روسيا وايران وسوريا والشرق الأوسط

 

اختلف الكثيرون حول سورية منذ فجر التاريخ وفي العصر الحديث كما في السابق صارت سورية ساحة للصراعات الدولية والإقليمية بغض النظر عن النظام السياسي الذي كان سائدا في هذا البلد . تمتاز سورية بموقع جيوسياسي مميز يجعلها في قلب العالم ولهذا السبب كانت في عين العاصفة وكان العدوان دوما يحيق بها من الشمال والغرب والجنوب والشرق . وربما كان التاريخ الدمشقي الطويل هو سبب الحفاظ على البلد معافى رغم قوة الغزوات التي اجتاحته .

في الحرب العدوانية الأخيرة ، الغرب وحلفائه وعملائه على الأرض هو من استحضر التدخل الخارجي في هذا البلد واتهم الحكومة السورية زورا وبهتانا بأنها جلبت تدخل إيران وروسيا وحزب الله وغيرهم في المشهد السوري. أيام حلف بغداد والعدوان الثلاثي أراد حلف الناتو أن يتدخل عسكريا في سورية لكن أحد القادة العقلاء في الحلف اعترض قائلا : ” إذا تدخلنا عسكريا وبشكل مباشر في سورية نكون كمن يحمل قدم الدب الروسي النائم ويستحضرها بكل قوتها إلى سورية .” و في حالة التمرد العسكري ضد الحكومة السورية الأخير وتحديدا في عام 2011 ، كان سفراء حلف الناتو يشاركون ” وجدانيا ” في التجمعات التي تقوم ضد الحكومة ويشجعون المعارضين ويدعون بأن الحكومة دوما متأخرة خطوة للوراء ولا تستطيع إرضاء المطالب ” الشعبية ” و” العادلة” للمحتجين وفق الأسلوب الرخيص والموارب للإعلام العربي والغربي . وكان السفير الفرنسي والسفير الأمريكي يخالفان القانون المعمول به في سورية ويخرقون قانون السفراء ويتعاملون مع الحكومة السورية على أنها مسألة أيام وترحل في أسلوب متعال وعنجهية غير مسبوقة . حاليا تحتج القوى المناهضة للحكومة السورية مدعية أن الحكومة هي من استحضر التدخل الخارجي في سورية ويتناسون أنهم من بدأ في استحضار الأجنبي الغربي على الساحة السورية في السر والعلن بالمال والسلاح وكل ذلك والحكومة السورية تقف متفرجة على ما يجري تراقب المشهد . كان واضحا أن الأزمة مفتعلة يديرها الغرب وبعض دول الخليج العربي وعلى رأسهم قطر والسعودية الامارات العربية المتحدة .

لقد عملت الولايات المتحدة دائما على تضخيم قوة خصومها وتعظم من خطورتهم لتبرر اعلاميا أفعالها المشينة وتتلاعب في العقول وتحرف الرأي العام المحلي والدولي وتستقطب الدعم من الحلفاء وهذا ما فعلته عند قيام الثورة الاسلامية في ايران في عام 1979 وفي حالة العراق عام 1991 وعام 2003 وفي حالة سورية
عام 2011 وفي حالة حزب الله اللبناني عام 2006 و عام 2017 . كانت إيران الشاه دوما حليفة الولايات المتحدة واسرائيل ولم يكن هناك أدنى مشكلة في التعامل معها وبقي الأمر كذلك حتى وصلت الثورة الإسلامية إلى مقاليد الحكم . الطريف في الأمر أن السياسة الأمريكية مكشوفة وتكرر نفسها . قبل الثورة الإسلامية كانت دوائر الاستخبارات الأمريكية تضخم من الخطر الشيوعي السوفياتي والصيني وتنصح دول الخليج بشراء كميات غير محدودة من السلاح لمواجهة التمدد الشيوعي الصيني والسوفياتي وبعد وصول الثورة الإسلامية إلى الحكم في ايران بدأت الولايات المتحدة في تضخيم الخطر الايراني وطرحت فكرة تصدير الثورة وشجعت العراق على الدخول في حرب عبثية لا طائل منها تستنزف قدرات البلدين وكان الرابح الوحيد من الصراع الولايات المتحدة فقد كانت تزود العراق بالسلاح وتزود ايران بالسلاح ( تهريبا ) وتزيد الخوف الخليجي من خطر التمدد الإيراني في المنطقة واستبدلت فيما بعد الخطر الشيوعي بالخطر الشيعي واستمرت في تنمية قدرات الخليج الدفاعية بسبب الخطر الشيعي المزعوم .

في حقيقة الأمر ، كانت الحرب على العراق وتدميره والغاء السلطة القائمة الرسمية استدعاء للتدخل الخارجي من كل حدب وصوب . الحرب على العراق جعلته مستباحا للقوى الاقليمية والدولية في عالم يعج بالتناقضات والتنافس على مناطق النفوذ كما شجع القاعدة وشقيقاتها للنمو في أرض جديدة خصبة . وكان التدخل الغربي المباشر في سورية عام 2011 استدعاء للتدخل الخارجي الأجنبي . وفي الحقيقة أيضا كانت المجموعات المسلحة حتى عام 2013 تنفذ سياسة الأرض المحروقة التي اتبعها الاحتلال الأمريكي للعراق من تدمير للمراكز الثقافية وسيارات الإسعاف وسيارات الاطفاء والبلديات وكان الشعار الدائم للمظاهرات المدعومة غربيا اسقاط النظام واضفاء الطائفية على عمليات القتل الإجرامية لتركيب صفة الحرب الأهلية على ما يجري في سورية .

التحالف الروسي الإيراني الصيني جاء نتيجة حتمية لسلوك الغرب المخرب قي أكثر من مكان في العالم واللبيب بالإشارة يفهم ولهذا السبب قامت هذه الدول بالتغاضي عن حالات التنافس الاقتصادي والسياسي بينها وفضلت اللجوء إلى المصلحة العليا لهذه الدول مدركة أن الاستقرار السياسي سبب مباشر للنمو الاقتصادي . على مدى عقود من الزمن كان التنافس قائما بين الشيوعية الصينية والشيوعية السوفياتية وكان هناك تنافس بين إيران وبين روسيا في مجال النفط والغاز . ولهذا السبب استحضر التدخل الغربي المباشر في ليبيا ثم في سورية التعاون والتعاضد بين الدول الثلاثة وتجلى هذا التعاون في أقوى صوره في سورية . في حقيقة الأمر ، تدافع إيران عن أسوار طهران في دمشق وتدافع روسيا عن أسوار موسكو في دمشق وتدافع الصين عن أسوار بكين في دمشق . وأدركت هذه الدول أن انكسار الحكومة السورية في سورية يعني انتقال الحرب إلى أسوار عواصم تلك الدول ولهذا السبب تدخلت روسيا بكامل قوتها في عام 2013 لحماية الحكومة السورية ودعمها في وجه المد الغربي الشرس . ومن الحقائق المثبتة أيضا أن الحكومة السورية لم تطلب المساعدة من الحلفاء إلا بعد تمادي التمرد المسلح في أعماله والظهور العلني لمجموعات مسلحة من جنسيات غير سورية على الساحة السورية وارتكاب الفظائع على الأرض بدعم أمريكي غير مسبوق لدرجة أن وجود الحكومة السورية صار مهددا .

في هذه الأثناء كانت المجموعات المسلحة على الأرض تفتقر للتوجه نحو بناء الدولة والاعمار واعتمدت خطابا طائفيا متخلفا ولهذا السبب لم تستطع أن تجتذب السوريين العلمانيين من كل الطوائف ولم تكن تمتلك رؤية سياسية إلا ” اسقاط النظام ” فقط . كان كل سوري يتساءل “وماذا بعد اسقاط النظام؟ ” . لم يكن هناك جوابا إلا الفوضى وتدمير الدولة واستحضار الحالة العراقية والدخول في معارك عبثية بين ” الدول المدن ” التي كانت ستنتشر في كل مكان والمستفيد الوحيد هو اسرائيل لأنها تحقق ” خطة اسرائيل للمنطقة العربية ” التي انتشرت في الثمانينات من القرن الماضي .

في الخمسينات من القرن الماضي وعند تشكل حلف بغداد وقيام العدوان الثلاثي اجتمع حلف الناتو وقرر غزو سورية واسقاط النظام وتركيب حكومة موالية للغرب لذلك عمل على تشكيل الجيش السوري الحر الذي انتشر في ذلك الوقت مدعوما من تركيا في عام 1958 في مناطق شمال اللاذقية وشمال جسر الشغور وغرب إدلب ومناطق من شمال سورية . لكن أحد القادة الكبار نصح حلف الناتو بعدم التدخل المباشر في سورية وقال لهم بأنهم إن تدخلوا عسكريا في سورية سيكون دورهم كمن يحمل قدم الدب الروسي الغافي عنوة إلى سورية لأن روسيا بأي حال من الأحوال لا يمكنها أن تغامر بمستقبل علاقتها بسورية كون سورية على مر التاريخ هي شباك روسيا على البحر المتوسط . وفعلا تراجع حلف الناتو في عام 1958 عن التدخل العسكري المباشر واكتفى بعدوانه المعروف. الغريب أن هذه الفكرة غابت عن ذهن مخططي حلف الناتو في عام 2011 ، حيث كانت العلاقة السورية الأمريكية الأوروبية في مستوى مقبول يعادل العلاقة السورية الروسية الصينية الايرانية وكانت سورية تلعب دائما على المتناقضات السياسية وتؤمن الاطار القانوني لعمليات الاصلاح الاداري لكن ما حدث كان كمن يرمي الرمل في العين فانحدرت العلاقة السورية الأمريكية الأوروبية التركية إلى الحضيض وبسبب هذا التدخل المباشر من الغرب في شؤون سورية في الفترة الواقعة بين عامي 2011و 2013 وتعريض الوجود السوري للخطر اضطرت الحكومة السورية للاستعانة بحلفائها الروس والايرانيين والصينيين وحزب الله للدفاع عن وجودها من الضياع للأبد وكان ما كان .

الاستدعاء للمجاهدين من كل مكان في العالم من قبل ما يسمى بالمعارضة ، وتوقيف الاعلام الحكومي عن البث، والترويج للإعلام المضاد ، وفرض الحظر الجوي والعقوبات الاقتصادية ، والتحريض الإعلامي المستمر حتى الآن ، وتجميد سورية في الجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الاسلامي ، واستضافة المعارضة التي ليس لها وجود كضيف شرف مدلل في الجامعة وغيرها كثير هو ما استدعى الحكومة السورية لاستخدام حقها القانوني في الدفاع عن الوطن الذي يتعرض لأبشع أنواع الحروب .

الوجود العسكري الروسي والايراني والمقاومة هو من حمى استقلال سورية وهو بذات الوقت يدافع عن وجوده أمام الخطر الداهم من قبل الغرب وحلفائه . والحضور القوي لهذه القوى سببه الهجمة الشرسة الغوغائية الفوضوية التائهة على الدولة السورية وهو من وحد هذه القوى وأجبرها على تجاوز خلافاتها لمواجهة العدوان .

سورية اليوم أقوى بكثير مما كانت عليه . وستتعافى أكثر في عصر التحالفات الدولية.

لا تعليقات

اترك رد