مابعد اللبرالية ، الشرق والغرب !!


 

لن اقدم لهذا المقال مطولاً ، باستثناء ملاحظات سريعة وضعتها كمقدمة وفي ثنايا المقالة بين أقواس مميزة ، لانه يتحدث عن نفسه ؛ وهو يطرق باباً جديداً في التفكير السياسي : ماهي اهم الاتجاهات التي يذهب التفكير السياسي نحوها في عالم مابعد اللبرالية سواء في الغرب او الشرق .

في الغرب بدات بواكير التشكيك في المنظومات الاجتماعية اللبرالية منذ وقت مبكّر وخاصة منذ الولادة تقريباً مع الفكر الاشتراكي ، ولكن المجتمعات الاشتراكية ذاتها قد تكون لبرالية فيما يتعلق بقضايا عديدة مثل قضايا تنظيم الاسرة وقضايا المرأة وحقوق الأقليات ، وعندما انهارت المنظومة الاشتراكية بنهاية الحرب الباردة لم تجد المجتمعات التي عاشت تجارب اشتراكية ، لفترات طويلة نسبياً ، صعوبة في تبني اللبرالية السياسية رغم انها ظلت هشة وتعرضت لعطب سريع بعد الأزمات الاقتصادية – الاجتماعية التي نجمت عن اندماجها في السوق الرأسمالية العالمية واصبحت السباقة لتبني الموجات الشعبوية بل واصبحت بعضها الرائدة فيها مثل هنغاريا .

في الغرب اللبرالي القابل للتنوع والتعدد ظهرت أنماط جديدة للحراك الاجتماعي ، وأحياناً السياسي ، لتجاوز عالم اللبرالية . ان مستوى الحريات والخيارات المفتوحة التي يتيحها مجتمع لبرالي امام مواطنيه اثارت المخاوف في نفوس شرائح من مواطنين اعتبروا ان مثل هذه الحرية في الاختيار تمثل تهديداً لأسس الحضارة الغربية باعتبار ان هذه الحرية تفتح باب الشك فيما يفترض فيه ان يكون من المسلمات ، وفق تصوراتهم . لقد كان الحل بسيطاً : نشأت موجات فكرية مناهضة للبرالية ، خاصة السياسية ، نسميها بالشعبوية ، فيما اختارت مجاميع من المواطنين ان تعيش في معازل اجتماعية ، وأحياناً جغرافية ، ترسم في إطارها نمط حياة مختلف عن التيار العام من حولها تحت مسمى اختاره علماء الاجتماع لتوصيف هذا النمط وهو ” المجتمعات المتجانسة Intentional Communities ” وربما يختار البعض ترجمتها بالمجتمعات المُتعَمّدة ، اي التي تبنى وفق تصور متعمد مشترك بين أعضائها ؛ على آية حال فأن الشعبوية والعزلوية أنماط تتيحها ، كما يلاحظ كاتب المقالة ، اللبرالية ذاتها .

في الشرق الاوسط لم تعش المجتمعات تجارب لبرالية بل عاشت في ظل اوليغارشيات واوتوقراطيات عسكرية وقبلية وأخيراً طائفية اغلبها من ثمار المرحلة الكولونيالية ؛ لقد قادت هذه الأنماط من الحكم الى تحويل اكثر مناطق العالم غنى بالثروات الطبيعية الى أكثرها تخلفاً وفقراً على المستويين المادي والمعنوي ، ثم عملت على انتاج بنى سياسية وفكرية هشة جعلتها غير قادرة على التخلص من أمراضها حتى عندما توفر الوعي الكافي ، وخاصة بسبب شيوع ” ثورة الاتصالات ” وشيوع ” البطالة بين الشباب المتعلم ” ؛ هذان عنوانان اذا اجتمعا سوية في اي مكان في العالم فان ذلك يعني ثورة ، وقد حصلت تلك الثورة . في عام ٢٠١١ تمت الإطاحة بعدد من اعتى الأنظمة الشمولية في المنطقة ، ولكن سرعان ماتمكنت اوليغارشيات الدولار النفطي من شن ثورة مضادة احالت الموقف برمته في نهاية المطاف الى صراع بين العسكر والإسلاميين ( الذين لم يتموا بعد واجباتهم المدرسية المنزلية ) . انتصر العسكر تارة او تحولت الثورات الى حروب أهلية لتقدم درساً لمن يفكر في التغيير مجدداً . تم الاجهاز على المجتمع المدني الوليد اصلاً وأحيل الثوار ( علمانيون وإسلاميون على حد سواء ) الى السجون او المنافي وأُشيع على نطاق واسع ان شعوب المنطقة ليست جاهزة للديمقراطية التي ولدت مع الانسان ومع اولى خطواته في التمدن . يوجز الكاتب في بعض المآلات المُحتملة في الشرق الاوسط بعد الربيع العربي .

كاتب المقالة هو شادي حميد زميل اقدم في معهد بروكنغز وله عدد من المؤلفات ( مؤلفاً ومحرراً ) أهمها :

Islamic Exceotionalism : How The Struggle Over Islam Is Reshaping The World .

Rethinking Political Islam ( Edt with William McCant )

نشر مقالته موضوع هذا اليوم تحت عنوان ( مابعد – اللبرالية ، الشرق والغرب ) في مجلة فورن افيرز في عددها الصادر يوم الحادي عشر من هذا الشهر .

في نيتي تقديم المؤلفين المشار إليهما في حلقتين منفصلتين في المستقبل القريب علماً انهما أحدثا صدى مهم في الاوساط الأكاديمية الغربية وتناولتهماعدد من الدوريات بالبحث والمناقشة .

لنتابع …

لقد سادت الثقافة السياسية الغربية منذ انتهاء الحرب الباردة مفاهيم اللبرالية السياسية . تم بناء الفلسفة السياسية على مفاهيم الحرية الفردية ، الحقوق غير القابلة للنقاش وخاصة حقوق الأقليات ، حياد الدولة وتعزيز فردانية الاعتقاد الديني في اطار الحياة العامة .

ان الموقف يختلف اليوم ، فقد بدأ عدد من المثقفين والسياسيين الغربيين بوضع هذا الالتزام بالليبرالية موضع تساؤل .ان الحركات الشعبوية في اوروپا والولايات المتحدة قد اعادت الى الحياة مجموعة من الافكار المعادية للبرالية مثل تأكيد الهوية والعائدية ( الانتساب ) الاثنوقومية . لقد سجلت مؤلفات الروائي الفرنسي ميشيل هويليبيك والمنظّر السياسي الامريكي پاتريك دينين اعلى المبيعات . مؤلفات الكاتبين تفترض ان المجتمع اللبرالي ، الذي يعيد تعريف مفهوم الانسانية ويضعه موضع تساؤل ، غير قادر على المحافظة على وجوده في المدى البعيد ، وبدلاً من التأكيد المتكرر على اللبرالية فأنه تتم الاستعاضة عن تقديم البدائل بالانسحاب والتفجع على ما ال اليه الحال .

على الاقل في قضية الرؤية الخاصة بالهوية القومية وبدائل اللبرالية ، فأن الغرب يسير على خطى الشرق الاوسط . لقد قاد سقوط الاوتوقراطيات العربية منذ سبع سنوات خلال الربيع العربي الى فتح الباب على نقاش محتدم وذي مضامين متعارضة حول دور الدين في الحياة العامة ومحتوى مفهوم الأمة . للإسلاميين ولغير الإسلاميين التزام غير قابل للبحث بهذا الصدد : هل تلتزم الدولة بالحياد ازاء العقائد ، ام انه يتعين عليها ان تلتزم بمهمة دينية – سياسية ؟ .

الاذعان

رغم التفاؤل الذي ساد اوساط المراقبين الغربيين فأن اداء اللبرالية كان فقيراً خلال الحوارات التي تخللت الربيع العربي . في ظل انعدام وجود توافق على تبني اللبرالية في المجتمعات العربية اصبحت الأيديولوجيا الاسلامية هي المفهوم المسيطر ، بل ان تياراتها نجحت في الانتخابات في كل من مصر وتونس { ملاحظة : القوة المنافسة الوحيدة كانت قوة الجيش بعد ان كانت تجربة الحكم الأوتوقراطي – العسكري التي سادت منذ عصر الانقلابات في الخمسينات قد جرّفت الساحة السياسية وقتلت اي فرص لحياة سياسية او مجتمع مدني ناضجين . بقي الاسلاميون في وضع يمكنهم من بناء تنظيمات محكمة وقد وفرت لهم السجون مناخاً مثالياً لتعزيز أيديولوجيتهم وتجنيد المزيد من الانصار } .

لقد كانت الحركات الاسلامية ، التي اعتبرت انه ينبغي للاسلام وشريعته ان يلعبا دوراً مركزياً في الحياة العامة ، بديلا عن اللبرالية . الحرية الحقيقية بالنسبة للاسلاميين هي حرية التدين بقدر مايشاء الانسان ، وفي مجتمعات محافظة فان هذا الفهم يأخذ مضموناً دينياً . لقد شرح احد قادة الاخوان السابقين ، وهو عبدالمنعم ابو الفتوح ، ذلك بقوله : ان الپرلمان لن يقر بأية حقوق للمثليين الجنسيين لان ذلك ياخذ اتجاهاً معاكساً للثقافة الاجتماعية السائدة ، واذا ما اراد أعضاء في الپرلمان فعل ذلك فانهم سيخسرون مقاعدهم في الانتخابات التالية . قد يكون النائب شيوعياً او اشتراكياً او اي شيء لكن هنالك احترام قائم للشريعة { ملاحظة : لذلك تتخذ تيارات الاسلام السياسي الرئيسية منذ نهاية الحرب الباردة موقفاً إيجابياً من قضية الديمقراطية وحتى من قضية اتجاهات الپرلمانات التي ترى انها لاتستطيع تجاوز توجهات الرأي العام الذي يميل الى المحافظة المشوبة بالدِّين حتى في اكثر المجتمعات تعلماً وانفتاحاً في عموم العالم الاسلامي } .

ان الخطوط العامة لمضمون حياة المجتمع الاسلامي المتصور هي على قدر من الغموض وتتجاوز في نزعتها المحافظة اكثر التوجهات محافظةً . ان التفاصيل صعبة التصور دائماً : لقد ظهرالقانون الاسلامي في القرن السابع ولم يكن مصمماً ليناسب الدولة القومية الحديثة او النظام الدولي الحديث . ان الاسلام في شكله الأصلي يفترض ان ولاء الانسان ينبغي ان يكون تجاه مجموعة المؤمنين اكثر مما هو تجاه الشعب ( او الأمة بمعناها الاثنوقومي ) .

من الواضح ان قضية الوصول الى السلطة ، قبل الربيع العربي ، كانت مسألة بعيدة عن تصورات الإسلاميين ولذلك فقد كان النظر في القضايا الاكثر صعوبة كقضية الهوية الوطنية امراً مؤجلاً ، مع جملة الامور التي تتعلق بالمضمون التفصيلي الفعلي لما يمكن ان يكون عليه المجتمع الاسلامي في عالم يختلف جوهرياً عن العالم الذي ظهر أثناءه . لقد كانت كوادر الاخوان المسلمين غنية بالأطباء والمهندسين والمدرسين وليس بالمفكرين او المنظّرين ، ولم يخوضوا في هذه التفاصيل ، وقد يعود ذلك الى عدم إلمامهم بشكل كاف بأحكام الفقه . لقد ساد في أوساطهم افتراض مفاده ان معظم الناخبين هم من ذوي التوجهات غير اللبرالية ولذلك فان الحكومة التي ستنتجها الانتخابات هي حكومة تعكس عدم لبرالية الناخبين ، وعلى هذا الاساس فلم تكن هنالك حاجة انية لإعداد ستراتيجيات بعيدة المدى طالما ان النتائج المرجوة مضمونة .

لم يكتب لنجاحات الإسلاميين ان تدوم طويلاً . في معظم بلدان الربيع العربي فان ماتحقق من مكاسب ديمقراطية قد تم عكسها ، وفي مصر تم استئصالها . لقد تم تاجيل اي حوار حول القضايا الاساسية ، واصبح موضوع تطبيق الشريعة ومداه قضية خارج الصدد في الظروف التي استجدت في عالم مابعد الربيع العربي ؛ لكن الأسئلة الدائمة حول علاقة الدولة بالشريعة الاسلامية ستظل موضع اهتمام لدى الرأي العام في خاتمة المطاف ؛ ولكن في سياق النضال ضد الشمولية والاضطهاد السياسي تصبح قضية البقاء هي الاولوية ويستمر الانصراف عن اعداد برامج تفصيلية تتعامل مع التحديات القديمة ذاتها .

الكنيسة والدولة

ان المناقشات حول الأيديولوجيا والهوية ظهرت بشكل مبكّر في سياق التحول الديمقراطي ، وكذلك حصل خلال الربيع العربي . غير ان هذه المناقشات كانت تتم في اجواء مصطنعة . ان التفكير في مرحلة مابعد – اللبرالية او مرحلة ضد – اللبرالية جارٍ ، ولكن إيصال هذه المناقشات الى الجمهور الواسع يتطلب قدراً من حرية التعبير والبحث وهي غير متوفرة في معظم أنحاء الشرق الاوسط . ولذلك فقد تغير اتجاه النقاشات حول بدائل اللبرالية مجدداً من الشرق الى الغرب . ان انتخاب الرئيس ترامپ ، وهو اول رئيس امريكي ديمقراطي غير لبرالي { ملاحظة : الديمقراطية ليست لبرالية بالضرورة وهنالك ديمقراطيات غير لبرالية مثل موجة الديمقراطيات الشعبوية او تلك الديمقراطية التي تطبق في مجتمعات غير لبرالية اجتماعياً حيث يتم اختيار الحكومات بواسطة صناديق الاقتراع لكنها تواجه مشكلات في قضايا الحريات الفردية وقضايا المرأة } . كما ان صعود اليمين الشعبوي في أنحاء اوروپا قد أنتج موجة من مفكري مابعد – اللبرالية الذين يشكلون تحدياً فكرياً للمثقفين اللبراليين التقليديين الذين سيطرت افكارهم على مدى عقود في الغرب .

في عام ١٩٨١ أعلن الفيلسوف الإسكتلندي أليسدير ماكنتاير في كتابه ” مابعد الفضيلة ” عن نفسه كأشد مناهضي قيم التنوير اللبرالية . لقد ذكر ان المجتمعات الغربية قد تخلت عن اي ادعاء بتوافق اخلاقي ( قيمي ) حقيقي في تصوراتها اللبرالية التي تقوم على فكرة اننا نولد من دون ماض بل بالحاضر فقط ، والمستقبل بطبيعة الحال . لقد اعلنت هذه المجتمعات ، وفقاً له ، روح التمرد على الرغبة بالإصلاح السياسي ، لكنه شجب آية محاولة لفرض اخلاقيات موحدة من خلال الترهيب ، ووصف ذلك بانه اسلوب يائس . هذه المناقشات ذات أهمية بالغة خاصة وانها لم تعد نادرة كما كانت في البدء ، بل اصبحت تمثل اليوم التيار الفكري السائد . عندما نقرا اليوم حوارات مابعد – اللبرالية سنلمس صدى لافكار ماكنتاير في كل مكان تقريباً : ان اللبرالية التي اخذت في الماضي صيغة تقاليد سياسية راسخة تحولت بمرور الوقت الى مشروع ايديولوجي يتسم بالقليل من التسامح تجاه التحديات الجدية . لقد تم تكريس الرذيلة على انها فضيلة واصبح الدين غريباً اما الحقيقة فانها نسبية وسادت روح الفردانية مثل الوباء .

ان الإسلاميين ، الذين يَرَوْن في نهاية اللبرالية الغربية ، التي امنت الزخم الذي سمح لهم بالعمل العلني ، نذيراً بمؤامرة . لكنهم في واقع الحال لايمتلكون استيعاباً كافياً للمزاج الغربي الجديد { ملاحظة : يريد الكاتب ان يقول ان الإسلاميين يَرَوْن في نهاية عصر الاندفاع اللبرالي وصعود الحركات الشعبوية اليمينية في الغرب نوعاً من شكل جديد من التامر ضد العالم الاسلامي بعد ان استنفذت الأساليب القديمة التي تزامنت مع العصر اللبرالي ؛ ينبغي ادراك ان الشعبوية ونذر التحول عن اللبرالية هي ثمار تطور اجتماعي – سياسي يحصل في المجتمعات الغربية بعد ان استنفذت احزاب الوسط وسائلها واصبحت سياساتها اللبرالية لاتنتج سوى الأزمات} . كما ان هنالك نوعاً من التزامن بين اتجاهات تسير في خطوط متوازية في الاوساط الاسلامية . خلافاً لنظرائهم في كل ليبيا وسوريا واليمن ، الذين استنفذت الحروب الأهلية قواهم ، فان الاخوان المسلمين في مصر قد تميزوا بإجراء حوارات داخلية هي الاكثر أهمية من حيث النتائج التي تترتب عنها مقارنة بأية حركة إسلامية اخرى . لكن الحركة تواجه انقسامات داخلية غير مسبوقة بحيث ان اثنين من أعضاء الحركة هما عمر دراج وعمار فايد اعترفا بها في مساهمتهما في كتاب قمت بتحريره مع زميل اخر تحت عنوان ” اعادة تقييم الاسلام السياسي ” ، وفي كانون الثاني ٢٠١٦ قاد الشيخ يوسف القرضاوي المثير للجدل الدعوة الى مبادرة للتحكيم لتقريب وجهات النظر بين الجناحين الرئيسيين { ملاحظة : هنالك الان انشقاق واضح بين جناح الشباب المتنورين من أمثال عمر دراج الذين يَرَوْن ضرورة اعادة النظر في أسس الفكر السياسي الاسلامي بما يتناسب مع متطلبات الحداثة وبين الجناح القديم الذي يمثله مكتب الإرشاد القديم . اما بخصوص الكتاب الذي يشير اليه المؤلف فسوف أقوم بتقديمه في حلقة منفصلة لاهميته كونه اصداراً جديداً ( ٢٠١٧ ) يتناول الموقف الراهن لمغاهيم الاسلام السياسي ، كما ان مؤلفيه يمثلون طيفاً واسعاً من منتسبي حركات الاسلام السياسي اضافة الى باحثين غربيين من المتخصصين بالموضوع ) .

تبدو الانقسامات داخل حركة الاخوان المسلمين ذات طابع يتصل بقضايا تنظيمية وتكتيكية في ظاهرها ، لكنها تخفي في العمق انقساماً ايديولوجياً تتمحور حول ماذا يعني ان تكون الحركة الدينية حزباً سياسياً . ان الحركات الأيديولوجية والاحزاب تتوجه أساساً نحو اهداف متباينة : التعليم الديني والخدمات الاجتماعية والتطهرية Purity هي برنامج عمل الحركات ، فيما تسعى الاحزاب الى الفوز في الانتخابات { ملاحظة : تستدعي عملية المشاركة في الانتخابات التنازل عن بعض المبدئيات او المساومة عليها او عقد تحالفات لاتنسجم مع المنطلقات الفكرية الاساسية } . يوجد بين اوساط التيار ذو التوجه الاصلاحي مجموعة من الاخوان المسلمين الشباب والمتعاطفين معهم الذين يكرهون الدولة ويرغبون في اضعافها ( او تطهيرها ) . بالنسبة لهم ان وجود الدولة الوطنية الحديثة ، والتوجه طويل الامد الذي تبناه الاسلاميون للاستحواذ عليها من خلال الانتخابات ، قد افسد الأسس الدينية للحركات الاسلامية . يريد هؤلاء ان يتركوا لحالهم من اجل اعادة بناء الحركة من القاعدة { ملاحظة : هذا التيار يريد للحركة ان تترك العمل السياسي وان تركز على عملية اعادة بناء المجتمع بدءاً بالفرد ثم الاسرة ثم المحيط القريب ، وهكذا تدريجياً حتى يتحول المجتمع برمته الى مجتمع ملتزم وعندها تأتي قضية الدولة .. هكذا كان برنامج عمل الحركة في بواكير تأسيسها وهكذا كانت تدور أفكار البنّا حول كيفية اعادة الخلافة } .

لايبدو ان هؤلاء الاخوان من حيل الشباب قد فاتهم الاطلاع على أفكار الكاتب الامريكي المسيحي الأرثوذوكسي رود دريهر الذي بشر بفكرة مجتمعات ” مابعد اللبرالية المتجانسة ” ؛ يعتبر دريهر انه لا الانتخابات السياسية ولا الدولة سوف تسمح للمسيحيين بالعيش وفق منظوماتهم الاخلاقية . لقد لخص احد الاخوان الفكرة بشكل اخر وفق مبدأ ” مجتمع قوي ، دولة ضعيفة ” ، ” لاتستطيع استخدام الدولة من اجل تطبيق رؤياك ، خاصة اذا تباينت هذه الرؤيا مع تلك التي تحملها الغالبية ” { ملاحظة : المجتمعات المتجانسة Intentional Cmmunities هي نوع من المجتمعات التي يتم إنشاؤها وفق رؤيا وقيم متجانسة وهي تتباين من مجتمعات ذات رؤى علمانية دنيوية خالصة الى اخرى ذات توجهات دينية او روحية متماثلة ، وهي ظاهرة تحصل كثيراً في الغرب والولايات المتحدة بشكل خاص حيث تختار مجموعة من الناس ذوي التوجهات العقائدية المتماثلة الى تأسيس مدن خاصة او بلدات او تجمعات سكانية شبه مغلقة تدار الامور المشتركة فيها وفق رؤاهم العقائدية ويتم قبول أعضائها الجدد وفق معايير محددة ومن خلال الأعضاء القدامى } .

ان المثير للسخرية هو ان المجتمعات المتجانسة ، والليبرالية منها بشكل خاص ، لم تحقق النجاح الا في اطار مجتمعات لبرالية . في غياب مجتمع لبرالي فأن الطريق الاكثر إيحاءاً بالامل لاعادة صياغة المجتمع وفق أنماط مغايرة هو الدولة شبه الفاشلة حيث تفتقر حكومتها السيطرة على اجزاء واسعة من إقليمها . لذا فمن غير المدهش ان نرى لبنان ، الذي يوصف بانه اكثر الدول الناجحة فشلاً في العالم ، يقدم نموذجه المنحرف للمجتمع المتجانس حيث يمحض الناس ولائهم للطائفة وليس للشعب وتتعايش الجماعات الطائفية في سلام بارد . يقوم التصور الاسلامي للدولة في شكله الأصلي كما قدمه النبي محمد في مرحلة مابعد دولة المدينة المنورة كان في واقع الحال نوعاً من المجتمع المتجانس وهو يتكون من أناس متجانسي الفهم وهو يقدم النموذج الأصلي لامتزاج الدين بالدولة .

ان جميع هذه النماذج ، العصري والقديم منها ، تتشارك في سمة أساسية واحدة : دولة ضعيفة غير مركزية لاتتمتع الا بسلطة محدودة ولاتمتلك غير اهتمام ضعيف في ادارةٍ حياة مواطنيها . وسواء في الغرب او العالم الاسلامي فانه يصعب العثور على دول كهذه . ان الدولة بمفهومها الحديث ذات سلطة واسعة وان محاولة تغيير ذلك يبدو امراً مخيفاً ، ولكن ذلك لن يمنع احد من المحاولة .

شارك
المقال السابقالدولة المدنية
المقال التالىجِسْرُ الشَّوْقْ
فائز ناجي عبدالرحمن السعدون من مواليد بغداد / الأعظمية ١٩٤٦.. درس العلوم السياسية في جامعة بغداد وتخرج فيها عام ١٩٦٧.. انخرط للعمل في السلك الدبلوماسي العراقي منذ منتصف السبعينات وعمل في البعثات الدبلوماسية العراقية في جنيف والاكوادور وجمهورية مالي وطهران وبوخارست ... تخصص في الشؤون الإيرانية منذ عا....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد