جرن القمح الخاوي


 

تلك حالة مزمنة من الترهل، لقد تكاسلت بما فيه الكفاية، النافذة موصدة، الأبواب عليها قفل كبير، الرعشة تمسك بي، تلازمني الكوابيس طيلة هذا الأسبوع، لقد صارت وخز إبرة، أصبح كل شيء يثير الغثيان.
ذهبت إلى دولاب ملابسي العتيقة، أحتفي بها كل مساء، لا تغادرني أحلام البراءة الأولى فللعيد ساعة الصباح فعل السحر، فتيانا وفتيات كنا نلعب معا، لكن ثيابي الآن ألوانها باهتة، مقاساتها لا تناسب جسدي، اتسعت كثيرا، هذا عين وهم إنني الضامر جسدا وروحا، ترك الزمن أثره فيهما، هذا البنطال كنت أبدو فيه مثل الجواد أتنقل كيفما أشاء، لم تعد لدي خاصرة، عظما مغطى بجلد أبدو، وجهى به خطوط كنتورية، هضاب وأخاديد، دخان أبيض إثر حريق اشتعل برأسي، هل جاء زمن الرحيل؟
صوت المذياع يتخلل الصمت مثل قرض الفئران، تتداخل موجات الأثير، صوت مغنية تنعى حظها، ترتيل مبارك يطمئن النفس أن عناية الله تصحب الصالحين، نبأ عاجل: ترامب يهدد بضرب الشام، طائرة تسقط فوق جبال الأوراس، الولد المجنون كيم إيل يونج يهدد بزر الفناء النووي.
تمثل لي الخيالات وهما، لعبة الحوت الأزرق تؤرق نومي، لقد بدا لي أنه قفز من البحر الأبيض وجاب النيل حتى بلدتنا، لم تفلح محاولات التفاوض أن تمنع الأحباش من هدم البيت العتيق، يخيل إلى أنني سأخرج إلى الضفة اليتيمة وأدعو على الملأ: للنهر رب يحميه!لست مؤهلا لهذا، سروالي البالي يمنعني من الكلمة الناجزة، كما العدالة ال التي تهرأت في سياقات اللون الأحمر الذي غطى النخلة التى ماتت واقفة، تألمت كثيرا حين أخبرني صاحبي بأن الموات أصاب النهر والبشر والحجر؛ إنه بائس ترهقه الأحزان كلما جاء أسبوع آلام مسيحه، ثم لا يعبؤون يزينون واجهة البيوت بأغصان الصفصاف، فمن لصغار “دوما”من بطش تيتوس؟
أغوص في الفراش أكثر، لا عاصم لي الليلة من تلك الهلاوس، تمتد يدي إلى كتاب الله؛ تتسع المسافة بينهما، حقا لقد نافقت كثيرا هذه الأيام، سابت ركبي لجمال الشقراء الفاتنة التى سلبت عقل أصحاب الكروش العريضة، حمى الله خاصرة الشيوخ، لكنني مولع بواحدة تشبهها، وما يمنع أن تكون هي؟
الاحتياج إلى دفء الأنثى يشنعل لهبا داخلي.
يقال إن من يخادن النساء يقصر عمره، هذه ترهات أضاعت عمري زمنا، لم تعد بي طاقة لمعاودة ما مضى.
في يوم كنت أعد الشاي لأبي الشيخ- أطال الله في السرد بقاءه- يعلم أن لي عينا تحب الحسان، تتملكني الرغبة وتستبد بي إلى حديثهن، أسر إلي: أحر النسا من لا يدخل عليهن الرجال!
يموء القط الأسود في الشارع الخلفي، حذرتني أمي ألا أمسه بسوء، لقد مات رجل آذى قطة يتيمة، تلعب الفئران فوف رأسي؛ بيتنا مسقوف بالبوص فوقه أقراص روث بقرتنا العجوز، لم يعد ضرعها يفيض لبنا، مثل كل النساء اللواتي كانت اثداؤهن شهية وتعطى الحنان عامين لصغارهن، تبدل بتلك العلب المجففة في بلاد العام سام ودقيق الذرة الأصفر، فالعقم من يومه يسكن ظهور الرجال في قريتنا، لقد صارت الحلمات منتفخة صناعيا، تكفي فقط لقضاء سهرة حمراء في حجرة باهتة تتراقص فيها خيالات الشياطين!
اعتدلت في فراشي، ضغطت على مفتاح الكهرباء، تبين لي أن ذا كله وهم، فالعجز هو الذي دلس علي؛ كل الأشياء كما عهدتها، لا يوجد قفل على الباب، أنا واهن هذه حقيقة لا مراء فيها، مصاب بالعجز لا شك في هذا، رغم كل ما حدث علي أن أتخلص من الشياطين التي تراقصت فوق المصباح.
في حالة سابقة صحوت من نومي لم أجد فوق رأسي ذلك الشعر الملبد مثل صوف النعاج، عبث به الفأر الأبيض الذي سكن قاع النهر، جاء في ” سفر النهاية” أن الشمس سترى القاع مرتين واحدة يوم الزينة ومهلك الفرعون ضحى، وقد كان سؤالا اختبرني فيه جدي ليلة افترشنا الأرض في جرن القمح، ساعتها كان القمر يتراقص اصفرارا، حان آوان المرة الأخيرة، علي أن أتهرب من سطوة القيد.

لا تعليقات

اترك رد