب الجاذبية وانتهاءً بسلوك كوكب عطارد في مداره.

النظرية بسيطة مُخادعة في البداية لا يوجد حالة “مُطلقة” مرجعية يمكن الاستناد عليها والمُقارنة معها.

في كل مرّة تقوم بها بقياس سرعة الكائن أو نشاطه أو كيفيّة تعامله مع الوقت دائمًا ما يكون السبب مُتعلّق بشيء آخر ، أيضًا سرعة الضوء هي نفسها بغض النظر عن الشخص الذي يقوم بقياسها أو سرعة الشخص أثناء قياسها.

بالإضافة إلى أنه لا يوجد ما هو أسرع من الضوء.

الآثار المُترتّبة على النظرية الأكثر شهرة لأينشتاين هي عميقة ، إذا ما كانت السرعة الضوئية دائمًا هي نفسها ، هذا يعني أن رائد الفضاء سوف يكون سريع جدًا بالنسبة للأرض، فإذا ما قام مثلًا بعدّ الثواني سوف تكون عمليّة عدّه أبطأ من مُشاهد موجود على سطح الأرض يقوم بعد الثواني أيضًا في الوقت نفسه.

الوقت يصبح بطيئًا بشكل خاص على رائد الفضاء.

تُعرف هذه الظاهرة بتعدد الزمن.

أيضًا أي عنصر يمتلك مجال جاذبية كبير فإنه سيتسارع، لذلك سوف يواجه أيضًا اتّساع في الزمن.

الآن لنفترض أنّه يوجد مركبة فضائية تحوي رُوّاد في الفضاء ، و لنفترض أنّ معك كاميرا وقمت بتصويرها أثناء تحليقها في الفضاء؛ سوف تبدو الصورة كما لو كانت المركبة “مسحوقة” من اتجاه حركة السفينة، أما بالنسبة لرائد الفضاء الذي على متنها، سيبدو كل العالم طبيعيا بالنسبة له.

بالإضافة لذلك، كتلة المركبة الفضائية سوف تظهر على أنها زادت بالنسبة لنظر الناس على وجه الأرض.

تُعرف هذه الحالة بالانكماش الطولي.

ربما قد تعتقد أنّ النسبية لا يمكن رؤية نتائجها إلّا في الفضاء أو الخيال العلمي، لكنّك مُخطئ تمامًا.

في الحقيقة أنت لست بالضرورة بحاجة لمركبة فضائية لمعرفة آثار النسبية.

في الواقع يوجد العديد من نماذج النسبية التي نعيشها في حياتنا اليومية، وحتى التكنولوجيا التي نستعملها اليوم تُبرهن على أنّ آينشتاين كان مُحقًا.

الوجودية Existentialism:

الوجودية تيار لا عقلاني في الفلسفة المعاصرة، يُجمع أصحابه على أسبقية الوجود على الماهية، وعلى أن هذا الوجود هو الواقع اليقيني الأول للفلسفة، وعلى أن الإنسان يوجد أولاً ثم تتحدد ماهيته باختياراته ومواقفه. فالوجودية فلسفة تنطلق من الذات التي تعي نفسها في نطاق وجودها الكامل بوصفها فاعلةً ومركزاً للشعور و الوجدان، إنها فلسفة الإنسان في وجوده الذاتي والاجتماعي، فلسفة تتميز بميلها إلى الوجود، ولا تبالي بماهيات الأشياء وجواهرها، كما لا تبالي بما يسمى بالوجود الممكن، والصور الذهنية المجردة. إن غرضها الأساسي هو وحدة الوجود والموجود التي لا تنفصم عراها أبداً.

ويعد كيركغارد الأب الروحي للتيار الوجودي المعاصر، ويرى أن وجود الإنسان أسبق من كل المذاهب، على الرغم من أنها محاولات لفهم الإنسان. إلا أن الواقع الفردي والواقع العام يتجاوزان كل نسق فلسفي؛ فالوجودية فلسفة ضد المذهبية، إنها فلسفة مُختلفٌ بشأنها حتى بين أتباعها، فعدد الفلسفات الوجودية يساوي عدد الفلاسفة الوجوديين، ومن الصعب عرض نموذج يشتمل على خصائص الوجوديات كلها، أو جعلها في نسق واحد، بيد أن هناك إجماعاً على أن الوجودية بأوجهها المتعددة قد ركزت على فهم فحوى الوجود الذي يحيط بكل موجود: العالم، الذات، الذات الأخرى، الله… من منطلق خاص هو فهم الوجود الوجودي، فوضعت الإنسان في صلب اهتماماتها، واقتربت منه من منطلق حريته ووعيه وبوصفه كائناً مهدداً.

للوجودية جذور اجتماعية تاريخية توضح بعض ملامح نشأتها وتطورها، إذ إن معاصرة الوجوديين لأحداث الحربين العالميتين الأولى والثانية، وتبعات الحرب الباردة التي قسمت أوربا والعالم إلى شرق وغرب، والأزمة الاقتصادية العالمية في ثلاثينات القرن العشرين رسخت شعورهم بالقلق والخوف على الإنسان ومصيره، فتركت الأحداث السياسية والاجتماعية بصماتها على مسيرة كل مفكر وجودي، ووجدت لها أصداء في نتاجه الفكري، يعبر عنه بطابع مأسوي مهيمن، وزاد المأزق من طابع الفردية والالتزام في المؤلفات الفلسفية وفي التعبير عن التاريخ الفردي للمؤلفين، فتصدى الفكر الإنساني لحل أزمات هذه الحقبة، وقدمت الوجودية نفسها في إطار الدفاع عن الإنسان الفرد بغض النظر عن المفاهيم والمصطلحات المجردة عن الحق الاجتماعي، والحق التاريخي.

يرجع بعض مؤرخي الفلسفة أصول الفكر الوجودي إلى سقراط والرواقيين وإلى أوغسطين والأكويني وغيرهم. بيد أن الوجودية بحلّتها المعاصرة، وعلى اختلاف ممثليها كانت ثورة ضد المذاهب العقلية لعصر التنوير والفلسفة الألمانية ، وكانت رداً عنيفاً على المنظومة الهيغلية خصوصاً ، وانقلاباً على فلسفة الجوهر والركون إلى التحليل الميتافيزيقي المفسر للعالم والإنسان على نحو عقلاني شامل، وعلى الموضوعية المنطقية. باختصار كانت ثورة على كل تعميم وتجريد، وقد ورثت الكثير من موضوعاتها من المنظومات الفكرية والفلسفية التي سبقتها مباشرة، كفلسفة كيركغارد ونظرية إرادة القوة عند نيتشه ونزعة برغسون الحيوية ومفهوم الحدس، وفينومينولوجيا هوسرل ، إضافة إلى تأثر بعض الفلاسفة الوجوديين أمثال سارتر بالكانتية المحدثة والماركسية.

تُصنف الوجودية ضمن تيارين متعارضين داخل جنس واحد: وجودية مؤمنة (دينية)، ووجودية ملحدة. ومحك الاختلاف هو موقف الفيلسوف الوجودي تجاه الله: الموقف الأول يضع الإنسان في علاقة مباشرة مع الله، ويمثل هذا الموقف كل من كيركغارد، وغبرييل مارسيل ، وكارل يسبرز ، ونيكولاي والموقف الثاني يرى الإنسان وحده في عزلة تامة، ويمثل هذا الموقف كل من نيتشه ، ومارتن هايدغر وجان بول سارتر وألبير كامو وللدقة في التصنيف فإن الوجودية تنقسم انقساماً حاداً إلى الوجودية ما قبل هايدغر، والوجودية ما بعده، من منظور أن هايدغر هو المؤسس الحقيقي للوجودية بصورتها المتكاملة، فقد أخذ عن هوسرل منهجه الظاهري وطبقه في كتابه الشهير الوجود والزمان مؤسساً بذلك علم الوجود الإنساني الذي كان له تأثير كبير في الفلاسفة الوجوديين وخاصة سارتر. وعليه أدّت الفينومينولوجيا دوراً مهماً في الفكر الوجودي بوصفها روحاً محركة له، حتى سميت وجودية هايدغر وسارتر بالوجودية الفينومينولوجية.

والحقيقة إن تيار الوجودية المؤمنة لم يبلغ من القوة والأهمية ما بلغه تيار

الوجودية الملحدة، أولاً لأنه لم يجد قيادة فكرية نظرية كتلك التي وجدها تيار الوجودية الملحدة في فلاسفة كبار كسارتر وموريس ميرلوبونتي ولأنه ثانياً لم يحسن استغلال الهزة العنيفة التي أثارها انبعاث الحركة الوجودية بعد عهد التحرير في شخص زعيمها الملحد سارتر ولاسيما في كتابه الشهير الوجود والعدم ونزعته التشاؤمية.

يتفق الفلاسفة الوجوديون في مبادئهم على أن الوجود يسبق الماهية، والوجود في المقام الأول هو الوجود الإنساني، وهذا الوجود متناهٍ لدخول الزمان في تركيبه. ويفهم من الوجود أنه فعل وعمل أنه انتقال من الممكن إلى الفعل، ويرافق هذا الانتقال حرية الاختيار، فالكائن الموجود الذي يختار مصيره طواعية هو الكائن الذي تتمثل فيه صفة الوجود الحقيقية. فالوجود عملية اختيار حر دائم لتحول فاعل دائم أيضاً. ووجود الإنسان الفرد يرتكز على مبدأ حريته في الاختيار والفعل، ومن هذا المنطلق يتحمل الإنسان مسؤولية وجوده، وهذا يؤدي به بالضرورة إلى السعي نحو تشكيل ماهيته، هذه الماهية الخاصة به وحده التي يبنيها باستمرار انطلاقاً من استكشاف إمكاناته الخاصة باختياره الحر للشخصية التي يؤديها بحرية تؤهله لاتخاذ قراراته، فيكون المسؤول الوحيد عن هذه القرارات وهذه الاختيارات. ففكرة أن الوجود يسبق الماهية لا تعني سوى أن الناس لا تحدهم طبيعتهم المسبقة عن ممارسة اختياراتهم، وأن اختياراتهم على العكس هي التي تحدد طبيعتهم.

تولي الوجودية اهتماماً بالغاً بمسألة الحرية بوصفها جوهر الطبيعة البشرية، وتعرّفها بأنها اختيار الفرد لممكن واحد من بين عدد لا نهائي من الممكنات. ويكمن مصدر النزعة الإرادية في تفسير الوجودية للحرية في الفصل بين الاختيار وظروفه، أي في عزل الفرد عن الضرورة الموضوعية أي عن القوانين، وعليه يحول الوجوديون مشكلة الحرية إلى مشكلة أخلاقية بحتة، ويعدون الحرية غاية قصوى بوصفها حرية الفرد في المجتمع.

وترى الوجودية أن الإنسان لا يمكن فهمه إلا في المواقف التي يختارها لنفسه، وأن أسبابها ليست كلها خارجية ولكنها في مزاجه أو انفعالاته أو إرادته، وهو ما يعبر عنه أصحاب الظواهر بفكرة القصدية. فوجود الإنسان عند هايدغر هو انفعالاته بهذا العالم، والعالم عند سارتر مشتق من الوجود الذاتي للإنسان، وهو وجود لا يعتمد على القوانين الموضوعية ومفتاحه الإنسان بما يصنعه بنفسه. ويستخدم سارتر فكرة أن الوجود عبث لينكر مبدأ السبب الكافي، ويطلق هايدغر على هذه الظاهرة اسم السقوط، ويقول: “إن تجربة السقوط تثير فينا القلق والحيرة ولكنها ضمان للحرية”.

وتعدّ التجربة الإنسانية عند الوجوديين أساس التجربة الوجودية، لأن الوجود هو المنبع الأساسي لجميع الأبحاث والتأملات الوجودية، ولا يمكن إدراك الوجود إلا من حيث إنه وجود، بعدّ أن الإنسان ذات محضة، يصنع ذاته بمطلق حريته، فتكون الحرية جزءاً من ذاته الوجودية، التي لا تدرك إلا بالإرادة والعاطفة، ففي ذات الإنسان قوى تتعارض وتتضارب أحياناً لتؤلف الديالكتيك الذي تحدث عنه الوجوديون، فالعاطفة وحدة متوترة تحوي إمكانية التألم والحب والقلقة ويقابلها السرور والكراهية والاطمئنان، والمعنى الوجودي للتألم مصدره الحد من تحقيق الممكنات، وهو شعور الذات الماهوية بأن ثمة مقاومة تعانيها من جراء صلتها بالعالم وبالآخرين، من حيث إنه ماهية ناقصة تسعى إلى استكمال نفسها عبر الانفتاح على الآخرين. أما الحب الوجودي فهو إفناء للآخرين في الذات، وبالمقابل فإن الكراهية شعور من الذات ضد إباء الآخرين الدخول في حوزتها.

ومن عناصر العاطفة التي اهتم بدراستها كيركغارد وهايدغر وسائر الوجوديين هو القلق. ويعرفه كيركغارد في كتابه “فكرة القلق” أنه “نفور عاطف وعطف نافر”؛ ويقول هايدغر: “إن القلق يكشف عن العدم”، ولا يتم التقاء القلق بالطمأنينة إلا عند الشعور بالموت، والأصل في هذا القلق هو شعور الفرد في فعله الحر بالخطيئة الناجمة بالضرورة من الاختيار؛ لأن الاختيار نبذ للممكنات، والاختيار ينطوي على المخاطرة، والمخاطرة تستدعي القلق، وبهذا يتسلل العدم إلى الوجود؛ ومن هنا جاءت الصلة الوثيقة بين العدم والحرية والقلق. أما سارتر فلم تحتل تجربة القلق في فلسفته المكانة التي نالتها عند كيركغارد أو مارسيل، لاقتناعه أن الفرد باختياره مسؤول عن نفسه وعن العالم كله.

ويرفض الوجوديون المعرفة العقلانية لأن العقل لا يوصل إلى الحقيقة، فالمعرفة لا تأتي إلا عن طريق ممارسة الواقع، ولا يمكن وضع الحقيقة الواقعية في تصورات دقيقة محكمة، أو حبسها ضمن مذهب مغلق، لأن الخبرة والمعرفة شذارت غير مكتملة، ولا يمكن لأي عقل أن يعرف العالم معرفة تامة، فلكل فيلسوف وجودي أسلوب خاص في التفلسف. والوسيلة الحقيقية للمعرفة أو التغلغل في عالم الوجود هي الحدس، بمعنى التجربة الوجودية عند مارسيل، والتفهم عند هايدغر، وتبين الوجود عند يسبرز، وهذا الحدس هو المنهج الظواهري عند هوسرل مع تفسيره تفسيراً لاعقلانياً.

للوجودية تأثير كبير في كثير من العلوم المختلفة، كعلم النفس والطب النفسي ، وعلم التربية، والآداب، فقد اهتم الفلاسفة الوجوديون بعلم النفس، والطب النفسي، خاصة سارتر الذي تحدث عن علم النفس “الفينومينولوجي”، في كتاباته خاصة في كتاب “نظرية الانفعال” الذي قدم فيه دراسة عميقة في الانفعال “الفينومينولوجي”، كما قدم في كتابه “الوجود والعدم”، دراسة بعنوان “الخطوط العامة لتحليل نفسي وجودي”. وبالمقابل استفاد الكثير من الأطباء والعلماء النفسيين من أفكار الوجودية، فانتقد ڤانغر مدرسة التحليل النفسي، وعدّ التقسيم الفرويدي للذات البشرية إلى الأنا، والأنا الأعلى، والهو تقسيماً خاطئاً ووهماً مطلقاً، لأن طاقة الإنسان وذاته ترتكز على اللحظة الراهنة من خلال الأنا التي تستطيع أن تفعل ما تريد، ولا يستطيع اللاشعور في التحليل النفسي أن يقضي على قدرة الإنسان على التحكم بذاته.

الفلسفة الأبيقورية Epicureanism :

يُنسب مذهب الأپيقوريين إلى أبيقور 340 ق.م – 270 ق.م ، وقد ساد ستة قرون. وإذا كانت لأبيقور ومن تبعه من تلاميذه نظرية في الطبيعة، مقتضاها إرجاع كل شيء في عالمنا إلى ذرات ، إلا أن اهتمامهم انصرف أساساً إلى الأخلاق. وقالوا فيها إن أساسها اللذة، واللذة هي هدف الإنسان في حياته. واللذة ليست مقصورة على اللذة الجسدية، بل تسمو عليها اللذة العقلية. وليس الأمر بالسعي إلى اللذة الوقتية، بل قد يكون بالعمل على منع الألم. وخير اللذات هي في هدوء البال، و طمأنينة النفس. وهدوء البال بدوره يتحقق بالحد من الرغبات، والحاجات، والبساطة، والاعتدال في العيش.

وكما أن اللذة هي غاية الحياة، فإن المعرفة لا تتحقق إلا عن طريق الحواس. والحواس ترشد المرء إلى تحديد طبيعة الشيء، فيصدر حكمه بعد الإدراك الحسي. غير أنه إذا أخطأ فليس الخطأ بناجم عن الإدراك الحسي،

وإنما ينتج من الحكم والإدراك الحسي والشعور باللذة، هما مقياسا الحقيقة، وأسلوب الوصول إلى المعرفة.

الفلسفة النفعية Utilitarianism :

الفلسفة النفعية مذهب أخلاقي اجتماعي لا ديني، يجعل من نفع الفرد والمجتمع مقياساً للسلوك، وأن الخير الأسمى هو تحقيق أكبر سعادة لأكبر عدد من الناس. وفي مجال الاقتصاد يقرر مذهب المنفعة أن قيمة السلعة تتوقف على قدر منفعتها وليس على نفقة العمل أو التكلفة. تأسس مذهب المنفعة في إنكلترا ومن أبرز شخصياته:

جيرمي بنتام 1748 – 1832م ويعد زعيم القائلين بمذهب النفعية ، ولد في لندن ، وقدم نظريته في النفعية في كتابه مقدمة لأصول الأخلاق والتشريع. جون ستيوارت ميل 1806- 1873م وهو فيلسوف إنكليزي ، ألف كتاب مذهب المنفعة ونادى بالحرية الفردية. هربرت سبنسر 1820 – 1903م وهو فيلسوف إنكليزي قال بتطور الأنواع قبل دارون. ج.أ. مور 1873 – 1958م وهو فيلسوف إنكليزي ألف كتاب أصول الأخلاق وأدخل تعديلات على مذهب النفعية إذ قبل الرأي القائل بأن صواب أي فعل من الأفعال يتوقف على النتائج الحسنة والسيئة التي تترتب عليه. يعد مذهب المنفعة نظرية في الأخلاق ، طبعت أتباعها بطابع مميز. إذ كان كل همهم الاهتمام بالحياة الدنيا والاغتراف من لذاتها. ويمكن تلخيص أفكاره فيما يلي: إن صواب أي عمل من الأعمال، إنما يحكم عليه بمقدار ما يسهم في زيادة السعادة الإنسانية أو في التقليل من شقاء الإنسان، بصرف النظر عن السداد الأخلاقي لقاعدة ما، أو مطابقتها للوحي أو للسلطة أو للتقليد أو للحس الأخلاقي أو للضمير. اللذة هي الشيء الوحيد الذي هو خير في ذاته، والألم هو الشيء الوحيد الذي هو شرٌّ في ذاته، والسعادة تشمل اللذة والتخلص من الألم، وإن رجحان كفة اللذة قد يعود هو نفسه فيصبح مصدراً للمزيد من اللذة. يمكن دفع الناس إلى التصرف على نحو يؤدي إلى السعادة العامة من خلال ما يلي: القانون بقصاصه، والرأي العام بجزاءاته من ثواب وعقاب ، فهما يحولان بين الناس وبين أن يأتوا من الأعمال ما يضاد الصالح العام. المنفعة الذاتية المستنيرة تدل الناس على أن الصالح العام ينطوي في أغلب الأحوال على منفعتهم الخاصة. إن لنظرية المنفعة جذور في الفكر اليوناني، وعند الفيلسوف أبيقور 342 – 270 ق.م بشكل خاص.

ويمكن في الوقت الحاضر أن نجد جذور مذهب المنفعة عند كل من: توماس هوبز 1588 – 1679م الفيلسوف الإنكليزي الذي يرى أن كلمة خير يقصد بها الشهوة ، وكلمة شر يقصد بها النفور. وجون لوك 1632 – 1704م الفيلسوف الإنكليزي وفرنسيس هتشون 1694 – 1747م الفيلسوف الايرلندي، ونظريته في الحس الأخلاقي تعبر في بعض جوانبها عن مذهب المنفعة إلا أنها ترتكز على الدين. كما نجد جذور مذهب المنفعة أيضاً عند ديفيد هيوم 1711 – 1776م الفيلسوف الإنكليزي الذي يرى أنه لا شيء يؤثر في الفعل الإرادي غير اللذة والألم، وقد يكون التأثير مباشراً. وعندما جاء جيرمي بنتام مؤسس مذهب المنفعة ، استفاد من كل من سبقوه منتهياً إلى نظرية متكاملة ، في رأيه ، ومستخدماً إياها على أوسع نطاق.

النفعية فكرة فلسفية لا تلتزم بالأصول الدينية، إذ تقيس صواب العمل بمقدار ما يحققه من منفعة وسعادة بصرف النظر عن توافقه مع الأخلاق أو مطابقته للدين ، وترى أن كلَّ ما يُلزم به الدين ، يمكن للقانون بقصاصه والرأي العام بجزاءاته أن يأتي به. ولا شك أن في هذا تجاوزاً يهدم أسس العقيدة ويحول المجتمعات إلى غابة تتصارع فيها المنافع بلا ضابط أو رابط.

مقصلة ديفيد هيوم  guillotine’Hume

ديفيد هيوم فيلسوف واقتصادي ومؤرخ اسكتلندي وشخصية مهمة في الفلسفة الغربية وتاريخ التنوير الاسكتلندي.

اشتهر كمؤرخ بداية، لكن الأكاديميين في السنوات الأخيرة ركزوا على كتاباته الفلسفية. وكان كتابه تاريخ إنكلترا مرجعا للتاريخ الإنكليزي لسنوات طويلة.

كان أول فيلسوف كبير في العصر الحديث يطرح فلسفة طبيعية شاملة تألفت جزئيا من رفض الفكرة السائدة تاريخيا بأن العقول البشرية نسخ

مصغرة عن ” العقل الإلهي” بدأ تشكيك ديفيد هيوم برفضه هذه “البصيرة المثالية” والثقة المشتقة منها بأن العالم هو كما يمثله البشر. عارض هيوم حجج وجود الاله كالحجة من التعقيد والحجة من المحرك الأول، كما رفض الديانات والمسيحية وكتبها كدليل على وجود خالق. وبدلا من ذلك رأى أن أفضل ما يمكن القيام به تطبيق أقوى المبادئ التجريبية والمفسرة الموجودة من أجل دراسة ظاهرة العقل البشري، فبدأ بمشروع شبه نيوتني “علم الإنسان”.

قال عنه الفيلسوف كانت لقد أيقظني هيوم من “السبات الدوغمائي”.

تأثر ديفيد هيوم جدا بتجريبيين مثل جون لوك وجورج بركلي وبكتاب فرنسيين وبمفكرين إنكليز واسكتلنديين مثل إسحاق نيوتن وساميل كلارك وفرانسس هتشون وادم سميث وجوزف بتلر.

قامت فلسفة هيوم على عدم الثقة بالتأمل الفلسفي. ولكنه آمن أن كل معرفة جديدة تأتي نتيجة للخبرة، وأن كل الخبرات لا توجد إلا في العقل على شكل وحدات فردية من الخبرة، وكان يعتقد أنّ كل ما مَرّ به الفرد مباشرةً من خبرة لم يكن أكثر من محتويات شعوره الخاص، أو ما يتضمنه عقله الخاص. كما كان ديفيد هيوم يعتقد بوجود عالم ما خارج منطقة الشعور الإنساني، ولكن لم يطرأ على ذهنه أنّ هذا الاعتقاد كان من الممكن إثباته.

أطلق هيوم على وحدات الخبرة الحيوية الفعّالة اسم المدركات الحسِّية، أما وحدات الخبرة الأقل حيوية وفعالية فقد أطلق عليها اسم المعتقدات أو الأفكار. فالكلمات والمدركات لها معانيها عند الشخص إذا كانت لها علاقة مباشرة بوحدات الخبرة هذه. وكانت كل وحدة من الخبرة منفصلة متميزة عن بقية الوحدات الأخرى جميعها، على الرغم من أن الوحدات عادة ما تُمارس وتُجرب على أنها مرتبطة بعضها ببعض. وطبقًا لما يراه هيوم، فقد ربطت ثلاثة مبادئ الأفكار المتحدة بعضها ببعض:

1- التشابه 2- التّماس أو التجاور 3- السبب والنتيجة (الأثر).

ففي التشابه ؛ إذا ما تشابهت وحدتان من الخبرة، فإن التفكير في واحدة قد يؤدي إلى التفكير في الأخرى. أما في حالة إذا ما تلازمت وتجاورت

وحدتان الواحدة مع الأخرى، فإن التفكير في واحدة قد يثير التفكير عن الأخرى. وفي حالة السبب والنتيجة، فإذا ما سبقت وحدة واحدة باستمرار وحدة أخرى، فإن فكرة الوحدة الأولى ستظهر في فكرة الوحدة الثانية. وقد اشتهر هيوم بهجومه على مبدأ السببية. ويقرر هذا المبدأ أنه لا يمكن أن يحدث أو يظهر إلى عالم الوجود شيء من غير سبب. وكان هيوم يعتقد أنه بالرغم من أن حدثًا واحدًا (مجموعة من الانطباعات) يسبق دائمًا حدثًا آخر، إلا أن هذا لا يثبت أن الحدث الأول سبّب الحدث الثاني.

وقال هيوم كذلك: إن التزامن المتواصل بين حدثين، ينشئ توقعًا بأن الحدث الثاني سوف يتم حدوثه بعد الأول. ولكن لم يكن هذا شيئا أكثر من اعتقاد راسخ، أو عادة عقلية علمتنا إياها الخبرة، ولم يستطع أحد أن يبرهن أن هناك ارتباطات سببية بين الانطباعات وقد بنى هيوم نظريته عن الأخلاقيات على الخبرة، رافضًا الرأي القائل بأن العقل في استطاعته التمييز بين الفضيلة والرذيلة. وقد فحص الظروف التي كان فيها الناس يتحدثون عن الأخلاقيات. وختم أقواله بأن الميزات الفاضلة عند الناس هي تلك التي كانت سائغة أو نافعة لهم. وكان هيوم يزعم أن الناس جميعًا يملكون عاطفة الخيرية؛ ومعناها الرغبة الطيبة، وأن هذه العاطفة كانت أساس الأحكام الأخلاقية.

في القرن الحادي والعشرين التمييز بين العبارات المعيارية والوصفية هو أمر لا يقوم به الناس عادة بشكل صحيح سواء كان ذلك بسبب عدم المعرفة أو عدم القدرة . وهذا هو أصل الكثير من الجدل المريع لأن الناس يمزجون بين ما يجب أن يكون وما هو في الواقع. وهذا أمر مهم لأننا نستطيع أن نقول أن “هذا هو الوضع سيكون من الأفضل إذا كان الأمر كذلك” وهذا يعني ضمنيًا أن لديك مبررًا أساسيًا لتقييم الوضع الحالي وكيف يمكن للاقتراح الذي تقدمه أن يجعله أفضل. وهذا يعني أيضا القدرة على فهم الأساس المنطقي لكيفية صياغة الآراء في المقام الأول ، الأمر الذي يتطلب فهمًا ذاتيًا للنفس على مستوى لا يمكن إزعاج الكثير من الناس به حقًا. وهذا جعلنا نسميها مقصلة هيوم .

فلسفة المغالطات المنطقية Logical fallacies:

تنتشر المغالطات المنطقية خاصة في المجتمع الديمقراطي حيث يحتم على المرء دائمًا أن يكون لديه عقل نقدي فيما يتعلق بالبيانات التي يقدمها شخص يروج لأي حل أو رأي معين . وتستخدم المغالطات المنطقية سواء الرسمية أو غير الرسمية اليوم مثلما كانت في اليونان القديمة أو روما حيث تم تدوينها لأول مرة . إن مجرد القدرة على اكتشاف حجة ما بعد المحاكمة أو فهم مفهوم “تقديم الدعم” سوف يمنحك رؤية أفضل لرؤية الأشياء بعقلانية أكثر ومقاربة آراء ومناقشات الآخرين بصورة أفضل.

تحاول فلسفة المغالطات المنطقية أن تتلاعب بالعقول وتوجيه الرأي العام واقناع الأخرين بما ليس صحيحا كما يحدث حاليا في وسائل الاعلام المختلفة . وفي القرن الحادي والعشرين صارت المغالطات المنطقية مذهبا يتبعه كثيرون ومدرسة تعلم ما يجب أن يكون في الدعايات المغرضة التي تهدف إلى تحريف الحقائق وتزوير الوقائع وصولا إلى تحقيق غايات سياسية أو منطقية . وقد ازدهرت هذه الفلسفة أيام الحرب الباردة بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة أما اليوم فهي الخبز اليومي لوسائل الإعلام الجماعية . للمغالطات المنطقية أشكال مختلفة ووسائل مختلفة كما يحدث اليوم في الحرب الشرسة على سورية وشعبها. ومن المغالطات المنطقية التي نراها يوميا في الاعلام الغربي والإسرائيلي كأن تصف المقاومة الفلسطينية بأنها عنف أو أن تسمي مقاومة الاحتلال ارهابا والعدوان تحالفا دوليا . ونجد المغالطات المنطقية كثيرا في وسائل الإعلام الرسمية والاعلام المضاد لها .

كانت الفلسفة دائما هي المحرك للكون من فجر التاريخ وحتى اليوم وتأتي في المرتبة الأولى في العلوم وقد يكون الغرب أول من فهم أثر الفلسفة على الشعوب ودورها في تكوين الرأي العام ولهذا السبب لجأ الغرب إلى مأسسة الفكر الفلسفي وتوجيهه حيث يريد في حين ان الأمم الأخرى غارقة في أحلام اللاهوت ولون الإله والحروب والفقر .

لا تعليقات

اترك رد