وحدة الأديان


 
الصدى - وحدة الأديان
لوحة للفنانة عايدة الربيعي

أن البشرية تدور في عملية نمو جماعية شبيهه بعملية النمو لدى الأفراد . ومثلما يبدأ الفرد حياته من المهد ويصل إلى سن البلوغ خلال مراحل متعاقبة يكون الشيء نفسه بالنسبة للجنس البشري حيث يبدأ حياته الاجتماعية الجماعية في مرحلة ابتدائية ومن ثم وبالتدريج يصل إلى البلوغ . ففي حالة الفرد يبدو واضحا بان التطور يكون نتيجة التعليم المستمد من الوالدين ومن المعلمين ومن المجتمع بصورة عامة . ولكن ما هي القوة الدافعة لمسيرة الجنس البشري في تطوره وتقدمه ؟
الجواب هو ” الدين السماوي ” . ان الله الخالق سبحانه وتعالى تدخل ويستمر في التدخل في تاريخ البشرية وذلك عن طريق إرسال الرسل أو المتحدثين باسمه . هؤلاء المرسلون هم المؤسسون الرئيسيون للأديان الكبرى في العالم مثل سيدنا إبراهيم وموسى وبوذا والمسيح والرسول محمد (ص) وغيرهم . إن الروح التي أطلقها هؤلاء الأنبياء والمرسلون وأيضا ونفوذ كلمتهم وتعاليمهم والنظام الاجتماعي الذي تأسس بواسطة أحكامهم وقوانينهم ونصائحهم هي التي أدت بالجنس البشري إلى الرقي والتقدم في مسيرة تطوره الجماعي . وبكل بساطة فان هؤلاء المؤسسون هم المعلّمون الكبار للبشرية .

وبالنسبة للأنظمة الدينية المختلفة التي ظهرت في تاريخ الإنسانية نجد أن” هذه الأصول والقوانين وتلك الأنظمة المحكمة المتينة قد ظهرت من مطلع واحد وأشرقت عن مشرق واحد ، أما اختلافها فراجع إلى اقتضاء الوقت والزمان والقرون والآعصار”.
وعلى ذلك ، فإن مبدأ وحدة الدين يعني بأن مؤسسي الأديان وهم الأنبياء والمرسلون العظام جاءوا من جانب إله واحد وأن الأنظمة الدينية التي أقاموها ما هي إلا جزء من خطة سماوية تديرها القوة الإلهية .

وفي الواقع هناك دين واحد ، وهو دين الله ، وهو ينمو ويتطور باستمرار وكل نظام ديني يعتبر مرحلة من مراحل ذلك التطور الكامل .

وللدلالة على ان تعاليم الرسل وأفعالهم موجهة من قبل الله العلي القدير ولا تنبع من قدرات بشرية عادية ، نجد أن كلمة “وحي” لوصف الظواهر والحوادث التي تحدث عند مجيء رسول سماوي جديد في كل مرة ، خاصة وان كتابات الرسول الإلهي تمثل كلمات الحق المعصومة ، وبما أنها تبقى مدة طويلة بعد وفاة الرسول فإنها تعتبر جزءا هاما من مظاهر ” الوحي “.

وينظر إلى التاريخ الديني على انه عملية من تتابع الديانات السماوية من عند الله وان اصطلاح ” تعاقب الظهورات ” يستخدم للتعبير عن هذه العملية . دعونا نقارنه بالمفاهيم الأخرى المطروحة لمضمون الدين . فمن جانب ، هناك من يرى بأن الأنظمة الدينية المختلفة ما هي إلا نتاج كفاح البشرية بحثا عن الحقيقة . وفي ظل هذا المفهوم ، لا يعتبر مؤسسو الأديان حاملين لرسالة سماوية للبشرية وإنما هم أشخاص من كبار الفلاسفة والمفكرين الذين توسعوا وتطوروا في بحثهم عن الحقيقة وتوصلوا إلى هذه المرتبة . هذه النزعة تستبعد فكرة وحدة أساس الدين ، لأن الأنظمة الدينية المختلفة تعّبر عن وجهات نظر متفاوتة واعتقادات مختلفة جاءت أصلا من الإنسان وهو المعرض للخطأ ، وهي تختلف عن الوحي الإلهي الذي يمثّل الحقيقة والعصمة وهو نابع من مصدر واحد فقط .

ومن جانب آخر ، هناك الكثير من المتشددين من أتباع أديان مختلفة يقولون بأن رسولهم أو مؤسس دينهم يمّثل دين الحق فقط وأن الأنبياء والمؤسسين الآخرين ليسوا سوى أنبياء كذبة وعلى غير حق أو على الأقل هم دون نبيهم أو رسولهم مرتبة . مثال على ذلك ، هناك الكثير من اليهود يعتقدون بأن سيدنا موسى عليه السلام كان حقا رسول الله ولكن سيدنا المسيح لم يكن كذلك . ونفس الشيء يعتقده الكثير من المسيحيين بسيدنا المسيح عليه السلام ولكن لا يؤمنون بالرسول محمد صلى الله عليه وسلم وأن المسيح يحتل مقاماَ أعلى من مقام موسى عليه السلام.

إن مبدأ وحدة الأديان بؤكد بأن الاختلافات الموجودة في بعض تعاليم الأديان العظيمة يرجع سببها إلى اختلاف حاجات ومتطلبات الزمن الذي ظهر فيه الدين الجديد وليس إلى وجود نقص في مؤسس ذلك الدين . بالإضافة إلى ان كثيرا من الناس يدخلون للدين كثيرا من البدع ويتلاعبون بالألفاظ وينسبون إليه كثيرا من الأفكار الدخيلة , وفوق ذلك كله أجد بأن جميع الأنبياء والمرسلين هم في مصاف واحد وفي مرتبة واحدة .وعليه نجد أن المبدأ الهام والأساسي هو أن الحقيقة الدينية ليست مطلقة وإنما نسبية وأن الرسالة السماوية هي عملية مستمرة وفي تقدم وأن جميع الأديان العظيمة في العالم سماوية في الأصل وأن مبادئها الأساسية متماثلة ومتطابقة تماما وأن أهدافها ومقاصدها متشابهة كما أن تعاليمها تعكس لنا حقيقة واحدة وأن وظائف هذه الأديان مكملة لبعضها البعض وأن اختلافها الوحيد يكمن في الأحكام والحدود الفرعية وأن مهامهم هي التكامل الروحي للمجتمع الإنساني خلال مراحل متعاقبة ومستمرة .

وينطلق هذا المبدأ من حقيقة ما فتئت تزداد وضوحًا، وهي أن الأديان واحدة في أصلها وجوهرها وغايتها، ولكن تختلف أحكامها من رسالة إلى أخرى تبعًا لما تقتضية الحاجة في كل زمان، وفقًا لمشكلات العصر الّذي تُبعث فيه هذه الرّسالات. للبشريّة في كل طور من أطوار تقدّمها، مطالب وحاجات تتناسب مع ما بلغته من رقّي ماديّ وروحانيّ، ولا بدّ من ارتباط أوامر الدّين ونواهيه بهذه الحاجات والمطالب. فالمبادئ والتّعاليم والأحكام الّتي جاء بها الأنبياء والرّسل، كانت بالضّرورة على قدر طاقة النّاس في زمانهم وفي حدود قدرتهم على استيعابها، وإلاّ لما صلحت كأداة لتنظيم معيشتهم والنّهوض بمداركهم في مواصلة التّقدم نحو الغاية الّتي توخّاها خالقهم.

إذًا أن الحقائق الدّينيّة نسبيّة وليست مطلقة، جاءت على قدر طاقة الإنسان وإدراكه المتغيّر من عصر إلى عصر، لا على مقدار علم أو مكانة الأنبياء والمرسلين. وأن اتّحاد الأديان في هدفها ورسالتها، وفي طبيعتها وقداستها، وفي لزومها وضرورتها، ولا ينال من هذه الوحدة، كما رأينا، تباين أحكامها أو اختلاف مناهجها. لذا نجد أن دين هذا العصر(البهائية)،هو الدّين الّذي يناسب مدارك ووجدان الإنسان في وقتنا وزماننا، والدّين الّذي يعدّ إنسان اليوم لإرساء قواعد الحضارة القادمة، وفي هذا وحده تتلخّص علّة وجوده وسبب اختلاف أحكامه عن أحكام الأديان السّابقة.

“اياكم يا ملا التوحيد, لا تفرقوا في مظاهر أمر الله ولا فيما نزل عليهم من الايات وهذا حق التوحيد ان انتم لمن الموقنين,وكذلك في أفعالهم وأعمالهم وكل ما ظهر من عندهم ويظهر من لدنهم,كل من عند الله وكل بأمره عاملين,ومن فرق بينهم وبين كلماتهم وما نزل عليهم أو في أحوالهم وأفعالهم في أقل مما يحصى لفد أشرك بالله واياته وبرسله وكان من المشركين..” من كتاب “منتخباتي از اثار حضرة بهاء الله”ص46

4 تعليقات

  1. نعم اوافقك الرأي فدين الله واحد ، وهو ينمو ويتطور باستمرار وكل نظام ديني يعتبر مرحلة من مراحل تطور البشرية على هذا الكوكب الذى نعيش ونحيا عليه …موضوع يستحق القراءة. .تحياتى

  2. خالص شكري وتقديري للأستاذة الفاضلة وفاء هندي لتعليقها المنفتح وذهنيتها الراقية…….لك تقديري ومودتي

  3. في ذهني افكارا واسئله متشظيه و ازداما من الكلام لم تسفني ذاكرتي المحترقه شوقا لمعرفة امورا ربما تكون في ظرب الخيال و تجاوزا لخطوط حمراء فرضنها ثقافة احادية الايمان فرضت من المجتمع و تلبسنا بها ولا يمكن لنا نزعها بسهوله….ربما لم اتحدث عن موضوع المقال ولكن يشفع لي اني قراءته ليزيد من حيرتي…
    شكري لك و فائق احترامي

  4. السيد الفاضل شاكر العزاوي
    سعدت لمروركم الكريم وقراءة المقال، وعذرا انني لم افهم تساؤلكم او تعليقكم كي أستطيع الرد عليكم… رجاء ان تكرمتم وان كان لكم تساؤل توضيحه كي يتسنى لي الإجابة عنه….
    ولكم مني خالص الشكر والتقدير
    راندا الحمامصي

اترك رد