المرئي بين الإشاري والإيحائي في تجربة محمد السالمي – ج1


 

تمهيد:

لا تكتفي أيها القارئ فقط بما كتبتُه كقراءة لهذه الأعمال التي جذبتني إليها بشكل يصعب إخفاؤه. قبل القراءة أُنظُر بإمعان إلى اللوحات أو على الأصح إلى الصور، رغم أن الصورة/النسخة فاقدة لهالة الصورة/الأصل (بنيامين)… من خلال تفحصك للصور ستتكون لديك أفكار ربما توائم المتن النقدي هذا أو تخالفه، ثم قارن النصين التشكيلي والمكتوب.

إلى جانب اللوحة، تجدني أعتمد بعض الأفكار التي حاول من خلالها الفنان توضيح رؤيته الفنية وتقريب منهجيته من المتلقي، وهذه قيمة مضافة قلما تصادفنا فيما أصبح يعرض اليوم. إن الإحالة على النص المكتوب ضرورية من حين لآخر لبناء أي محاولة نقدية للعمل التشكيلي… هنا حوار وهناك أرضية للحوار تربط بيننا رغم تباعد المسافة، الأرضية هي اللوحة.

إن هذه القراءة تهدف إلى منح القارئ/المتلقي مسارا يمنحه بعض أدوات الولوج إلى عالم الفنان.

عادة لمَّا تُمثل اللوحة عنصرا من الحقيقة/الواقع الملموس… شيئا من ثنائية الطبيعة الجوانية والبرانية…نتوقف حينا، وبدون صعوبة لنستجلي الموضوع: بورتريه، طبيعة صامتة، منظر طبيعي…نحاول بعد ذلك استخلاص الحقيقة الجمالية، غير المرئية بداهة، التي توصلنا إلى كُنه القوة التعبيرية لواقعية العمل من خلال تجربتنا الجمالية.

لكن الأعمال الواقعية ببساطتها تغوي وتوهم، وتجعلنا أحيانا نتجاهل الدلالة المخفية، أي المعنى الإيحائي فنكتفي فقط بالمعنى الإشاري (رولان بارت) للون والشكل، ومن تم تأتي الكلمات غِواية ومداهنة للمرئي دون النفاذ إلى اللامرئي من الأشياء.

الفنان محمد السالمي من مواليد 1961 بمدينة الراشيدية، شرق المغرب. بعد حصوله على البكالوريا، تابع دراسته الجامعية بكلية الآداب بمكناس إلى غاية 1987، ثم التحق بالمركز التربوي الجهوي، لتكوين أساتذة التربية التشكيلية. لم يتلق أي تكوين أكاديمي بمعاهد الفنون الجميلة، لكنه ثابر بجهد من أجل تكوين نفسه نظريا وتطبيقيا، بالمطالعة والتثقيف عبر الكتب والمجلات وزيارة المعارض. فكما قال: “كنت دائما حريصا على التكوين الذاتي من خلال قراءة مجموعة من الكتب والمجلات المتعلقة بالفن وفلسفة الفن والعمل الإبداعي…خاصة تلك التي كانت تأتي من المشرق” ومن أوروبا.

تفحُّصُنا لتجربة محمد السالمي الصِّباغية، يساعد على استكناه ثلاث محطات رئيسية: الأولى تصويرية محضة، تكشف عن مهارة تقنية عالية في التصوير الواقعي بصيغته الأكاديمية، إذ يتناول الفنان محمد السالمي مواضيع من الحياة اليومية العادية: حيث ” يبدو جنوب المغرب من أهم مصادر الإلهام الرئيسة(…)”، كما الاشتغال على “فن البورتريه وحياة البدو والرحل والتـراث المعماري والثقافـة المحلية بتافلالت”.

والثانية لامس خلالها الأسلوب التكعيبي بتقطيعه المساحات الداخلية دون تجاوز حدود الشكل، كما هو واضح في لوحتي “رقصة هوبي” و”رقصة شعبية…سواكن العلوة/نايضة”. عمل الفنان على تقطيع الشكل باللون…اللون هنا يجزئ الشكل. فالفنان رغم كونه يتحكم في تقنية الرسم الأكاديمي وقواعده، نجده يقوم بإزاحة الرسم Dessin لصالح اللون Couleur، مما منح المناظر مَلْوَنا Palette ذات تركيبة لونية ثقيلة المادة.

تتساوى في يد الفنان محمد السامي قوة الملون Coloriste ومهارة الرسام Dessinateur.

تأتي المحطة الثالثة لإثبات الذات، كتتويج للأبحاث السابقة، وخلاصة آنية لما سبق.

إن أعمال “رؤية تصويرية معاصرة لفضاء الدار البيضاء” التي أمامنا، تخترق ذهنية الواقع، تخترق ما عهدناه من رؤى وتصورات اعتمدها الفنانون الواقعيون فيما مضى. فهي لا تمثل مناظر طبيعية تافهة Anodins، ولا يسعي الفنان لنقل منظر من مناظر المدينة بهدف تخليده، أو إثبات لحظة عابرة وتوثيقها. بل يحاول منحنا طبيعة غير الطبيعة التي عهدناها، ومناظر غير المناظر التي ألفناها. فلم يكتف بنقل ما هو واقع باستعماله أدوات تشكيلية وتطبيق قواعد الفن التصويري المعروفة (تناسق الألوان، إيقاع الأشكال، قواعد المنظور…)، بل نجده ابتعد عن هذا كله ليكسر القواعد ويخرج عن الأعراف ويفكك الأشكال. أسلوبه يخضع لتَسَيُّد “التجزئة والتقطيع والتشويه، كانعكاس للعالم الديناميكي الذي تشهده المدينة، إنها رؤية بصرية تعتمد على تفكيك الأشكال وتفتيتها إلى مكونات جزئية لتـتم إعادة تركيبها بنمط أكثر حركية ودينامية، مع الاحتفاظ أحيانا على الصورة ثلاثية الأبعاد”.

ما يميز المحطة الأخيرة هذه هو أنها قطعت الصلة مع اللتين سبقتاها، شكلا ومضمونا، وكأنها انقلاب حصل على مستوى جمالية محمد السالمي. يلاحظ التغيير على مستوى المقاربة التشكيلية، واختيار المواضيع، والمرجعيات المعتمدة.

قد نتساءل: إذا كان الفنان قد غيب قواعد الفن التصويري Art figuratif المعروفة، فإلى أي قواعد أحال مرجعياته التشكيلية، كي يُبقي على واقعية فنه، متفاديا السقوط في فخاخ التجريد المجاني، كما التيه في متاهات سجلات التصوير الواقعي المتآكلة؟

استعمل الفنان آلة التصوير الفوتوغرافي كأداة لتثبيت الجوانب العمرانية لمدينة الدار البيضاء، التي يتشكل منها الناظم الأساسي لمجموعته المعروضة، فاستدعى تعامله مع الموضوع وسيلتين تعبيريتين: الأولى آلة التصوير، التي أعطته نُسَخاً طبق الأصل، لم يكن هو أبدا مقتنعا بنتائجها، لكون الواقع الذي يسعى إلى تمَثُّلِه لا ينكتب بها. ثم يتلو ذلك استنساخ الصورة الفوتوغرافية معتمدا تقنية الرسم، (رسوم أولية بالخطوط فقط)، وبعد ذلك عكف الفنان على تغيير ما رسمه آنفا بتشويه أحجام Distorsion des volumes، ومسح أشكال، وانحناء خطوط … ليصبح الواقع المرئي واقعا غير الواقع. يصف السالمي العملية بقوله: “في اللوحة يتحطم الشكل الخارجي للصورة المرئية، لأجعل منه شكلا فنيا يتميز بمساحات هندسية وسطوح متساوية ومتماسكة تارة، ومتداخلة ومتقاطعة وشفافة تارة أخرى، تتحرك من خلالها الخطوط في اتجاهات مختلفة، تخترق بعضها البعض”.

تسمح الصورة بتراكُب Superposition زوايا مختلفة. فعدة أجزاء من البنايات تبدو ملتوية. على مستوى ترجمة الفضاء التشكيلي، اكتفى الفنان بالمنظور الواجهي Perspective frontale، حيث تنساب جميع الخطوط المنحنية نحو نقط متواجدة في

آفاق غير محددة. بينما غُيِّبَت لقطات التصويرين الصعودي Contre-plongée، والغطسي Plongée، ولا يخفى أن هذه بعض من تأسيسات اللوحة التكعيبية، والشاهد هنا لوحة “برج إيفل” التي أنجزها الفنان الفرنسي روبرت دولوني Robert Delaunay (1885-1941)، عام 1911. (انظر الصورة)

تلعب الصورة هنا على التزامن synchronie بتنضيدها لزوايا مختلفة، والتعاقب diachronie، لكونها تمثل آمال الفنان الفرنسي في عالم المستقبل. فالمباني القديمة تتفتت أمام حداثة برج إيفل المشعة. لا شك أن مماثلة العمل لمرجعية التكعيبية Cubisme والمستقبلية Futurisme واضحة.

نفس الثنائية ينبني عليها النسق الترميزي لدى الفنان محمد السالمي. فالتزامن يمتح أسسه الدلالية من العمق التكعيبي، بينما التعاقب يسمو بالذات نحو تخييل تشكيلي مستقبلي.

إن الفنان يستبق عالم عصره، كما قال الناقد الفيلسوف إتيان سوريو. وغير بعيد عن المشهد التشكيلي، نجد صفحات من تاريخ الأدب توثق لنا بعض صور استباق الأحداث. فمثلا قصيدة “الجسور”، “Les ponts” (من ديوان إضاءات Illuminations) للشاعر الفرنسي رامبو Rimbaud تجذب حداثتها من واقع المدينة. فيستخدم رامبو مصطلحات من السجل التشكيلي ليعطي للقارئ الانطباع بأنه يشاهد وصفا للوحة فنية، وهو رسم غريب للجسور، يتألف من تشابك من الأشكال الهندسية المصنوعة من معابر الخطوط: منحنيات وخطوط مائلة، هاربة نحو اللانهاية. لكن هذا التكاثر الظاهر للأشكال التي تقع على الدوار يشير إلى كونه حيلة. هنا العمودية، الأفقية، الأقطار، المنحنيات… إنه بناء واقع يجمع بين وجهات النظر المختلفة، أو زوايا الرؤية المتباينة، كما سيتحقق لاحقا مع التكعيبية. سيقوم رامبو إذاً، بتفجير لوحات حقيقية، وبناء بنية خرسانية، قبل زمن الانطباعية أو التكعيبية.

المقال السابقحمرة الخجل
المقال التالىجاهين: شاعر الثورة وساحر الفرح
محمد خصيف ازداد بمراكش عام 1953 عضو سابق في الجمعية المغربية للفنون التشكيلية (AMAP) عضو سابق في الجمعية المغربية لنقاد الفن (AMCA) عضو في لجنة التحكيم البينالي الثاني للفنون التشكيلية – مسقط عمان أستاذ سابق لمواد الفنون التشكيلية وتاريخ الفن والهندسة المعمارية أستاذ سابق للفنون التشكيلية وتار....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد