سبعون شعبا سبعون موحدا


 

“الوحدة التي خلقها مدفع المستعمر، لا تصلح بعد جلائه”، إنها من أشدّ الكلمات إقناعاً، قالها محمد علي جناح، زعيم إستقلال الباكستان عن الهند، وبالمفهوم ذاته، فإن الوحدة التي تخلقها الديكتاتورية، وهراوات شرطتها، لن تستمرّ طويلاً بعد زوال عامل القوة، الهادفة ولأسباب مختلفة، بأن لا يخرج شبرٌ وإصبعان عن الطاعة.

أمّا بعد إنفراط حبّات العقد، يصبح من العسير نظمها في خيطٍ واحدٍ مجدداً، إذ تنتظم كلّ حبتين أو أكثر في خيط، وليس بعيداً أن تناضل حبّة بمفردها، لأجل أن تقرر مصيرها، وتنفرد بالخيط!

غير أن الطريف في الأمر، أن المكونات التي تنسحب إلى عناصرها الأصلية، لا ترى نفسها سبباً يعوق قيام “الوحدة”، إذ إن “الآخر” هو السّبب دائماً، تماماً مثلما يرى “الديكتاتور” نفسهُ ديمقراطياً، وراعياً للحريات، بل تصاغ نظرياتٌ غريبة، في سبيل إثبات أنّ ” التقسيم هدفهُ الوحدة”، أو أنّ “أكثر من موحّد لا يضرّ بالوحدة”، ويمكن عدّها من أمثلة “الأكسمورون”، وتعني المفارقة، أو صياغة لغوية تجمع بين مفردات ذات دلالات متناقضة، مثل : المضحك المبكي، البارد الحار، الحاضر الغائب، وأخيراً أصبح عندنا “الوحدة المقسّمة والتقسيم الموحّد”، تشبه إلى حدٍ كبير قول جندي أمريكي في حرب فيتنام “كان علينا تدمير القرية لإنقاذها”، أو المقولة الّتي أدمنها اللّبنانيون، إبّان الحرب الأهلية، “قوّة لبنان في ضعفه”، لذا ومن منطلق الأكسمورون، ينادي فلاسفة حب الوطن عندنا: “لنقسّم هذا الوطن، كي نحافظ على وحدته”.

وهذه هي مأساة العراق، فقد تأخّر ثمان مرّات، مع كلّ “ديمقراطي” ينقلبُ على سلفهِ “الديمقراطي”، بنصفِ العدد هذا، تقدّمتْ “ديكتاتوريات” أخرى!، أم أنّ “الديمقراطية” لم تكن إدعاء؟

وبالتالي فإنّ من يفقد الشرف، يحتفظُ “بإدعاء الشّرف”، ومن يغدر، سيزعمُ وفاءًا “مفترى”، ومن يسرق، سيكثر من تكرار، ” المال العام أمانة” في خطاباته، وهكذا هو الأمر، مع من يسفكُ الوحدة على مذبح الوطن، سيقسم على المقدّس، أنّه حريصٌ على وحدة التراب والسّحاب.

حتّى ترهّلتْ لفظة “موحّد” المدّعاة، لإلحاقها كأمتدادٍ، بمسمّيات أحزاب وإئتلافات “ملوك الطوائف”، سبعون مجلساً، كلّ مجلسٍ يصف نفسه بالموحّد، مئات الأحزاب، كلّ حزبٍ ينعتُ تنظيمه بالموحّد..، فتكون النتيجة سبعين شعباً، أعني “سبعين موحّداً”.

لا تعليقات

اترك رد