من يلجم رجل الدين عندما يشتط ؟

 

لنفرق أولاً بين مصطلحي رجال الدين و علماء الدين فالأول لا وجود له في الديانة الإسلامية بل هو ترجمة للمصطلح اليوناني ” كليروس ” و تعني نظام الكهنة أما العلماء فهم المتفقهون بالعلوم الدينية كالتفسير و علم الحديث و غيرها و هم المقصودون بقوله تعالى في سورة التوبة 122 ﴿ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ﴾ ، لكن و نتيجة للخلط بين هذه المصطلحات و جهل العامة صار رجل الدين حقيقة موجودة على أرض الواقع و صار له دور اجتماعي و سياسي ضمن ما نطلق عليه اليوم المؤسسة الدينية غالباً ما يكون بعيداً كل البعد عن المسائل الدينية التي يفترض بالمحسوبين على هذه المؤسسة أنهم ” تفقّهوا ” بها في دراستهم الدينية .

و المؤسسة الدينية هي الجهة التي يمكن للمسلم أن يلجأ إليها في أمور دينه ، و هي الأمور المقتصرة على طريقة عبادته و سلوكه اليومي و ما اليها كدور يفترض بمثل هذه المؤسسة أن تقتصر عليه و في نفس فإن من واجبها أن تمنع رجالها من الخروج عن هذا الدور خاصة اذا تضمن هذا الخروج تجاوزاً ضد فئات المجتمع الأخرى للمجتمع المختلط من أديان و مذاهب و اتجاهات مختلفة يسيء لها مثلما يسيء لتلك الفئات . بعد 2003 أصبحنا على مراكز قوى مذهبية – سياسية متناحرة تقتات على تسقيط و هدم بعضها البعض كما على تسقيط الآخرين بدل أن تلتفت للدور المذكور مستمدة قوتها من موارد عديدة داخلية و خارجية و كلما كانت هذه المؤسسات قريبة من مركز القرار أينما كانت بؤرته ، في الداخل أو في الخارج كلما كانت أكثر قوة . تغاضي السلطة عن القيام بدورها في لجم هذا الإنفلات جعل هذه المراكز قوية بشكل لا يصدق لدرجة أنها لم تعد تحت سلطة القانون بل أن القانون نفسه تحت سلطتها حتى لو تجاوزت حدود الثوابت الوطنية.

من أين تستمد هذه المراكز قوتها ؟ من المال و الإعلام ، المال يقدمه أتباعها طوعاً على شكل فرائض و تبرعات من الداخل و الخارج و مصادر أخرى بلا ضرائب و لا رقابة و هي أموال طائلة لا حصر لها جمعت من بسطاء الناس يضاف له أشكال متعددة من الدعم ، أما الإعلام و هو الأخطر فهو صنفان : إعلام حديث على أعلى مستويات التقنية الحديثة ، العشرات من الصحف توزع و بعضها مجاني و العشرات من القنوات التلفزيونية و الإذاعية تبث برامجها على مدار الساعة ، و إعلام تقليدي يتمثل بآلاف المعممين الذين يبثون ” برامجهم ” من فوق المنابر . لا اعتراض بطبيعة الحال على الجهات الدينية بشكل عام عندما يكون دورها مطابقاً لتسميتها ، دينية ، لكن الإعتراض يكون حقاً وواجباً عندما يتجاوز استخدام بعض رجال الدين مصادر القوة هذه لدورها التقويمي و يبدأ بالتحول الى العكس إبتداء من صغار رجال الدين الذين يعدون بالآلاف ، بعضهم يلقي خُطبه في جموع الناس و لم يخط له شارب بعد و يستقبله الجمهور بصيحات الإعجاب لا لأنه تفقه في الدين و أتاهم بما لم يستطعه الأوائل بل لأنه يعتمر عمامة تميزه كشخصية ” مقدسة ” .

المواطن البسيط ” المؤمن ” يثق ثقة تامة برجل الدين و ينصاع لأوامره و لنواهيه حتى لم يعد رجل الدين بحاجة لإقناعه بأن هذه أوامر و نواه إلهية ، فبمجرد ” ارتقائه ” المنبر يتحول المواطن بين يديه إلى كتلة من الطين الإصطناعي يشكلها كيف يشاء ، في الإنتخابات يصنع منه صوتاً و في الحروب سيفاً و في المناسبات زائراً و متبرعاً و في الإحتجاجات متظاهراً و يستوي في ذلك رجل الدين الجالس على منبر خشبي في دار عبادة و الجالس على كرسي وثير في استوديو التلفزيون . حتى الآن من حق الآخر أن يختلف مع ما يطرحه رجل الدين و يكتفي بالإختلاف عندما يكون ما يطرحه شأن داخلي داخل الطائفة – أي طائفة لكن متى يحق له أن يعترض ؟ هل كان بإمكاننا مثلاً الإكتفاء بالإختلاف مع أبو بكر البغدادي و اعتبار نهجه شأناً داخلياً له و لأتباع عقيدته ؟ يحق لنا بطبيعة الحال أن نعترض بل و أن نقاومه بالسلاح ، متى نعترض أيضاً ؟

يحق لنا الإعتراض عندما يمارس رجل الدين الإعتداء اللفظي على الآخرين و على عقائدهم و رموزهم و مقدساتهم في تحريض واضح وقد حدث ذلك بالفعل في العراق و أوقع آلاف الضحايا على مدى عقد و نصف .

يحق لنا الإعتراض عندما يشيع رجل الدين مفاهيم تتعارض مع أسس الوطنية و السلم الأهلي و تتعارض حتى مع الدين الذي يدعي تمثيله .

يحق لنا الإعتراض عندما يمارس التجهيل عن دراية و سبق إصرار ف” المؤمن ” الجاهل أسهل انقياداً و أسرع استجابة للأوامر لذلك يجري مسخه و تحويله لمحض روبوت يتلقى الأوامر و يتفذها .

يحق لنا الإعتراض عندما يكون دور المال و الخطاب الإعلامي لهؤلاء هداماً للحمة الاجتماعية و مروجاً للطائفية ، عند ذاك يجب على الدولة ان تراقب مالهم و إعلامهم .

يحق لنا الإعتراض عندما يتلقى أموالاً من الخارج تدعم إشاعة هذه المفاهيم .

رجل الدين من هذا النوع ليس جاهلاً كما هو شائع بل هو في غاية الخبث و الذكاء ، فهو يمرر خطابه من خلال المظهرية المتمثلة باللباس و ” الكاريزما ” اللازمة لهذا الدور ، طريقة صعوده إلى المنبر و إجادته فن الخطابة و استخدامه علم الصوت و الإلقاء و التمثيل و فن التأثير في الجمهور . هذا ليس جاهلاً ، من الخطأ أن نحكم على هذا النموذج بالجهل لأننا لم نقتنع برواية عوج ابن عنق التي يرويها أو بقصة يعفور حفيد حمار سيدنا نوح أو بفتوى جواز أكل لحم الزوجة أو بقصة السمكة سيئة الخُلُق . نعم من يصدق هذه القصص و الفتاوى جاهل لكن من يرويها ليس جاهلاً على الإطلاق .

السؤال الذي نريد أن نسجله هنا موجه لأعلى السلطات الدينية بعد ما تخلت السلطات الرسمية التي تمثل القانون لها عن واجبها .. هل تعي خطورة هذا الخطاب ؟ هل تعي خطورة أن تترك رجل الدين على هواه و هو يتحدث باسمها يشيع الجهل و يهدم الوحدة الوطنية و يستهدف السلم الأهلي ؟ إذا كانت تعي ذلك فلماذا لا تمارس دورها في لجم هذه الأفواه و هي القادرة على تأسيس جيوش و حل جيوش بكلمة واحدة ؟

المقال السابقجاهين: شاعر الثورة وساحر الفرح
المقال التالىأنتخب العراق
عماد عبود عباس كاتب عراقي عضو عامل في نقابة الصحفيين العراقيين 1974 وعضو اتحاد الصحفيين العرب و الاتحاد الدولي للصحافة İFJ اكمل دراسته في جامعة سراييفو في يوغسلافيا السابقة عمل في مجال الاعلام مدير تحرير و مذيعا و منتج برامج، يكتب العمود الصحفي و المقالة في عدد من الصحف و المواقع الالكترونية....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد