خدمة الزبون أو العميل CUSTOMER SERVICE


 

تعتبر إدارة الأعمال الحديثة, و خاصة خلال العقود الأخيرة, أن خدمة الزبائن و العملاء CUSTOMER SERVICE , هي العنصر الرئيسي و الاهم الذي تعتمد عليه في بناء سياساتها الإنتاجية و التسويقية و ما يتبع ذلك من جوانب مالية و إدارية و فنية أخرى ..

و بعد أن كان المنتجون مسيطرون على حركة الإنتاج و السوق لفترة طويلة من الزمن , تحولت التوجهات ليكون المستهلك أو الزبون هو سيد أو ملك السوق, حتى انه يطلق عليه أحيانا تسمية THE KING ، و ينصرف الاهتمام بالزبون أو العميل في جوانب عديدة, و في مراحل مختلفة من مراحل العملية الإنتاجية و التسويقية, و حتى في مراحل البحث و التطوير و الإعداد ..

فمن البديهي أن كل سلعة أو خدمة إنما تصمم و تنتج ليتم استخدامها و استعمالها و استهلاكها من قبل شخص أو جهة أو فئة معينة من الناس ، و كلما توسعت و تنوعت قوى السوق, زادت المنافسة على اكتساب رضى المستهلك و العمل على التعرف على حاجاته و رغباته و محاولة إرضائه بأفضل الطرق و اقل الأسعار و التكاليف ..

من اجل ذلك, يمكن أن نرى أن الشركات في الدول المتقدمة توفر مجالا و دعما اكبر للاهتمام بالمستهلك و التعرف على احتياجاته, و حتى أن الإدارات و الشركات في بعض الدول كاليابان و الصين مثلا, تحاول أن تتعرف على ما يتمناه أو يتخيله أو يحلم به الأشخاص المستهلكين, و ليس فقط ما هو ناقص و غير مريح من الموجود و المتاح, و يعملون من ثم على تنفيذ و إنتاج ما يمكن إنتاجه و تنفيذه من هذه الأفكار و الأحلام و التخيلات ، و يمكن أن نتصور مدى صحة و دقة و سلامة هذا التوجه, في مدى النجاح في تحقق كل هذه التطورات و الطفرات العلمية و التكنولوجية, و التي يرجع أساسها إلى تحقيق و تلبية الرغبات و الحاجات الآنية و الدائمة, الظاهرة منها و الكامنة, لأكبر فئة من المستهلكين و الزبائن ..

و ربما نركز هنا الكلام على ما يسمى ب ( خدمات ما بعد البيع ), فهذا النوع من الخدمات التي تقدم للزبائن عند اقتنائهم لمنتج أو حتى خدمة معينة, يضمن لهم السلامة و الراحة و الأمان و سهولة المراجعة و الاستخدام و الاطمئنان لهذا المنتج ..

و قد أصبحت الشركات الكبرى و المحترمة تتنافس فيما بينها في المزايا و أنواع الخدمات و التسهيلات التي توفرها لزبائنها بعد البيع ، حتى أن نوع و مستوى و فترة الخدمة المتاحة للزبائن أصبحت مؤشرا من مؤشرات احترام و حجم و مدى تطور الشركة ونظام عملها الإداري و الفني ..

و لا بد أن كل منا قد سمع و خبر و جرب مثل هذا النوع من الخدمات ، فمثلا عند شراء سيارة جديدة, هناك فترة صيانة مجانية, و هناك خدمات أخرى أيضا ، و عند شراء جهاز كهربائي, هناك فترة صيانة أو إعادة للجهاز عند عطله ، و عند شراء بعض خدمات الانترنيت و الاتصالات مثلا, هناك خدمات مساعدة و صيانة و تسهيلات مجانية مرافقة للعقد ..

إذن فقد أصبحت هذه الخدمات ميزة تنافسية و معيارا مهما يمكن أن نقيس به مدى و نوع رقي وتطور نظام العمل الفني و الإداري لهذه الشركة أو تلك, أو حتى تصنيف RANKING & RATING شركة معينة على إنها جيدة, ضعيفة, متقدمة, متخلفة ، الخ ..

للأسف الشديد, فأن مفهوم خدمة العملاء لا زال لم يأخذ بعده الكامل و الاهتمام اللازم في العديد من الإدارات والشركات العاملة في بلادنا العربية والدول النامية ، ويرجع ذلك ربما إلى تخلف النظرة إلى المستهلك, و اعتباره النهاية غير المهمة في العملية الإنتاجية و التسويقية, و ليس البداية و النهاية معا ..

و النظرة السائدة هنا على أن المستهلك مجبر على شراء سلعة أو استخدام خدمة معينة, بالشكل أو الصورة التي تقوم الشركة حاليا بتقديمها له حتى و لو كانت غير مناسبة وغير مرضية و مقنعة له ، و مع تخلف الأنظمة الإدارية و الإنتاجية و التسويقية في العديد من الشركات و الإدارات, يبقى وضع المستهلك و مصالحه ضائعة و مفقودة ..

لكن باعتقادي, انه قد أن الأوان في الدول النامية و الدول العربية, و دول الخليج العربية خاصة و التي تعتبر ربما الأكثر تطورا و تقدما, أو إنها مستعدة بشكل افضل للتطور و التقدم و التغيير و مواكبة حركة السوق العالمية بفضل الإمكانات و الموارد المالية و البشرية المتاحة, فقد آن الأوان لان نضع المستهلك و الزبون في موقعه الحقيقي, موقع الصدارة و الريادة, و ان يكون هو الأساس الذي تبنى عليه سياسات الإدارة و الشركات الاقتصادية و الإنتاجية و التسويقية ..

و ان كانت بعض هذه الشركات و الإدارات غافلة عن هذه الحقيقة الآن, في ظل استقرار عملها و مبيعاتها و أرباحها ربما, فأن المنافسة الشديدة في الأسواق ستؤدي قريبا بالتأكيد إلى أن تفقد هذه الشركة أو الإدارة ميزتها التنافسية و الربحية, و لتجد أن إهمالها الاهتمام بدور و أهمية المستهلك و الزبون كان السبب الرئيس في هذا الخلل ..

و كما بينا, فأن ( المستهلك هو ملك أو سيد السوق – الزبون على حق دائما – والجمهور عايز كده .. ) , كلها مقولات تعكس أهمية ما أشرنا إليه, و انه لا بد من أن تعزز على ارض الواقع العملي الفعلي ، فالمستهلك و الزبون هو صاحب المال, و هو الذي سيشتري الخدمة أو السلعة, و من ماله يمكن أن تبقى شركتنا على قيد الحياة أو أن تزول و تنتهي, و من ماله تدفع أجور عاملينا, و من ماله تتكون أرباح شركاتنا ..

أخيرا, و كمثال بسيط فعلي على مدى تخلف أو إهمال بعض الأجهزة الإدارية و الشركات في نظرتها و تعاملها مع المستهلك, فقد كانت لي تجربة شخصية قبل فترة عند اضطراري للذهاب إلى إحدى اكبر شركات استيراد السيارات في بلد عربي, و التي هي وكيلة للعديد من الشركات الكبرى الأمريكية و الأوربية , و ذلك لغرض القيام ببعض التصليحات والصيانة الدورية على سيارتي الشخصية, والتي هي من ماركة أمريكية شهيرة, و موديلها حديث نسبيا ..

فاستعلامات الشركة, و التي تعتبر الوكيل الوحيد DEALER لمثل هذا النوع من السيارات, رغم استقبالهم الجيد نسبيا, إلا انهم لم يستطيعوا توفير بعض الخدمات الأساسية المعروفة في هذه المجالات ، حيث رفض الشخص المسؤول توفير سيارات بديلة عن سيارتي التي ستبقى لديهم لعدة أيام, بحجة أن السيارات المتاحة لديهم لهذه الأغراض هي لحالات (( معينة فقط )) ، و أنني لن اشمل بهذه (( الحالات المعينة و الخاصة )), و عند سؤالي عن هذه الحالات والسبب في استخدام هذا التصنيف المتخلف, أعطاني إجابة غير واضحة ..

و عند طلبي مواجهة مسؤول أعلى لمعالجة الأمر و تسهيله , رفض ذلك, و بالطبع الحجة الجاهزة هنا هي (( هذا هو نظام عملنا )) ، و هنا نرى أن هذا الرد لوحده يعني معاملتي (( كعميل من الدرجة الثانية )) أمام الشركة التي ترعى و تستورد هذه السيارات, وهذا يخل بأبسط مبادئ التعامل مع الزبائن و العملاء بإشعارهم دائما بأنهم يقعون في الدرجة الأولى من الاهتمام للشركة .. ا

الأخطر من هذا كله, عندما حاولت أن أبين لهذا الموظف المسؤول بأن نظام توفير سيارات بديلة معمول به حتى في الورش الصغيرة في كثير من دول العالم, فما بالك في ورشة تابعة لشركة ضخمة كهذه, و كان رده للأسف, أن هذا النظام قد تجده في دول متقدمة كأوربا, ولكن لن تجده عندنا .. ؟؟؟ .. (( نلاحظ هنا الإصرار على عدم التطوير و التغيير, حتى لو كانت الفرص متاحة أمامنا للإصلاح )) ، و لا اعتقد أن شركة ضخمة كتلك مدار بحثنا, تمتنع عن تقدم مثل هذه الخدمات البسيطة لزبائنها, إذا بذل مثل هذا الموظف و غيره جهدا بسيطا في التطوير و التغيير و تقديم المقترحات المناسبة إلى الإدارة لتطوير خدمة العملاء ..

نؤكد مرة أخرى, على مدى تخلف و قصور النظرة إلى الشركة, و تخلف النظرة إلى الزبون, و تخلف النظرة إلى البلد ، حيث أن الموظف المعني افترض أن توفير مثل هذه الخدمات الجيدة لا تستحقها إلا دول أوربا المتقدمة فقط, و ان بشرنا دون بشرهم, و مستوى مستهلكنا دون مستوى مستهلكهم, و نوع و مستوى متطلباتنا دون مستوى متطلبات المستهلكين ( من الدرجة الأولى ) ..

إذن نعود مرة أخرى لنؤكد, بأنه لا بد من أن نعمل على تصحيح النظرة إلى المستهلك أو الزبون, و نعتبر أن إشباع حاجاته و رغباته و تسهيل أموره هي الأساس في عمل الشركة, و ان وجود المنافسة قد يؤدي إلى خسارة مستهلكنا لحساب شركة أو جهاز آخر, و هذا ما يضر بالتأكيد بمصالحنا ..

و لابد من إحداث حالة تطوير و توعية و تثقيف في إدارات المصالح و الشركات, و خاصة الأشخاص و الجهات التي لها تعامل مع الجمهور و المواطنين و المستخدمين و المستهلكين مباشرة, لما فيه تأكيد أهمية و أولوية دور المستهلك و ضرورة الرقي في التعامل معه إلى أقصى الدرجات, و تسهيل كافة الإجراءات, سواء أكانت قبل أو خلال أو بعد البيع, لما فيه الحفاظ على احترامه و وقته و ماله, و إشعاره بأنه الأهم دائما, و بأن مصالحه هي مصالحنا, و وقته هو وقتنا, و أننا حريصين على مصالحه و وقته و ماله كحرصنا على وقتنا و مصالحنا و أموالنا ، و هذا بالتأكيد سيعود بالنفع و الربح الوفير, قريب و بعيد المدى, على الشركات و الإدارات و المصالح التي تنجح في وضع و تنفيذ مثل هذه السياسات ..

المقال السابقافق الديمقراطية للدولة الريعية
المقال التالىكل ما في الأمر…!
غسان العسافي .. كاتب و باحث في الشؤون العربية و العراقية. حاصل على شهادة الماجستير في إدارة الأعمال.. خبير و إستشاري في التدريب و الإدارة ... عمل في العديد من المناصب و الوظائف الإدارية و الإستشارية في العديد من الشركات و الإدارات الحكومية في السعودية، قطر، اليمن، العراق، و نيوزيلاند. مقيم حاليا في ....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد