لا لأجل فوز فلان وخسارة فعلان


 

الكتل والائتلافات التي اعلنت مفوضية الانتخابات مشاركتها في انتخابات مايس المقبل هي نفس الكتل المشكلة للبرلمان والحكومة- عدا بضعة افراد – وان شهدت جميعها انشقاقات وانسحابات على مستوى الأفراد أو الجماعة شكلوا بدورهم تجمعاً جديداً أو أنضموا إلى كتلة أخرى تقترب من طروحاتهم أو توجهاتهم التي أستجدت بعد ممارستهم السياسة واشتراكهم في ادارة عملية التغيير خلال السنوات المنصرمة.

لعل الجديد اللافت في هذه التشكيلات احتواؤها على شخصيات من مكونات مختلفة مثلت أغلب أطياف الشعب العراقي وهذا بدوره ازال مسحة الطائفية أو الأثنية التي طبعت وغلبت على صور معظم الأحزاب والتحالفات التي أدارت العملية السياسية بعد سقوط السلطة السابقة أو التي بقيت خارجها لأسباب معروفة. وبغض النظر عن أهداف وغايات ومقاصد هذا التحول الجديد فانه يؤشر بوضوح انحسار التكتلات الطائفية والتحزبات العنصرية ويثبت بما لا يدع مجالاً للشك بأن الخيار الوطني هو الأول والأخير وهو السبيل الوحيد الذي يخرج متبنيه عن دائرة الريبة والشكوك والظنون وأنه الحل الأمثل لكل الاشكالات والعقد التي اعترضت وتعترض مسار العملية السياسية وحددت حركتها.

لقد رأى المواطن العراقي – الذي سئم الوعود ومل التطلع ومات من الصبر وصار يشكك بكل النوايا ويعزف عن المشاركة في أي نشاط اجتماعي ويتردد في المشاركة بالانتخابات المقبلة وهذا ما عكسته المشاركة الضعيفة في عملية تحديث سجل الناخبين والتي أطلقتها المفوضية المستقلة للانتخابات حيث فتحت باب الأعتراض والتأكد من صحة المعلومات لكل فرد عراقي حسب بطاقته الانتخابية لغرض اجراء التعديل والتصحيح وتثبيت المتغيرات ورغم الدعوات المتكررة من قبل هذه المفوضية ولجانها المنتشرة في كل محافظة بل في كل منطقة انتخابية ولمدة ثلاثين يوماً تم تمديدها عدة مرات ظل التجاوب الشعبي محدوداً نتيجة لقناعة الجمهور بعدم جدوى المراجعة المعروفة النتيجة والتي أثبتتها التجربة السابقة حيث حرمت آلاف العوائل المهجرة من حقها في المشاركة الانتخابية سواء في مناطقها الأصلية أو المناطق التي هجرت إليها.- نعود للقول بأن المواطن العراقي رأى في تشكيلة الائتلافات الجديدة نفساً وطنياً وتوجهاً جاداً لتصحيح مسار العملية السياسية بعد أن أثبتت تجربة البرلمانات السابقة عقم التكتلات الفئوية والمحاصصات الجهوية وفشل واخفاق معظم الوزارات في تقديم أو تحقيق ما يتمناه المواطن من مشاريع سكنية أو خدمية أو صحية أو معالجات لازماته المستعصية منذ قرون وهذا ناجم عن ارتباط الوزراء بكتلهم وأحزابهم التي ينفذون أوامرها حتى وان تقاطعت مع مصالح الناس، وبما أن الكتل ظلت في نزاع وخلاف واختلاف وتقاطع مع بعضها فقد بقيت المشاريع تراوح مكانها وظل المواطن المحروم يدفع ثمن خصومات واختلاف السياسيين الذين استبشر بمقدمهم محررين ومنقذين وهب لأنتخابهم مدفوعاً بحس وطني متحدياً مراهنات أعداء العراق على افشال التجربة الديمقراطية.

لا شك ان انفتاح الكتل السياسية الكبيرة على جميع التيارات الدينية واللبرالية والشخصيات الوطنية والعشائرية ومجالس الانقاذ بغض النظر عن توجهاتها وميولها واهوائها مؤشر ايجابي وعلامة صحوة واستشراف ناضج لقراءة المشهد المستقبلي لعملية التحول الديمقراطي في العراق، الأمر الذي يدفع الجماهير الغاضبة من اداء سياسييها ومرشحيها الذين أوصلتهم لمجلس النواب وحملتهم الأمانة فما رعوها حق رعايتها وصاروا سبباً في نكوص هذه الجماهير وتراجع دعمها للعملية السياسية ويئسها من تحقيق مكاسب منظورة وخوفها من تكرار مشهد الخذلان في مرشحيها الجدد – نقول ان انفتاح الكتل الكبيرة واستيعابها لمختلف التيارات سيدفع الجماهير لخوض التجربة الانتخابية الجديدة وذلك بالوقوف مع القوائم المنفتحة لمنحها فرصة أخيرة لممارسة تجربتها والتي هي حصيلة ثلاث تجارب ماضية بعد الاستفادة من أخطاء تلك المراحل والحرص على العمل بخطوات محسوبة مدروسة وبرامج ناضجة وأفكار بناءة.

صحيح أن الدورات الانتخابية الماضية لم تؤت ثمارها وان الجماهير لم تجن ما كانت تصبوا إليه، وصحيح ان الفترة السابقة مرت مثقلة بالأخطاء والعثرات لأسباب ذكرناها وأسباب يعرفها الجميع، لكن هذا لا يعني نهاية العالم ولا يدفعنا للتشكيك واليأس والقنوط والتخلي عن مشروعنا الديمقراطي.

فالمشروع الديمقراطي العراقي تجاوز مرحلة التأسيس وعبر مرحلة الانشاء وباشر مرحلة الثبات والرسوخ كونه ليس من صنع أشخاص بعينهم، ولا هو ولادة فئة معينة. نعم أنه بذرة خير غرسها العراقيون كل العراقيين في شغاف قلوبهم؛ وسقوها بطوفان من دماء أحرارهم وقوافل شهدائهم؛ فبسقت واخضرت واينعت، وحتى تؤتي ثمارها لابد من مواصلة مسار رعايتها، وبعض من هذا المسار مشاركتنا في الانتخابات المقبلة لا لأجل ان يأتي فلان ويذهب فعلان بل لاجل ان يثمر المشروع الديمقراطي فالكل ذاهبون والعراق باق بمشروعه الديمقراطي الجديد.

لا تعليقات