طوفان


 

حينما تستيقظ في الصباح ستجد السفينة أمام الباب وسيكون عليك أن تحمل فيها أهلك ومالك وكل ما تخشى ألا تجده بعد الطوفان. خذ زهر الليمون مثلا. وخذ دعسوقة ورغبات لأشياء كثيرة وماء يصلح للشرب وحنطة ومن الدجاج خذ واحدة تكفي فبفضل الاستنساخ يمكننا أن نكثرها ونجعلها دجاجا. لا تأخذ من كل زوجين اثنين فلا حاجة لنا بذلك. يكفيك أن تأخذ أنثى ليعود الخلق كما كمان أوّل مرّة .لا تأخذ خنازير فمن الفئران ,بعد االرسوِّ ,نولّدها. ولا حاجة لك بالنعامة ولا بالعصفور ولا بالصقر ولا بالبواشق ولا بطير الماء ولا بالعقاب ولا النسر فكلها في الدّجاجة كامنة. ونحن بقدرتنا سنستخرجها. خذ معك رغبتك في الجماع وشهوتك للأكل وشكك في ما تقع عليه حواسك وخذ معك الأناشيد فلا أحد يضمن لك أنك ستجدها هناك. وخذ معك ألة التصوير وأشرطة التخزين وعلب الكبريت وخذ معك كلّ ما أنتجته الحضارة اليوم ولا تستثن شيئا. وخذ معك تمثال بروميثوس وأساطير بابل أمّ الزنا(1)وحكايات الفينيقيين وقصص الأشوريين وعوالم آلهة السماء ذلك أن كل هذا ممتنع استنساخه في العالم الجديد. ولا تنس أن تأخذ معك صور نبيذ الشعير وروائح خمر العنب وذاكرة ألوانها. خذ كل هذا واضرب بعصاك الخشب ينفلق من الخشب الماء ويحملك الماء إلى حيث العرش.

وعندما استيقظت وفتحت الباب وجدت أمام الباب سفينة كبيرة فجمعت فيها أهلي والصور والأذواق والأصوات والحروف والدّجاجة الوحيدة التي اعترضتني وكلبي الذي جاء يطلب قوته وفأرا فرّ من أمامي خائفا مذعورا ولجأ إلى الفلك. ووجدت خنزيرا يدور حول المركب الكبير فنهرته ووجدت بقرة جاري رأيت فيها فيلا وجواميس برية فأخذتها راجيا مغفرة الله. واستدرجت حمار جار بائس وصفرت لجلب العصافير ولما اجتمعت تذكرت أنه لا حاجة لي بها فطردتها بعد أن أخذت منها أصواتها وتغريداتها .ومرّ غراب فلعنني ولعن اليوم الذي أصبح لأنه سيترك لقدره . وثغت شاة فتشاغلت عنها بتأمل عنز أصيلة قفزت رغما عني إلى السفينة ثمّ أشارت إلى الدّنان فحملتها إلى الفلك. وغنيت لأتذكّر اللغة والألحان ولأحبس المقامات عند حدّها. وأنكرت ذاتي واغتسلت بزجاجتين فقط ثمّ أوقفت الشمس في برجها وسرّحت الريح وضربت بعصاي الخشب فانفلق الماء يهمي ثم انفلق يهدر ثم سالت الأرض ماء فارتفعت السفينة والشمس لا تغادر قوس الصبح.

نسيت أن أقول :”قبل أن يهمي الماء أغلقْ كلَّ الأبواب والمنافذ. فهل فعلتَ؟”

“لا يحتاج هذا توصية”

الآن رتّل دعاء الريح لتزفّك الأنواء إلى عرشنا الذي هو على الغمام. وقل لمن خلقت في سفينتك أن ينذروا للريح صوما. ووجه بدعائك فلكك إلى القبلة حيث تولد الحكاية غضة بهية لا شية فيها.

وصليت مستقبلا الشمس فلمع في أفق السفينة المدلهم برق وانشق فخرج منه رسول لا هيأة له تحمل الريح هيكله وتجمعه وهو في كل حين على هيأة. وقال لي بصوته الجهوري الفخم:” اقرأ على ما خلقت سلامي وإنكم بأعيننا. فصليت مستقبلا الشمس الميتة ولعنت غزازيل وأحرقت البخور الذي لم يكن معي منه إلاّ ذكراه, ورتلت الكتب القديمة التي حفظتها عن ظهر قلب قبل ركوبي الفلك. فولد الفأر خنزيرا وولدت البقرة جواميس وذكر فيل وباضت الدّجاجة بيض عصافير ونعامة ونسور وبواشق ولما قاقت نشأت من صوتها أغاريد العصافير وترنيمات داوود وتمثلت أمامي المعازف وعلوم الأصوات (سبحان الله ) ونشأ في السفينة صراع على القوت وعلى السيادة على الأرض فجمعتهم ونبهت عليهم أنني سألقي بكل مارق في اليمّ وأنني أحتفظ بالصور التي تغنيني عنهم.

اتجه نحو الشمال ,نحو نجمة الشمال, نحو الزهرة فينوس إيزيس أفروديت. وألق عليها تحية السلام وقل لها :”أنا أدم الجديد بعثني إلى حماك المبدئ المعيد. صلّ إلى الاتجاه ثمّ مرّ ببصرك على الأفق فهل ترى من عوج؟ وقل :” ربي اهذني سبيل الفلاة”

وصليت والشمس في المربض. وصليت والشمس تلفظ النفس الأخير. وصليت فينوس أفروديت إيزيس, فطار غراب ضاقت به بيضة الدّجاجة وبكته البواشق وسخرت منه العصافير ,طار غراب وشرّق ثم غرّب ثم عاد إليّ ناعقا في الفراغ اليباب وزعم لي أنّ ماء قد انحسر في بلاد الطليان. فسِرنا اليوم والشهر والسنة والقرن ولم نجد إلاّ طين بابل المبلول وجبالها الرخوة تنهدّ لمجرّد سماع اسمها فلعنته ولزم الصمت إلى أن احتوته جثة نسر ومنته بالبعث الجديد. وناديت الحمامة التي شابت من الانتظار وطيرتها في قصيدة كنت استكتبتها درويشا بعد أن منيته بأن يكون كاتبي الخاص. طيرتها على أنغام “للنيل عادات وقلبي راحل” فطارت للتوّ نحو الشمس نحو النار نحو الفينيق إلى أن احترق شيبها فعادت فتِيَّة كأنها خرجت للتوّ من بيض الدّجاجة.

اسأل الحمام والبراق فإنهما الصادقان مطلقا.

وسألت الحمامة دون البراق ذلك أني نسيت أن أستفزّ الحمار ليكون منه البغل والحصان والبراق. وقالت لي الحمامة:” لن أهدل بعد اليوم. هذه بلاد الطليان على مسافة بصر قبل أن تعيد الكرة. ولكني رأيت أثناء عودتي قوارب صغيرة حقيرة لا تحمل من كل زوجين اثنين بل كانت مثقلة بالعبيد وبالجواري المنشآت كالماء رقة. ورأيت في طريق عودتي زوارق صغيرة سريعة كأنها الشياطين تعترض كل سفينة تزعم أنها لنوح وتفتشها وتقلب سافلها أعلاها. ورأيت بعينيّ هاتين قوقعتين ميتتين تسبحان باسم فلكنا والقدر الذي يسوقها إليهما. ورأيت النار فوق الماء.

قال لي من كان معي من أهلي المتعلقين بما قبل الماء :”نحن بُرَاقِيُونَ وخَبرُ الحمامةِباطل مَكْذُوبٌ .”

ولكني مع ذلك واصلت الرحيل إلى بلاد الطليان رغم أن أعشابا قد نبتت على السِّكَانِوعلى الدفة وعلى جباه البحارة وفي خواطر الأهل والدجاجة والحمار والبقرة والفأرة التي ندمت على الإسراع إلى السفينة. وسارت السفينة أربعين ,لا أدري ما هي, حتى قال البحر هلمّ فانطلق الرصاص من كل جهة ففرّ أهلي وفرت كل الحيوانات واختفت نجمة الصبح الزهراء الزُّهرة إيزيس وأفروديت انسلت من التمثال هاربة فذهبت معها السفينة . وكنت وحدي أبحث عن العرش على الماء المتغير.

(1)بابل أم الزنا عبارة مقتبسة من الإنجيل

لا تعليقات

اترك رد