ملك الاسترخاء الفنان سليم البصري


 

الفنان المتميز ,الرياضي الفاشل ,الكاتب الساخر ,الممثل الذي يجعلك تبكي من الضحك دون ان يبذل جهدا كبيرا حتى يحقق ذلك, فيحقق اهدافه جميعها ,هو نفسه لاعب كرة القدم الذي حاول لكنه لم يسجل هدفا بحياته, كما لم يمنع اهدافا كثيرة في الدخول الى مرماه, فترك كرة القدم ,وحاول ان يكون مصارعا ففشل فشلا ذريعا, وألتصق على الارض متحايلا على زميله المصارع الند كي يتخلص من الضرب المبرح, فترك المصارعة الى غير رجعة .

كان ملاكما فلم يستطع ان يوجه لكمة واحدة لاي ملاكم واجهه, بينما تلقّى اللكمات الواحدة تليالاخرى, منها مستقيمة, واخرى قالعة, فترك الملاكمة. جرّب ان يكون سبّاحا وأعلن عن دولفينيته (الدولفين), وتحدّى الماء فكاد ان يغرق,وانسحب من الماء الى البر مبلّلا بالفشل البحري ,ثم تحدّى الموانع,فكان يتراجع الى الخلف وعينيه تركز الى الامام حيث المانع الذي كان يراه منخفضا امام طموحه الكبير في الارتقاء, تنفّس هواء الفوز والانتصار ,لكنه لم ينجح في اية محاولة للقفز, ففشل وحطّم المانع لكنه لم يحطّم رقما قياسيّا, ولم يحقق ولا قفزة واحدة, بل كان كما يقول في( تحت موس الحلاق) مسلسله المشهور ,كان (نحباني للّو) ..,واراد ان يكون رسّاما فكانت لوحاته عبارة عن خطوط تحاكي البيئة الشعبية التي يعشقها لكنها لم تكفي فضوله ولا موهبته الكبيرة في رسم الافعال وتجسيدها بسهولة ويسر, ولم تعجبه لوحة من لوحاته,

فبقي يحب الرسم والرياضة لكنه اتجه الى ناتج كل مامضى, متحديا الفشل المتكرر المصحوب بالضرب المبرح, وبالغرق المميت, ووو ,ليدخل مضمارا جديدا حقق فيه التميّز الكبير, والفوز الرائع ,وقفز موانع الابداع ,فكتب ومثّل وتحوّل سليم البصري الى (حجي راضي) في مسلسل (تحت موس الحلاق ) ,ابن المدينة البسيط ,ابن الحي الشعبي ,ابن النكتة والموقف ,المحب للجميع الذي يتميز بالغيرة ومحبّة الجميع, مستغلا اجمل مفردات البيئة انذاك وأهمها , وأستوعب حاضره من أجل ان يكتب عن البيئة الشعبية والحي البغدادي. اشتغل على المفردات الحياتية المهمة, منها سفر الاحبة, وهجرتهم الى خارج العراق, فيرسلون الرسائل لاحبتهم ,يقرأها لهم حجي راضي ببلاغة الذي لايجيد القراءة والكتابة ,ولم يكن مجرد موقف كوميدي ,

بل كانت دعوى لضرورة القضاء على الامّية, المرض المستشري انذاك,فأسس لحلقة اخرى حول مدرسة الامّية والمقالب المثيرة المحببّة للجميع. هكذا كتب البصري مسلسلا من جزئين مازال يعرض ويحقق نسب كبيرة من الاعجاب والمشاهدة ولاكثر من ستين عام مضت .والسؤال هو:هل كتب البصري فلسفة أم علم اجتماع أم علم نفس أم ماذا ؟ لم كل هذا النجاح الذي لم يحققه اي عمل كوميدي اخر لاقبلهولابعده ,العمل الذي بدأ يبث مباشرا وبالاسود والابيض ومن ثم كان بالالوان ومسجلا ولم يفقد بريقه ابدا .مات معظم ابطاله وغاب البعض الاخر مهاجرا أو منزويا في الركن البعيد الهاديء ,لكن العمل حي يرزق,

ذلك لان حب البصري كان يفوق الحقد والكره والكراهية بكثير جدا ,حبه لبيئته الشعبيّة ,وحبه للمفردة السهلة القريبة من قلب المتلقي ,روح المسامحة والطيبة التي تسكن قلوب اهل الحي البغدادي ,الطيبة التي كانت تتفوق على مشكلات العصر ,مفردات الحي الشعبي ,مفردات المجتمع التي طغى عليها سهولة الحياة ,رغم افتقادها لملامح الرفاهية التي اثقلت كاهلنا, وعقّدت حياتنا وأتعبتنا, حيث أختلفتمفردات الحياة, وازدادت القلوب كراهية وحقدا, فأستجدّت ثيم هي اقرب من السخافة والرفض الاخلاقي ,وبعد ان كانت الضحكة على شفاه البغدادي في كل مكان ,تحوّلت الان وتنوّعت اشكالها وايقاعاتها المتعدّدة حسب الحزب والطائفة والدين والانتماء .والنكتة التي كانت تصنع الضحكة في الحي بغدادي ماعادت تضحكه, بل اصبحتتبكي الحي المجاور ,والمفردة الدرامية التي تصلح ان تكون مادة دسمة في احد الاعمال, هي تافهة في نظر البعض ,ووجه البصري الذي كان يطرح المحبّة والطيبة برفقة زميله وصديقه حمودي الحارثي,لم يعد كما كان بيئا محبّا ,وسهولة الاداء والاسترجاء والبساطة في الطرح ووووو كل هذا غاب وتحوّلت الوجوه الى كتلة من الغضب والحقد المجتمعي, والصراعات الطائفية ,والانتماءات الحزبية, والسرقات,وتحول محو الامية من صف واحد الى مدارس خاصة لاتعلّم سوى (نحباني للّو ) ,وقنينة العرق تحوّلت الى ملاهي كبيرة يسكنها الطغاة ,وغاب عن الساحة الدرامية ذلك العشق للحدوتة البغدادية التي كتبها البصري بحب توزّع على الجميع دون استثناء,

اذ لم تكن الشخصيات السلبية مجرمة, بل كانت سلبية في طبيعة فهما للحياة, ويمكنها ان تعود في اية لحظة درامية الى جادة الصواب .أما الان فلقد استفحلت الشخصية الدرامية السلبية في سلبيتها وباتت عملية تحوّلها الدرامي شبه مستحيل, اذ لا حلّ لعودتها سوى القتل أو الاعدام .الكوميديا ماعادت كوميديا والفن دخله الغجر فعبثوا فيه مثلما دخل (الفجّر ) للبناء المجتمعي العراقي فتغيّر الكثيير الكثيير .انسحب سليم البصري من عالم الفن حينما تحوّلت النكتة البغدادية الى رقصة غجرية أو قزم أو رجل متصابي ,انسحب حينما بدأت السياسة تتقدم باتجاه قتل البراءة في وجه الانسان العراقي فتغيرت ملامح الوجوه وألوانها ,وتغير زمن الضحكة, اي طول جريانها بين الشفاه وعلى الوجه ,وتغير الغرض والغاية ,وبالتالي يجب عليه ان يكتب حبكة ماتعوّدعلى كتابتها ,وعليه ان يمثّل بطريقة واسلوب ما تعوّد عليه, لانه يمكن ان يكون (غفّوري) الانسان الوفي والطيب والمخلص كما في مسلسل (الذئب والنسر وعيون المدينة ) لكنه يأبى ان يحاربه البعض لانه من أصل كردي أفيلي في الحياة والتمثيل .

يمكنه ان يمثّل ويكتب شخصية الصعلوك الشاعر, أو ابن الحي والقرية والمدينة الايجابي أو السلبي شرط ان لايتمادى في قتل جاره أو صديقه أو أخوه بحجج سخيفة عقّدت كل شيء وحوّلت التكنولوجيا والتطور العلمي الى تعقيد مجتمعي مميت .انسحب الرجل الطيب ,الممثل والكاتب المتميز الى داره صامتا الاّ من جلسات مع قلّة من اصدقاءه, لكنه لم ينسى البيئة الشعبية وحبّه لبغداده فطلب من صديقه (ابو رعد) ان يأخذه في جولة بسيارته الى شارع الرشيد ومناطق اخرى من بغداده ,كان ذلك حينما شعر بحصار الموت وأنتهاء الرحلة التي ماعادت صالحة ,وقلّ فيها الهواء النقي ,ومات ,ومات ,ومات ,وتلك حكاية اخرى كلها دراما لاتصلح الاّ للصراخ الذي طالما ابتعد عنه البصري وكرهه لحد الصراخ ,لكن أي صراخ !؟ انه صراخ الرجل الطيب (الحبّوب) حسب مايقولاهل البصرى الذي تسمّى بهم رغم انه لي بصريا ,لكن الطيبة وحلاوة اللسان كانت سببا في هذا الاسم .

مات البصري سليم عبد الكريم الذي لا يعرف التكلّف أو التصنّع .صاحب النكتة والبديهية السريعة ,الفنان الذي يتّحد مع الشخصيّة البغدادية الى حد ان يكون هي,وتكون هو, فيدخل الى القلب ويسقي المتلقي جرعا من الجمال الممزوج بالسهل الممتنع .ولد البصري بمحلة الهيتاويين في بغداد عام 1926 ,ودخل الى ساحة الرصافي في شارع الرشيد حيث مكانه الاثير ليس متجوّلا, بل ممثّلا في فرقة للتمثيل كان مقرّها وهناك , ومالبث ان ترك الفرقة والتمثيل لضروفه الصعبة لعامين, ثم عاد ليقدم مسرحيّة (سليم البصري في ساحة التدريب) .عام 1950 دخل كلية الادابقسم اللغة العربية وتخرّج منها عام 1954 ثم اصبح رئيس المسرح الجامعي في نفس الكلية .اتجه للكتابة عام 1961 مسحورا بالمحلّة البغدادية وطرافة وحلاوة اهلها, فكتب حلقات المسلسل الشهير (تحت موس الحلاق) ومثّل فيها الشخصية التي بقيت عالقة في ذاكرة المشاهد العراقي (حجي راضي ) .

كتب تمثيليات ومسلسلات وفيلم سينمائي تميزت بالفكرة السهلة التي تميل الى عدم التعقيد, ومحاكات الموقف, دون الخوض في تعقيدات المجتمع وصراعاته التي لايحبها,فكانت له اعمال مهمة مثل تمثيلية (ست كراسي ,سينما ,وجهة نظر ,لانوافق ,دائما في قلبي ,كاسب كار ,حقيبة متقاعد,لعبة الصبر ,هواجس يومية ) ,ومسلسل (الشارع الجديد,والى من يهمه الامر ) وفيلم (حب في بغداد) .مثّل البصري الشخصية الرئيسية في فيلم (اوراق الخريف )اخراج حكمت لبيب عام 1964, كذلك اشترك في افلام (فائق يتزوج ,عمارة 13 ,العربه والحصان ) .وفي المسرح كتب مسرحيات (فنان رغم انفه ,سليم البصري في ساحة التدريب,المحلّه).مارس عدة اعمال منها مدير لتلفزيون العراق .عاش البصري فنّانامرحا شفافا ودودا موهوبا صادقا رافضا للظلم والتزلّف من المسؤولين, وله مواقف تثبت ذلك, منها رفضه لمشروع كبير يتضمن انتاج مسلسلات فاتحه فيه احد المسؤولين المتنفّذين في التسعينات, حينما شعر انه يجب عليه ان يطرح من خلال هذا المشروع افكار وقيم لايؤمن بها ولا يحترمها.

انتجت الفنانة العراقية خيرية المنصور عنسليم البصري ضمن سلسلة مبدعون راحلون فيلما تسجيليا مهما باسم (سليم البصري الفنان والكاتب ) عن سيناريو كتبته هي وأخرجته من ضمن سلسلة ضمّت (16) فنان عراقي في السينما والتلفزيون والفن التشكيلي .توفي سليم عبد الكريم البصري العراقي البغدادي الطيب في 8 مايو 1997 في بغداد ..الى رحمة الله غفوري الطيب ,الى رحمة الله حجي راضي .الى رحمة الله ايها الفنان .

لا تعليقات

اترك رد