قوانين التعليم في العراق بين الآمال والعقبات

 

انطلق التعليم في العراق ما بعد كتاتيب العصمللية بولادة الدولة العراقية 1921، وكان ساطع الحصري ركناً مؤسساً لنظامه ولوائح العمل في مراحل مسؤوليته عما يقارب التسعين مدرسة والـ490 تدريسيا لأكثر من 7400 تلميذ زادت بحجم الضعف في العام الثاني فيما بلغ عدد المدارس عام 58 أكثر من (2030) مدرسة و فاق عدد التلاميذ (416600) ولهم أكثر من (12250) تدريسي..

ما ينبغي التمحص فيه هو سياسة التعليم التي قامت على إعلاء الشعور القومي وهو أمر جد عادي في ضوء فلسفة المرحلة التي أعقبت الحرب الكونية الأولى وهزيمة الدولة العثمانية والاستفادة من إذكاء الشعور القومي في حينه، مع الالتفات إلى البعد الوطني في الاشتغال..

ثم تأتي ثورة 14 تموز الوطنية التحررية بكل ما جاء فيها من توجهات لإطلاق عمليات البناء والتنمية التي تطلبت اهتماما أكبر بالتعليم بخاصة في شقيه المهني والجامعي العالي، إذ سنشهد تطورات جدية في بناء الجامعة.. ومع التقلبات المتعددة وفي ضوء تأثير التضاغطات السياسية في سبعينات القرن المنصرم وما تلاها فقد شهدت زيادة الدخل القومي وإطلاق مشروعات استراتيجية توجهات لضبط مسار التعليم بقوانين جدية فاعلة لكنها لم تخلُ من شوائب ومثالب تخص الأدلجة الحزبية وإفرازاتها من دون أن تنعكس على مشهد التطور في التعليم و\أو على مخرجات تتلاءم ومسيرة المجتمع حينها.

وهكذا ظهر إلى النور قانون التعليم الإلزامي رقم 118 لسنة 1976 وتعديلاته بمثال التعديل الأول بقانون 116 لسنة 1987 وإذ كانت البداية الجامعية قد انطلقت مع معهد الأعظمية ومكتب الحقوق اللذين تأسسا في الربع الأخير من القرن 19 فإن عدد الجامعات بنهاية القرن 20 قارب الـ25 جامعة منها جامعات متخصصة في علوم الهندسة والطب… ونظم اللوائح فيها قانون التعليم العالي ذي الرقم 40 لعام 1988 وهو القانون الذي سجل مرة أخرى توجهاً قوميا لكن هذه المرة بنغمة تخص سياسة حزبية بعينها ورؤية شخصية فرضت سطوتها على المجتمع وفلسفته، مع توالي التعديلات لاحقا في أعوام 95 و2000 وما تبعها…

إن تلكم القوانين واللوائح بوقت كانت خطوة يمكن تسجيلها محسوبة على البعد النوعي بالاتجاه إلى أمام في تنظيم التعليم والاستجابة لتراكم الخبرات كمياً، إلا أنها تبقى ابنة مراحلها التي يُفترض أن تكون اليوم طيا منسيا في ظل المتغيرات الراديكالية العاصفة سواء في البلاد أم عالميا حيث التطور النوعي في التعليم وطابعه وما يحكمه من قنونة…

لقد استجابت تلك القوانين لجانب من حاجات البلاد هو الجانب الذي يتفق وفلسفة السلطات وهويتها وتركت الحاجة الفعلية النوعية التي تتطلبها مهام التنمية البشرية.. وكانت الفرصة جدية ما بعد 2003 كي يجري معالجة تلك القوانين على وفق الحاجات الفعلية الحقيقية للبلاد؛ إلا أننا سنجد ولادة سلطة الطائفية الكلبتوقراطية سبباً خطيراً لا لاجترار أسوأ ما في تلك القوانين واللوائح بل لتقديم خلطة أكثر سوءاً باجترارها فلسفة ماضوية تعود لمراحل الطائفية القروسطية بظلامياتها وهمجيتها لتصاغ القوانين (الشفاهية) البديلة في ضوئها…

دعونا نستذكر حقيقة، أن قوانين السبعينات وما تلاها فرضت التعليم الإلزامي كما وفّرت فرصاً جدية لمحو نهائي للأمية وطورت الجامعة في مجالات مخرجاتها ومجالات البحث العلمي وجانبا من الربط بالميادين والحقول الاقتصادية التي تخدم توجهات النظام.. إلا أن فلسفة الحكم الاستبدادي لدكتاتور طاغية وسطوة أدواته القمعية فرضت خرقاً لتلك القوانين حيث تفشى الطابع الأمني (القمعي) وهو ما تبدى بوضوح في حقول العلوم الإنسانية التي تعني إنضاج المسار الاجتماعي بخلاف ما كان يجري من تهديم في القيم المجتمعية الأمر الذي أوقع الشعب والوطن في دهاليز معتمة كثيرة التعقيد بالإشارة إلى الخلل القيمي الأخلاقي بالمعنى الأوسع للمصطلح وهو ما كان يعني إصدار قوانين مع وقف التنفيذ بالمجالات التي لا تلائم السلطة السياسية…

ما الذي حصل ما بعد 2003؟

تسلمت عناصر هزيلة لم تفتقد المبادئ والقيم المؤملة بالبديل الجديد بل وافتقدت المعرفة والكفاءة وباتت ميادين الحياة كافة في خبر كان.. فتوقفت الصناعة وانهارت مشروعات الزراعة وفسدت الفعالية التجارية فيما تم إلقاء مخرجات التعليم على أرصفة البطالة لأسباب منها عدم توفير استراتيجيات اشتغال الجامعات وحقول التعليم بحسب الحاجة وتقصُّد إفشاء البطالة فانتشر الخريجون بين مهزوم لا يلوي على أرض أو عنوان في المنافي وبين من احتوته فيالق العصابات والمافيات والمحسوبيات والميليشيات، وانفصم التدريسيون عن إرادة الفعل المعرفي العلمي المنظم أو انساق بعض خريجين ممن ينتسب لجامعة ما بعد 2003 التي دفعت بمخرجات هزيلة إلا من رحم ربي كما يقال شعبياً…

وبمستوى الهيأتين التنفيذية والتشريعية العليا في البلاد لم نجد منهما أي استجابة لبحوث ومشروعات قوانين للتعليم أو تعديل وتطوير عليها. ولكننا بدل ذلك، كنا شهوداً على مشروعات تخريبية كارثية فادحة الأثر…

فإذا كان النظام السابق ينتهك بعض مفردات ما سُنّ من قوانين فإن النظام الحالي يسترجع أسوأ ما في تلك القوانين ويضيف عليها لا خروقات بل تمزيقاً لكل منطق وضابط بسيف القدسية المزيفة التي ما أنزل الله بها من سلطان.. وصارت فتاوى رجال تجهيل وتخلف ارتدوا عمامة التضليل وكأنها سلطان معصوم يجري بوساطته تصفية من يعارضه بلا محاكمة ولا قضاء وطبعا بلا قانون…!

في المرحلة الراهنة تم سنّ قانون الكليات الأهلية لعام 2016 وهو وغيره من اللوائح المعمول بها مازال بعيداً عن التشريع الفعلي ووضع الضوابط التي تتناسب وحاجات البلاد. ولطالما قدم الأساتذة والكوادر العلمية مشروعات قوانين مثلما تم عرض قانون مصاغ بالكامل للتعليم الألكتروني بما يستجيب للواقع الراهن وكيف يمكن استثماره إلا أن المشروع ظل حبيس المكاتب والوعود وأوهام المخادعة والتضليل…

ونذكّر هنا بالكيفية التي استغل بها أحد وزراء التعليم العالي قانونا سابقا ليصادر الحريات الطالبية وحق الطلبة في تنظيماتهم المهنية الديموقراطية الحرة المستقلة. طبعا هذا يُطبّق على منظمات حقيقية حرة مثل اتحاد الطلبة العام أول منظمة طالبية عراقية وعضو في قيادة اتحاد الطلبة العالمي، بينما يغضون الطرف عن تشكيلات أشبه بالعسكرية وقرينة بمنظمة السلطة ايام النظام السابق.أليس ذلك بكارثة اجترار القوانين وعرقلة مسيرة التعليم السليمة…؟

إن إشكالية لوائح التعليم وقوانينه تبقى قضية استراتيجية عميقة الغور في رسم السياسات التعليمية وتوجيهها حيث ينبغي من حاجات وضرورات تخص بناء أرضية التنمية فعليا لا بشعارات زائفة ولا باجترارات سلبية مزوقة المظهر مرضية الجوهر.. وتلك الإشكالية تثير إحالات مهمة ينبغي التنبه عليها، منها:

ضبط السياسة التعليمية واتجاهها العام، بما يتلاءم ومنطق المرحلة.
وضع أسس إجبارية للدولة والمجتمع في فرض التعليم الأساس إلزامياً على الجميع. على الدولة بتوفير التعليم وأدواته وعلى المجتمع بفرضه قانونياً وبإعلاء مستسوي الوقعي القانوني وخطابه وثقافته…
رسم حقول التعليم المتفقة وحاجات إعادة الإعمار والتنمية بخطط واضحة المخرجات على وفق حقول تلك الحاجات.
رسم اتجاهات المناهج ومضامينها العلمية البحتة وتخليصها من كل ما تم إدخاله من قشمريات باسم الدين مما لم يُنزل الله بها من سلطان.
حظر أشكال خطاب التمييز الديني المذهبي أو فرض اعتقاد بعينه على حساب الآخر وحطر قاطع آخر لممارسة الطقوس في أروقة المدارس والحرم الجامعي..
وتساهم قوانين التعليم الأساس والمهني والعالي الجامعي في إنهاء التشوهات المرضية التي تخترقه لأي ذريعة كانت.
كما تمنع اللوائح حالات مصادرة نهج ديموقراطية التعليم أو انتهاك الحريات والحقوق فيه بخاصة في منع الاستبداد والبلطجة…
منع عسكرة مجتمع التعليم وفرض منطق الشلل المسلحة من ميليشيات مقدسة وغير مقدسة وقحة وغير وقحة فكلها تقع بنهج عنفي واحد مرفوض.
تنظم قوانين التعليم أساليب العمل في المدارس والجامعات وتمنع الاشتغالات الكيفية السلبية بذات الوقت الذي تطلق مهام الإبداع في الإنجاز والإنتاج بحرية.
تُلزم الحكومة والجهات التشريعية بواجباتها تجاه نظام التعليم واشتغاله المعرفي التربوي…
تساهم مع القوانين العامة الأخرى في حماية عناصر التعليم من الابتزاز والتشويه والتصفية..
توقف اية فرصة لمصادرة حرية البحث العلمي وما تمرره قوى بعينها لمواقف فكرية سياسية قمعية بخاصة في العلوم الإنسانية.
تضع التعليم في موقعه المناسب من جهة الأولوية في الموازنات وفي رسم الخطط الملائمة بالخصوص فتنهي لعبة المدارس الطينية وغير المكتملة وتُنهي أيضا حال الجامعات بلا مختبرات ومرافق بحثية.
تحدد معالم العلاقات العلمية الثقافية والأدوار في المجالين بالاتفاق واتجاه التطور الإنساني برمته…
تحديد آليات العمل في الجامعة وأقسامها والمدارس وتحدد أدوار الجميع بدقة وموضوعية..
ترسم وسائل حفظ استقلالية الجامعة وحرية البحث العلمي.
ربما ليس تكراراً تسجيل نقطة ذات أهمية تحظر فيها قوانين التعليم أية فرصة لنشر خطاب الخرافة ودجله بأي شكل بمقابل فتح آفاق خيارات التعليم الأحدث والأكثر اتفاقا والحاجة.

لقد صاغت حركة التعليم في العراق أسس عملها بقوانين منذ مراحل التأسيس المبكرة، إلا أن المتغيرات الراديكالية محلياً وعالمياً باتت تفرض تحديثاً جوهرياً فيها يمكنها من مطاردة التقدم التكنولوجي العاصف لا تراجعاً كما يجري اليوم بظلال سلطة ظلامية تضليلية فرضت التشوهات والأمراض بقصد إحداث مزيد حالات تجهييل وتخلف بمخرجات هزيلة مشوهة لا تتفق وضرورات تفرضها حركة التنمية المنشودة..

وهكذا فإن قوانين التعليم في العراق كما اية قراءة منصفة متفحصة لا تستجيب للآمال والتطلعات ولكنها تخضع لمزيد عقبات وعراقيل عي نتيجة حتمية لطابع النظام العام وفشله الكلي الشامل مما وضع البلاد خارج نطاق معايير الجودة والتصنيف العالمي المعتمد…

وكل ما يتظاهر به النظام وأزلامه ليس سوى تطبيل شهده العراقيون بمختلف المراحل لكنه هذه المرة حتى لا يرقى لمستوى طبال السلطان.. فهلا تنبهنا إلى مراجعة شاملة للقوانين واللوائح بما يتلاءم والعصر؟؟؟

لا تعليقات

اترك رد