حوار مع الشاعر اليمني زياد القحم


 

المبدع اليمني حاليا ينشغل بالبحث عن الخبز أكثر من انشغاله بالنص
الوحدة التي سعت لها النخبة المثقفة ليست موجودة اليوم
الشعرالغنائي والتراث اليمني متاح للسطو ولكنه سطو لا يؤثر كثيرا على مستقبل هذه الفنون
لم تتحول الرواية إلى سلعة جماهيرية عند الجمهور اليمني

يمر اليمن من شماله إلى جنوبه بأزمات كارثية بسبب الحرب والصراعات خلقت حالة شلل للمشهد الأدبي والفني وأصبت المثقف والمبدع بحالة يأس وقلق وضاقت عليه الحياة فلا صوت له ولا راتب يعينه ولا أي نوع من أنواع الدعم أو الموساة فأعتزل البعض ومات البعض وأصاب الجميع الجوع والمرض والبؤس في ظل هيمنة أطراف الصراع على المنابر الإعلامية والموارد وأكبر من ذلك حيث يتعرض المثقف للضرب والسجن والقتل.
سنحاول عبر هذا المنبر الإبداعي أن نستمع إلى هموم وألم المشهد الثقافي والفني اليمني ونساهم في جعل صوت الإبداع مسموعا ونتمنى أن تنتهي هذه الحروب والصراعات ويعود السلام ليمننا السعيد.
نستضيف الشاعر والناقد زياد القحم ونناقش معه بعض القضايا المهمة حيث سيكشف لنا ما أصاب اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين من خلل بحيث أصبحت مقراته تجمعات لمن لا علاقة لهم بالأدب حسب تعبيره، كما يرى أن المشهد الشعري اليمني يفقد بعض جودته وظهور نوعية جديدة من الأصوات يسوق لها الإعلام الحربي للمتصارعين، كما نسلط الضوء على عدة قضايا مهمة ونتعرف على ضيفنا.

*لعب كُتاب وأدباء اليمن دورا كبيرا للنداء بالوحدة اليمنية في زمن التشطير وظلوا يمجدونها رغم خلافاتهم مع النظام خصوصا بعد حرب 94 ولكن هل تغيرت اليوم القناعة بالوحدة؟
ـ ربما لأن من يدافعون عن الوحدة اليوم ويتمسكون بها هم ممن يحاربون الثقافة ويهمشون دور المثقف .. بل ربما وصل الامر إلى القضاء التام على هذا الدور.. لم يتراجع المثقف مطلقا عن تمسكه بالوحدة، لكن الوحدة كشعار سياسي هناك من يتمسك به كما يتمسك بانتهاك أدوار الفئات البناءة ومنها فئة المثقفين، المثقف لا يهزم السلاح ولكنه يهزم الهزيمة الجمعية إذا تنحى السلاح، كما أن الوحدة التي سعت لها النخبة المثقفة ليست موجودة اليوم لكي يدافعوا عنها.. ولكنهم سيظلون يعملون لأجلها على أساس حاجة المجتمع لها ورغبته فيها. كقيمة كبيرة لا علاقة لها بهذا السوء السياسي والتمزق العنيف.

* ما الذي يمكن رصده في ظل هذا التمزق السياسي؟
ـ يمكن رصد تحولات كثيرة ستوصل الناس إلى قناعات تحصنهم من أن يظلوا وقودا للمعارك التكميلية لحروب الزمن القديم التي يقوم بها المتصارعون الآن.. ولكنه وعي سيتشكل عبر تفاعلات طويلة المدى وليس قريبا الآن.

*كيف تصف لنا المشهد الشعري اليمني ونحن ندخل سنة رابعة من الحرب؟
ـزاد المشهد امتلاأ بالأصوات وافتقر أكثر إلى الجودة .. بالإضافة إلى أن إعلام الحرب يصنع نجومه بطريقة مختلفة كليا عن إعلام السلام .. حتى المشاركات خارج اليمن أصبحت على أساس سياسي منذ 2015 .. لكن بالتاكيد بين الجديد الكثير هناك القليل الجيد ..

شاركت كمدرب في ورشة (فن الكتابة الشعرية) التي نظمها ملتقى (اليمن تكتب) ومؤسسة أبجديات..خلال شهر مارس المنصرم..نود أن تعطينا ملخصا عن هذه الورشة ومستخرجتها؟

ينتمي الكتاب الشباب الذين شاركوا في ورشة “فن الكتابة الشعريةء أبريل 2018 ..” إلى الجيل الجديد الذي وجد في وسائل التواصل الاجتماعي وسيلة سهلة للنشر .. دون أن يمروا بالمحرر الأدبي الذي كان يعطي شيئا من خبرته للكاتب الجديد .. لذلك جاءت فكرة إقامة هذه الورشة لتضيف إليهم مهارة تطوير النص بدلا عن نشره مباشرة .. هم شباب مبدع ومختلف ولا يرتبط بالجهات التي تمنح امتيازات لمن يكتبون .. يكتبون بدافع حب الكتابة فقط ، لذلك فهم إضافة مهمة وقد أثنى أستاذنا د- عبدالعزيز المقالح على تطور مستواهم الواضح خلال فترة الورشة

* كتبت في أحد منشوراتك أن عدم قبول العضو في اتحاد الأدباء والكتاب في هو شهادة بأنه مبدع حقيقي ..وضح لنا معطيات وأسباب مقولتك وكيف ترى مستقبل الاتحاد؟
ـ المسألة بسيطة جدا: كنا نذهب إلى الاتحاد ونجد التجمعات هناك لا علاقة لها بالأدب .. نميمة وشحت وأشياء أخرى .. ثم نتقدم للعضوية فنجد اعتذارا لنا .. ونجد بعض من نراجع لهم نصوصهم ونعلمهم الكتابة قد أصبحوا أعضاءلأسباب تتعلق بالمنطقة أو الجنس، شخص من قيادات الاتحاد يدخل الى الفيس بوك للتحرش علنا بالشابات اللواتي يحاولن الكتابة .. ثم يساعدهن على الحصول على العضوية ..
هذه التصرفات وسعت الهوة بين اتحاد الأدباء وبين الأدباء فأصبح لا يمثلهم تماما .. تم إبلاغي مؤخرا بأني أصبحت عضواً في الاتحاد، لكن هذا لم يعد يعني الكثير في مرحلة يفتقد الاتحاد فيها لأبسط أدواره.

*كثيرون يرون النقد الأدبي في اليمن تحول لنوع من المحاباة وتبادل منافع فهذا يتحدث عن هذا ثم يتم تبادل الأدوار..كيف تقيم هذا الحالة؟ ولماذا نظل نسمع فقط عن أسماء يتكرر ذكرها ؟
ـ في السؤال تشخيص دقيق لمشكلة كبيرة .. هناك أشخاص يمنحون أعضاء شللهم ألقابا فخمة، ويدعون أنهم قدموا منجزات كتابية خارقة .. لكن ربما لم تعد هذه الحالة مشكلة كبيرة في هذا الظرف، لأن هناك تهميشا كبيرا للمشهد بكله.. غثه وسمينه.. مرحلة ينشغل فيها المبدع بالخبز أكثر من انشغاله بالنص.
هناك أسماء تتكرر لأسباب لا علاقة لها بمستوى إبداعهم أو نوعيته لكن المسابقات الشعرية التلفزيونية مثلا فتحت المجال لظهور أسماء جديدة خارج الآلية التقليدية للتكريس

*في بلدان عربية كثيرة أصبح للرواية شهرة وقراء وأصبحت تنافس أو تتجاوز الشعر.. كيف هو مناخ الرواية اليمنية وهل بمقدورها مقارعة الشعر؟
ـ لم تتحول الرواية إلى سلعة جماهيرية عند الجمهور اليمني .. لكنها في أوساط شبابية معينة نافست الشعر بقوة .. وربما تفوقت عليه .. طبعا أتكلم عن الشعر كإصدارات .. أما الشعر كنصوص وأفكار فهو يتفوق لأنه يحضر خارج الإصدارات الورقية .. يحضر ضمن العمل الغنائي والمسرحي والسينمائي (وأنت صاحب تجربة رائدة في السينما الشعرية) ومن هذه الزاوية فالشعر حتى لو تراجع ورقيا إلا أنه عصي جدا على الغياب.

*مع استمرار الحرب جفت منابع الدعم وضاقت الحياة بما رحبت على الكتاب والأدباء فمنهم من يبيع مكتبته أو عضو من جسده لسد رمق جوع أطفاله..لماذا لم نجد تحركات دعم من مؤسسات وهيئات عربية ؟ وكيف يمكن مواجهة كل هذه الصعوبات؟
ـ نحن ضحايا هذا الوضع .. وأعتقد أن هذا السؤال يفترض ألا يجيب عليه الضحية .. أقصد جزئية عدم وجود تحركات لإنقاذنا، أما كيفية مواجهة هذه الصعوبات .. تقريبا الطريقة الوحيدة هي الهجرة وهنا تبرز المشكلة الأخرى لأن المهاجر اليمني غير مرغوب فيه

*أحتل الشعر الغنائي اليمني مكانة مرموقة وغناه نجوم كبار في منطقة الخليج لكن المسمى يقال أغنية خليجية ..برأيك ما سر قوة الشعر الغنائي اليمني؟ وما مدى مقاومته على الصمود في ظل متغيرات تمجد التفاهة؟
ـ هناك أغنية خليجية وأغنية يمنية، وهناك تسمية أكثر شمولا وهي: الغناء في الجزيرة العربية .. نظرا لوجود تقارب كبير في النص واللحن والأداء بين فنون دول الخليج+ اليمن ، والعراق إلى حد ما .. وبلاد الشام يمكن أن نجد تقاربا بين فنونها وفنون الجزيرة العربية وهكذا.. لكن لو تحدثنا عن النص الغنائي فاليمن تمتلك تنوعا كبيرا في الأشكال التي تكتب عليها الأغنية .. وكذلك تنوعا في طرق الكتابة . بعض الأشكال هنا تشابه الأشكال في الخليج ، وبعضها تختلف .. يعني اشكال الشعر الغنائي الخليجية لها ما يشابهها في اليمن وليس العكس، عراء الصحراء اليمنية لهم طريقة والغناء في المدن له طرق كثيرة يحتويها الشعر الحميني، والساحل اليمني تنوع كبير من تهامة مرورا بعدن ووصولا إلى ساحل حضرموت .. حضرموت التي تمتلك في ساحلها وصحرائها اشتغالات أكثر ثراء استفادت من فنون مختلفة وأصبحت مؤثرة في فنون أكير..
في حال ظهور نهضة موسيقية عربية جديدة فإن هذا التنوع المدهش سيكون مؤثرا فيها بشكل أكبر .. لكن الآن اليمني فقط متاح للسطو ، ولكنه سطو لا يؤثر كثيرا على مستقبل هذه الفنون.

* يعاني المبدع اليمني من الفاقة والعزلة وقلة منافذ النشر وأصبحت مواقع التواصل الاجتماعي المنفذ الوحيد تقريبا ..كيف تصف لنا الحالة؟ وماذا لو استمرت الحرب؟
ـ تماما أصبحت الكتابة الإبداعية ورطة .. ولذلك اختفت أسماء مقتدرة ، لأنها أدركت هذه الورطة أكثر منا، وعلى كل حال فاحتمالات الكتابة والحياة هي احتمالات سيئة في المستقبل التائه الخالي من الأمكن والاستقرار.

* نود أن تحدثنا كيف أثرت الحرب على المنتج الأدبي ؟
ـ التأثير على الموضوع شيئ واضح وهو أثر طبيعي .. لكن التأثير على المستوى الفني يحتاج إلى تأمل وهو في العموم تأثير سلبي.

*نود أن نقف على تجربتك الشعرية ومنابعها الفكرية والفلسفية؟
ـ أنا واحد من القراء الذين استهوتهم الكتابة، وحاولت أن أقول شيئا عن ما لا تراه العين .. عن حزن المبتسم وفرحة الباكي، وانتصار الضحية، وهزلية الحياة والكسب، لست أكثر من ذلك ولا أعتقد أنه يحق لي أن أتحدث بصفتي صاحب تجربة مهمة لها منابعها .. المسألة أبسط.

* نود أن نتعرف عليك ؟ وهل تُفضل صفة ناقد أم شاعر؟
ـ ظهرت بداية عبر الشعر .. وحصلت على جوائز متعددة في الشعر الفصيح والشعبي، وقدمت أعمالا غنائية ، وبعد ذلك أنا شخص يحب أعمال الآخرين ويقدم فيها رأيا.. هذا ليس هو النقد تماما، لكن هذه الكتابات والآراء بالنسبة لوسائل الإعلام هي نوع من النقد .. حاليا أقوم بمراجعة كتب أدبية لعدد من الكتاب وتحريرها .. مستفيدا من خبرتي البسيطة في التعامل مع النص كتابة أو تقييما ، بالإضافة إلى الإشراف على ورش الكتابة في الشعر والقصة ، كما عملت في تقديم مواد ثقافية عبر الإذاعة .

كلمة أخيرة؟
ـ شكرا لك مبدعنا المتعدد الإمكانات والمجالات الفنية حميد عقبي .. وكان تواصلك معي مصدر سعادة واعتزاز وأتمنى لك دوام التوفيق باعتبارك مبدعا كبيرا يعمل بمعايير عالمي.

*نبذة مختصرة
ـ زياد أحمد عـــلي القحم .
ـ من مواليد 25 ديسمبر 1982 في مديرية يريم ء محافظة إب ء الجمهورية اليمنية ، ويقيم حالياً في مدينة صنعاء
ـ حاصل على بكالوريوس آداب 2005
ـ مراجع لغوي وشاعر وناقد وكاتب في الشؤون الثقافية ومؤلف أغان.
ـ خبير ومدرب في فنون الكتابة الأدبية والإلقاء الشعري.
ـ إعلامي في مجالي: ( إعداد وتقديم برامج إذاعية – إدارة وتقديم فعاليات وندوات)
ـ ينشر نصوصه الشعرية باستمرار عبر الصحافة اليمنية منذ العام 2001 .
الأعمال الكتابية
ـ ديوان الشجن (كتاب شعري إليكتروني) 2007
ـ إذا رأس حلمك طار (العمل الفائز بجائزة رئيس الجمهورية) 2012
ـ تكاسير القمر (قصائد متنوعة) 2013
ـ 85 نصا قصصيا وشعريا ونقديا عبر الصحافة خلال الفترة 2005ـ 2015
ـ كتابة كلمات 14 أغنية عاطفية ووطنية واجتماعية ومواضيع أخرى.

المقال السابقميزان بكفةٍ واحدة
المقال التالىحرب اللاجئين الخاصة
حميد عقبي سينمائي وكاتب يمني مقيم في فرنسا، اخرج خمسة أفلام سينمائية، منها ثلاثة أفلام قصيرة وهي معالجات سينمائية لقصائد شعرية "محاولة الكتابة بدم المقالح"12 دقيقة 1997 ــ بغداد، فيلم 'ستيل لايف"2005 ــ 20 دقيقة فرنسا، فيلم الرتاج المبهور" 2006 فرنسا 32 دقيقة. نشر 21 كتابا إليكترونيا منها 4 مسرحيات،....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد