الديمقراطية لعبة الفاسدين


 

لنتفق اولا، ان افضل نظام سياسي ملائمة للبشر كحاجات وتطلعات هو الديمقراطية، وعنوان المقال قد يوحي انني اقف بالضد، الا اني هنا اتحدث عن وجه اخر لهذا النظام..

جيل مثل جيلي عاش زمن الازمات والحروب والصراعات محليا واقليميا ودوليا يدرك ان الحقيقة الثابتة التي لاحياد عنها هي ان النظام الاسلم لحكم شعوبنا هو نظام ديمقراطي دستوري قائم على اساس المواطنة وعلى احترام الحقوق والخصوصية ويسعى لتحقيق العدالة والمساواة والرفاهية والسعادة والحياة الحرة الكريمة للشعب دون النظر الى دين وعرق..

ولكن جيلنا هذا، عرف اخيرا ان هذا مجرد حلم بالنسبة لنا كعرب، مع اننا نستحق افضل مما نحن فيه بل افضل الافضل ليس لميزة فينا تختلف عن باقي البشر، بل لاننا نمتلك من الموارد والثروات التي اذا ما اعطيت لاغبي غبي في العالم فانه سيحقق النجاح تلو الاخر، وسيكون سيدا محترما وليس عبدا ذليلا تحركه الريموتات عبر الاقمار الصناعية، ولكن وللاسف تحولت هذه النعمة الى نقمة ووبال علينا دفع كل الطامعين شرقا وغربا الى التكالب علينا ونهشنا بمعرفتنا وبعلمنا وحولونا الى حراس للثروات فقط..

فشلنا في اقامة تجارب ديمقراطية ليس نابعا من قصور في الفكر، فاذا ماشاء احد منا ان يراجع ادبيات حركات التحرر منتصف القرن الماضي ومن ثم الاحزاب التي سمت نفسها بالتقدمية والثورية والقومية فانها تضع مسالة الحرية والعدالة والكرامة في اولوياتها، ولكنها للاسف لم تتمكن عند وصولها للسلطة من تحقيق اي من اهدافها ليس لانها لم ترغب بل لانها تقود مجتمعا تكالبت عليه المؤامرات الكبيرة وهو مازال مثقلا بقيود من الموروث والشريعة، فلم تدر تلك الحركات الى اية وجهة توجه قدرات هذه الشعوب، حتى انحرفت عن اهدافها وتكررت المغامرات والحماقات والعثرات ومن ثم الاخطاء الصغيرة والكبيرة فسقطت وفشلت فشلا ذريعا، ويمكن اعتبار مصر جمال عبد الناصر وعراق صدام حسين مثالا على ذلك،

نتيجة ذلك الفشل والفراغ الذي حدث بزغ نجم الاسلام السياسي الذي عانى الامرين اذ انه وجد نفسه ومازال محاصرا بين نموذج عدالة عقائدي بزغ مع بداية الاسلام وبين مجتمع يحاول كسر القيود ليتجه الى الامام وشريعة ظلت على مدى تاريخها تحاول فقط الدفاع عن نفسها واثبات شخصيتها وحقها لنيل فرصتها، ولكن الفشل كان نصيب الاسلام السياسي ايضا اذ انه راهن على نفسه وفكره اكثر مما راهن على الناس وتطلعاتهم واهتماماتهم..

ولكن ماهي اهتمامات الناس؟..

في بعض بلدان اوروبا، تلك البلدان التي ملت من نظمها اليوم وراحت تبحث عن التجديد، لن تجد الا القليل ممن يهتم بمن يكون رئيسا للوزراء، بعض الناس هناك وهو بعض ليس بالقليل، ربما لايعرف من هو رئيس الوزراء، مادام كل ما يهمهم متوفرا، الامن والخدمات والكرامة واحترام الخصوصية والعدالة والمساواة وتوفر وسائل العيش الكريم ان لم نقل الرغيد في بعض تلك البلدان، واي شخص ومن اي حزب يستلم رئاسة الوزراء لايمكنه باي حال المساس بتلك الحقوق.. وكسلوك عام وتقليد حياتي ويومي وروتيني فقد عرف هذا المواطن وذاك ان واجباته وحدوده تقتضي كذا وكذا، ويعرف ان اية مخالفة لتلك الواجبات واي خرق لتلك الحدود ستضعه تحت طائلة القانون، ولن تنفعه امتيازاته الشخصية او مركزه الاجتماعي او السياسي او الاقتصادي او قرابته بفلان او علان او حتى امواله من تجنب تلك العواقب، فالقانون يطبق على الجميع وبعدالة تقترب من المطلق، لقد اصبح السلوك الديمقراطي بحكم التراكم والتجربة والممارسة تقليدا اجتماعيا وسياسيا مصانا ومحكما غير قابل للنقاش..

في الاسبوع الاخير اتخذ ترامب ومعه قادة بريطانيا وفرنسا قرارا بتوجيه ضربة لسوريا، هل يمكننا تخيل عدد الاميريكيين الذين اهتموا بهذا القرار؟.. او ناقشوه مثلا، اعترضوا ام ايدوا الضربة؟.. لندع الخيال جانبا ونراقب احوال العرب، هل هناك عربي مثلا لم يدلو بدلوه عن الضربة؟..وهنا يمكنك ان تلاحظ تعدد واختلاف مواقف العرب مع انهم اصحاب المصيبة، البعض امتعض وانتفض ثائرا لكرامته والبعض فرح جذلا بسفاهة باعتبار انها ستساهم بحل القضية والبعض فرح ايضا كرها بالاسد وربما بايران وربما بروسيا دون حساب لسوريا كبلد وشعب جزء من امة مهددة بوجودها، وقليل جدا هم الذين لم يعرفوا اين يقفون؟..

المواطن في العالم الديمقراطي لايهتم بالشؤون السياسية قدر اهتمامه بيومياته، بالخدمات والتجديد والتحديث والتطوير، والمواطن عندنا يربط لقمة الخبز بالسياسة، وفي الازمات يضع نفسه مشروعا للشهادة وضحية لاخرين مع انه يعيش تحت قهرهم وظلمهم واجرامهم، متناسيا حقوقه التي يجب ان يحصل عليها كبشر دون معاناة واهدار للكرامة..

الديمقراطية جعلت من النظام عبارة عن ادارة او الة تخدم البشر وتحقق لهم مزيدا من الرفاهية والسعادة، والسياسة عندنا حولتنا الى ضحايا للكوارث وعبيد للاغبياء وانا اقارن ديمقراطيتهم بسياستنا وساستنا اذ اننا لم نشهد بعد تجربة ديمقراطية..

لعل البعض هنا يمكنه الاشارة الى العراق مثلا بعد خمسة عشر عاما من الاحتلال ومن احلال نظام ديمقراطي جرت فيه ثلاثة ممارسات انتخابية والرابعة على وشك الاجراء الشهر القادم، ولكن علينا ان نعرف ان الديمقراطية ليست انتخابات فقط، انما هي قيم لازلنا نفتقدها في العراق وفي لبنان قبلنا وفي تونس والكويت، الديمقراطية قيم وسلوك وممارسات وتقاليد تتيح للشعب ان يكون صوته مؤثرا وقويا وقادرا على التغيير مثلما حصل في اميركا وفرنسا مؤخرا، وليست غطاءا للفساد ولتدوير الوجوه التي جعلت من مراكزها وسيلة للتسلط والاثراء على حساب العامة المسحوقة..

الديمقراطية هناك في احضانها وعالمها مؤسسات تتطور وتتسع وتتقدم محكومة بالشفافية والنزاهة بالمجمل مع احتمالات ضئيلة لخرقها، تقوم عليها وبها نخب تمتلك من المواهب والقدرات والكفاءات ما يجعلها قادرة على الاداء بشكل متواز مع التطلعات والحاجات والتحديات، في حين صممت عندنا لتكون لعبة للفاسدين والمغامرين واللصوص والطارئين وعديمي القدرة والكفاءة ومحدودي الفكر والتفكير لتحولها الى اعمال نصب واستهتار بكرامة وحياة ومصير شعب كتب عليه ان يعيش في الظل دائما بين نفايات عصره، متنقلا بين يدي قواد وحضن عاهرة..

لا تعليقات

اترك رد