كل ما في الأمر…!


 

الأمة أو بالأحرى الأزمة، ليست بحاجة لشاعر آخر فقد اكتمل نصاب الغجر اعتذر أقصد نصاب الشعر، وأصبح الجميع شعراء. ولسنا بحاجة لمطرب إضافي تنتخبه الملايين فالكل صار يغني. ولسنا بحاجة لراقصة فالملاهي النائية عن القصف والموت تعج بالراقصات.

لسنا بحاجة لمزيد من الدعاة فالفضائيات العربية تكتظ بهؤلاء الدعاة؛ لكن الأزمة بحاجة لزعيم. زعيمٌ يحمل الحد الأدنى من مواصفات الزعيم المحفورة صورته الأولية على باب الذاكرة المهجورة، ويحمل ولو الجزء اليسير من ملامح القدوة والمثل الأعلى الذي يُقتدى به ويُفتدى بالأرواح من أجل رسالته ومبادئه. زعيمٌ صادق ومؤمن بقضايا أمته وجلّ ما يحلم ويصبو إليه هي الحرية وكرامة شعبه وأمته.

واليوم وفي زمن التلوث الفكري والضبابية التي تخيّم على الصورة المثلى والحقيقية لكل شيءٍ، بتنا نشاهد بأن أغلب النساء وعلى الرغم من أنهن على حسب المعايير والمقاييس المبتكرة لتقييم الشخص المثقف؛ هن مثقفات ولهن مكانة اجتماعية مرموقة، يعشن في جاهلية تفوق في شكلها شكل الجاهلية الأولى؛ إذ أنهن لا يترددن في أن يتخذن إحدى الفنانات المشهورات مثلاً أعلى يقتدين بها ويقتدين بصدرها الكبير وبشفاها الغليظة، ولا يترددن في أن يقتدين بحجم ومقاس أردافها، ومن شدة تأثرهن بتلك الفنانة ينمن على أرصفة عيادات التجميل ليصبحن صورة طبق الأصل من تلك الفنانة فهي مثلهن الأعلى.

واليوم في زمن القحط من الماجدات والمتمردات على الظلم لا نجد امرأة تسعى لتكون مثل ” جميلة بوحيرد” أنثى في العشرين من عمرها وفي أوج صباها كانت تناضل من أجل حرية وطنها.

أليست الأزمة بأمس الحاجة لتجميل العقول أكثر من تجميل الوجوه، ونفخ العقول بدلاً من نفخ الشفاه والأرداف؟؟

في غياب الصورة الحقيقية لمعنى القدوة والزعيم عن الساحة العربية، وبعد أن أصبح أمثال صلاح الدين، وأحمد عرابي، وعز الدين القسام، وعمر المختار وأسماء كثيرة لقادة وزعماء لا أحد من شباب اليوم يعرف عن هؤلاء الزعماء والقادة شيئاً، ويحسبون بأنهم مجرد ضرب من الخيال أو شخصيات من الخرافة والأسطورة.

هذا الجيل الناعم والمرفه، صاحب الشعر المصفف والوجه اللامع والشكل الأقرب إلى الأنثوي منه إلى الرجولي، والرجولي الأقرب من الأنثوي؛ لن يصدق هذا الجيل بأن القادة الايطاليون الذين طاردوا عمر المختار ليتخلصوا منه هم أنفسهم لحظة اعدامه احترموا إيمانه بقضية شعبه وألقوا تحية العرفان لروحه التي كانت ثمناً لحرية وكرامة شعبه؛ فحتي الأعداء يضطروا أن يعترفوا بعظمة وقيمة الزعيم الصادق.

لكن ثمة ما يبرر الجهل لدى هذا الجيل وعدم تصديقه لمثل هذه الحكايات والبطولات، فكيف له أن يصدق وهو ينظر إلى حال أمته الهزيل والمشرذم بأن هناك زعماء وقادة عرب قد وصلت فتوحاتهم إلى حدود الصين وهو يرى بأن جميع المنتجات التي تشتريها الأمة العربية هي من صنع الصين؟

العالم الغربي وبعد أن تأكد وبما لا يستدعي الشك بأنه ليس في هذه الأمة من زعيم قلبه على أمته وشعبه، بل همّه اشباع رغباته ورواء عطشه النرجسي من جنون العظمة؛ بات من السهل على أصحاب المطامع الكبيرة وأصحاب الخطط الاستراتيجية لنهب الثروات العربية وإدخالها في حالة فوضى وشغب داخلي أن يعبث بعقول شبابها ويزين لهم صورة الفوضى على إنها ديمقراطية ويوهمها بأن الثرثرة هي ثورة.

صورة القاعدة والهرم الأخلاقي والعقائدي والفكري في الأمة:

المعلم:
انهارت صورة المعلم وتشوهت ملامح صانع الأجيال وتحول إلى مجرد تاجر يقصّر في واجبه ولا يعطي التعليم حقه لينال على فرصة الربح الأكثر من خلال الدروس الخصوصية؛ فمن الطبيعي أن يتحول المعلم من المربي الفاضل إلى لص لأن حكومته لا توليه أهمية ولا تعطيه ما يسد حاجته من الحياة وتتعامل معه وكأنه حشرة لا قيمة له إلى أن أصبح الطلاب يتطاولون عليه ويصلون في تماديهم إلى ضرب المعلم، واليوم أصبحت ظاهرة الاستهزاء بالمعلم منتشرة على “اليوتيوب” للضحك والسخرية والمشاهدات.

الطبيب:
ذاك الملاك المرهف والمنقذ والمخلص للآلام، لم يعد همه أن يداوي المريض بقدر ما يهمّه أن يأخذ أجوره العالية مسبقاً ويساوم المريض قبل أن يضع سماعته أو يضرب ضربة واحدة بمشرطه.

السياسي:
يدفع الغالي والنفيس ليصل إلى دفة الحكم والمنصب، ولكي يفوز بالانتخابات يشتري الهويات ويعطي المساكين القروش القليلة ثمن أصواتهم وما أن يصل إلى الكرسي ينهب ويسرق ما تطاله يداه ومكانته ليعوض كل الذي أنفقه أضعاف مضاعفة لأن المنصب بالنسبة له فرصة العمر والفرص لا تكرر مرتين.

الشباب العربي:
عندما يصبح لاعب كرة مشهور هو قدوة للشاب العربي ويتأثر به إلى حد الهوس ويقلد قصة شعره ويحمل رقم قميصه ويعرف عنه كل شاردة وواردة ويصبح متيماً به من الطبيعي أن تتحول صورة القدوة من زعيم وقائد عربي إلى لاعب كرة ولن يشغل نفسه في قراءة تاريخه العربي ليعرف الزعماء والقادة الذين غيّروا الزمان والمكان ببطولاتهم ومواقفهم وسوف يكتفي بهذا القدوة الغربي

المرأة:
وعندما تصبح ممثلة أو راقصة أو مغنية قدوة لكثير من النساء العربيات حتماً فأن الأمة سوف تصبح نادياً ليلياً وليس نادياً ثقافياً للمطالعة ومعالجة الجهل والتخلف.

الرئيس أو الزعيم:
حين نرى رئيس دولة أو زعيم حزب همّه وحلمه الكبيرين إبادة شعبه وتهجيره وتجويعه وترويعه وإدخال بلده في حالة فوضى وشتات ستعرف بأن الأمة لم يعد فيها زعيم حقيقي ولا قائد صادق ولا قدوة حسنة.

التغيير الأيدولوجي:
حين نشاهد بأن الزعيم يقوم بتغيير بلاده بشكل مفاجئ وخاطف للأذهان من بلد محافظ إلى بلد متحرر ويرمي بالقيم والعادات العتيقة عرض الحائط؛ لمجرد أنه قد تلقى أجندة التغيير من المافيا الغربية حينها نتأكد بأن الأمة العربية إلى زوال وبأن القدوة والمثل الأعلى ما هو إلا ضرب من الخيال واسطورة اخترعوها لنا وأهمونا بوجودها.

* فكل ما في الأمر:
إننا اليوم وفي الوقت الحرج من الأزمة العربية، بأمس الحاجة إلى قدوة مفكر وليس مدمّر ولا مجرد قائد عسكري جلف المشاعر؛ ليقتدي به الجميع من خلال سلوكه الفكري القويم، والوطني النبيل، ومبادئه القومية الثابتة، وقلبه الذي ينبض لشعبه وأمته لا ينبض على لنرجسيته وهوسه بعرشه، ولا يكون دمية يحركها الأغراب لتحقيق مصالحهم وأطماعهم.

فهل سيطلُع لنا في هذا الزمن العاقر من الزعماء، زعيماً عربياً قومياً، وطنياً، يُحمل على أكتاف القلوب قبل أكتاف الأجساد؟؟؟؟

المقال السابقخدمة الزبون أو العميل CUSTOMER SERVICE
المقال التالىثلاثية العقل والسعادة
الشاعر السوري لؤي طه، الذي يراوغ رؤاه في كل مرة، ويبحث عن شتات الإنسانية وولع الذات التي تكون حاضرة في أشياؤه وأشياء الآخر. ليس هذا فحسب إنما يسمح لعاطفته أن تقوده إلى كتابة مالا يكتبه الآخر في أمكنة تستنطق الكلمات لتوقظ مساحة البوح. الشاعر لؤي طه، سوري الجنسية من مواليد 1970 يعتبر أن القصيدة توأمة....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد