الدولة المدنية

 

البعض يرى أن الديمقراطية المصحوبة بالنظام الرأسمالي يمثلان نهاية التاريخ تلك الرؤية الشمولية التي نادى بها فوكوياما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1989 ودافع عنها وهي لا تختلف عن نبوءة هتلر الذي دافع عن الرايخ الثالث الذي سيعيش ألف عام، أو نبوءة الأيديولوجيات الماركسية وولاية الفقيه وأيديولوجيات تيارات الإسلام السياسي جميعها لا تختلف عن قراءات وأيديولوجيات منها انهيار الغرب لآرثر شبنجلر وهي لا تختلف عن نظريات أيديولوجية تيارات إسلامية متشددة بحتمية انهيار أمريكا والغرب بسبب انحرافه عن منهج الله.

تراجع فوكوياما عن نظريته الحتمية نهاية التاريخ وكتب كتابا آخر نهاية نهاية التاريخ، يعود الآن لساحة الشرق الأوسط ويتأمل أسباب انهياره وتأخره عن العالم المتقدم ووجد أن التشدد الذي يسميه بالأصولية قد انطلق من إيران بعد الثورة الخمينية عام 1979، لكنه لم يتطرق فكوياما إلى أزمة الإخوان في مصر زمن جمال عبد الناصر التي لها تداعيات على أمن المنطقة العربية وخصوصا على أمن مصر قبل الثورة الخمينية بأكثر من عقدين.

استضافتهم السعودية أملا في تفكيك التشدد الذي تعاني منه خوصا وأن الفكر افخواني أكثر انفتاحا من الفكر السلفي، لكن البعض منهم تحالف مع قادة بعض السلفية الذين انبهروا بالفكر الإخواني خصوصا الحركي، وكان لهم تأثير فكري موجه على المجتمع والتعليم في ظل غياب مؤسسات ومدارس فكرية قادرة على مواجهة هذا الفكر الذي يحمل بصمات التشدد، في ظل غياب رؤية سياسية أيضا وتوجس ديني أيضا بسبب أن المجتمع السعودي مجتمع محافظ كل من يعارض هذا الفكر الدخيل أو المتشدد يتهم باتهامات أنه ليبرالي أو نحو ذلك ،ورفض الفكر المتشدد التفكير خارج الرأي الأوحد الذي تم تسويقه للمجتمع المغلف بستار الدين.

ساهمت في إخفاق مشروعات إصلاح التعليم، وتمت مواجهة وزير التعليم السابق الرشيد الذي أراد إصلاح التعليم واتهم باتهمامات متعددة والتشكيك في نواياه ولم يتمكن التعليم في السعودية من مواكبة التطورات التي حدثت في الفكر السياسي والتنموي والإداري محليا وعالميا انعكس ذلك على نوعية مخرجات التعليم التي غير قادرة على خدمة متطلبات التنمية والاعتماد على اليد العاملة الوافدة، ساهمت في رفع نسب البطالة التي بسببها خرجت الثورات العربية لكن في السعودية استطاعت الدولة شراء السلم الاجتماعي لكنه ليس حلا مستداما، خصوصا وأن مشروع الدولة السعودية منذ تأسيسها قائم على الاهتمام بالمواطنين والمصالح الاقتصادية والتنمية وليس نشر الأيديولوجيات ،وأي إصلاح ليس تنازلا عن الثوابت وعن الهوية بل رفض لأي أيديولوجية تعيق أي إصلاح يتماشى مع التغيرات المستمرة.

سماها ولي العهد السعودي بمثلث الشر أي الثورة الخمينية التي يتولى حراستها الحرس الثوري الإيراني الذي انشأ مليشيات في الدول العربية في لبنان في فترة مبكرة جدا وفشل في إنشاء مليشيات في دول الخليج لكنه نجح في تأسيس مليشيات أنصار الله في اليمن ومليشيات شيعية كثيرة في العراق رغم أن كثير من الشيعة العراقيين يرفضون ولاية الفقيه، والتنظيم الحركي للإخوان المسلمين بجانب الجماعات الإرهابية القاعدة وداعش وهناك تناغم وثيق بين مثلث الشر يرعاه الحرس الثوري الإيراني تحت قيادة المرشد الأعلى الإيراني خامنئ الذي وصفه ولي العهد محمد بن سلمان بهتلر.

في حين أتى نظام الجمهورية الإسلامية في الضفة الشرقية في إيران نظام مفرغ من فلسفة وقيم مبادئ الجمهورية التي تعرف بأن القيادات لا يبنون قوتهم السياسية بعيدا عن إرادة السكان، لكنه نظام تحولت كل السلطة في يد المرشد على خامنئ والذي تحالف مع علي أكبر هاشمي رفسنجاني في خلع أبو الحسن بني صدر أول رئيس منتخب خارج طبقة رجال الدين من قبل مجلس الشورى في زمن الخميني عام 1981، ثم نسج علاقة وطيدة مع الحرس الثوري بعد تولية منصب المرشد عام 1989 مع إحكام سيطرته على الحوزة في قم.

تدفقت أموال الحكومة إلى الحرس الثوري وبذلك تشكلت نخبة عسكرية جديدة تدين بالولاء المباشر للمرشد، حتى ظهرت معالم إمبراطورية الحرس الثوري من خلال ترسيخ حلفاء خامنئ مواقعهم داخل النظام.

في ظرف أقل من خمس سنوات تم نقل ثلثي الأصول الحكومية للحرس الثوري تضم أكثر من ثلاثة آلاف شركة كبرى قدرت قيمتها بأكثر من 70 مليار دولار، حيث تعد مؤسسة خاتم الأنبياء قطب المؤسسات الاقتصادية التابعة للحرس الثوري التي تأسست عام 1988 التي تسيطر حاليا على أكثر من 800 شركة فرعية تصل أصولها أكثر من 100 مليار دولار.

الشبكات الاقتصادية غير الرسمية التابعة للحرس الثوري تتمتع بامتيازات خاصة تبدأ من الإعفاءات الضريبية وهي محمية من المنافسة مع القطاع الخاص المترنح في إيران، فالنظام السياسي في إيران عبارة عن زواج سلطة المال بسلطتي السياسة ورجال الدين مع غطاء أيديولوجي مغرق في المذهبية والطائفية وهو ما نجح الحرس الثوري في تطبيق نفس النموذج في العراق لكن الفرق أن المرشد علي خامنئ يتحكم في السلطة والمال في آن واحد بينما في العراق هناك تعدد في السلطات من أجل أن تكون تبعيتها للمرشد الأعلى في إيران حتى يظل العراق تابعا لإيران.

وفي نفس الوقت لم يصل الإصلاحيون العرب إلى استيعاب التطور الديمقراطي ودور المجالس النيابية والاستشارية على المستوى العام في أي دولة عربية، وفي نفس الوقت أهملوا استيعاب آليات السلطة والحكم في الدين الإسلامي رغم أنه لا يرفض أي ممارسة أخرى تصب في صالح الشعوب ولا يمانع في إمكانية تطبيقها إذا كانت تتوافق مع خصائص وطبيعة تلك المجتمعات.

لم يتنبه الإصلاحيون إلى أن مجلس اللوردات في بريطانيا غير منتخب، وأعضاؤه في مقاعدهم مدى الحياة، بعضهم أتى بالتعيين بسبب خبرتهم الطويلة في مجالات تخصصهم، والمحاسبة تتم برلمانيا مثلما يتم محاسبة الوزراء المنتخبين من ممثلي الأمة.

اللوردات يسمى مجلس حكماء الأمة يمكن لو رجعنا لكتاب الله نجد أن الله سبحانه وتعالى يوجهنا لمثل هذا التقليد وهذه الممارسة ( وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو رده إلى الرسول وإلى أولى الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطنونه منهم ولولا فضل الله عليكم لأتبعتم الشيطان إلا قليلا )، بالطبع لم يقصد الله سبحانه وتعالى هنا هيئة كبار العلماء بل أهل العلم والخبرة من كافة العلوم والتخصصات، يؤكد ذلك قول الله سبحانه وتعالى ( فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ) أي رجال الدين ( فاسأل به خبيرا ) وهو كل خبير في تخصصه وهذه الآية تفسر قول الله سبحانه وتعالى لعلمه الذين يستنبطونه منهم.

أقصد أن الإصلاحيون لم يتمكنوا من فهم التطور الديمقراطي بأن اللامركزية هي الديمقراطية الشعبية، ولكن لماذا؟ لأن مجلسا غير منتخب أكثر وعيا بشؤون المواطن البسيط خصوصا ممن لم ينال حظه من التعليم أو التفكير وبشكل خاص ممن يعيش في الأرياف والقرى والأماكن النائية غير القادر على انتخاب من يمثله.

وقد تمتد مثلا في الدول التي لديها سياق تشددي متحفظ يمنع المرأة من الترشح والانتخاب فيتم تعيين تلك الفئة، كذلك أغلب الدول العربية وحتى الإسلامية شعوب تصوت لمن ينتمي لعشيرته أو قبيلته أو مذهبه أي أنه لم تصل شعوب تلك المنطقة إلى مرحلة من الاستقلالية في انتخاب الكفاءات التي تمثله.

لذلك تظهر هنا الحاجة للحكم المحلي والاهتمام بالشؤون الريفية والعشائرية والقبلية التي لم تعطيها الديمقراطية أهمية كاملة بل أهملتها بحسب دراسة تقرير قدم في بريطانيا بأن الوزارات المعنية ركزت على البيئة وتبني سياسات جماعات الخضر والمزارع وغيرها وأغفلت مواطني الريف خارج المدن الكبرى، وحاجاتهم الأساسية التي تتجاوز مجرد زراعة المحاصيل وتربية المواشي، فمجلس اللوردات غير المنتخب هو الذي اقترح نقل كل قسم شؤون الريف إلى وزارة الإسكان والمجتمعات المحلية والبلديات بحيث يأخذ مشكلات وحاجات سكان هذه المناطق بعين الاعتبار.

بل هناك في بريطانيا ممن ليس لهم عمق في فهم التطور الديمقراطي يطالبون بإلغاء مجلس اللوردات أو جعله كله بالانتخاب، كمجلس الشيوخ الأميركي، وأصبحت الديمقراطية في نظرهم مجرد انتخابات.

اللامركزية ليست مجرد المزيد من الديمقراطية في يد المواطن البسيط الذي لم يهتم يوما ما ماذا تعني له الديمقراطية ولا يهتم إلا بشؤونه البسيطة التي تؤمن له الحياة البسيطة، والديمقراطية تعني أنه أكثر قربا من صنع القرار الذي سيؤثر على حياته، لذلك مثل مجلس اللوردات هو الذي يقوم نيابة عنه بإيصال مشاكله لصانعي القرار.

ومن ينتقد النظم الفردية مثل قرار صدام حسين في حرب إيران واحتلال الكويت كذلك قرار بوش الإبن في احتلال أفغانستان والعراق، فالنسبة التي تشكل رأي الأفراد والنسبة التي تشكل رأي المؤسسات في الحكومات الديمقراطية في رسم السياسات وتنفيذها، إذا أخذنا في الاعتبارات الممنوحة للرئيس الأمريكي، فهو يستطيع تشكيل السياسات خصوصا الخارجية بمفرده أو بعدد محدود من طاقمه الذي يعينه نجد أن الأفراد مؤثرون إلى حد كبير في سير الأحداث قد تكون أكثر خطورة من ممارسات الأفراد في الحكومات غير الديمقراطية.

بل نجد أن ستيف بانون الذي يعتبر عراب ترمب في النصف الثاني من حملته الانتخابية حتى أنه كني بعقل ترمب، فعندما كتب الصحافي جوشوا غرين مقالا بعنوان صفقة مع الشيطان أكد ستيف بانون لمستشاري ترمب لأنه كان يصرح بعكس وجهة نظر مسشاريه فقال اتركوه على سجيته فهي التي تكسب الأصوات، وتلك السجية التي جعلت ترمب يتخلص حتى من ستيف بانون نفسه.

فهو رئيس استثنائي في سلسلة رؤساء الولايات المتحدة يعمل ما يعتقد دون الاستماع إلى رأي المؤسسة، حيث أنه يرى أن سياسة استرضاء إيران التي اتبعها ترمب فشلت وخسرت الولايات المتحدة فقط بسبب الضغط الدبلوماسي رضخت أوربا لرؤية ترمب وفشلت جولة وزير خارجية فرنسا إلى طهران، حتى أوربا اقتنعت أن إيران تريد أن تأكل الكعكة وتحتفظ بها بمفردها، ونجح ترمب في استراتيجيته بإتباع سياسة تعبئة السخط لدى شريحة واسعة من المواطنين الأمريكيين ضد سياسات أوباما، وربط سياسات أوباما بمنافسته هيلاري كلينتون، حتى أنها اعترفت أنها أخطأت في قراءة المزاج الأميركي.

لذلك ترى الصين بأن الديمقراطية الغربية تتقرح، وكيف نجح بوتين في استثمار الإفلاس الأخلاقي في الغرب، إذ يتم غسل أموال في أمريكا أكثر من 300 مليار دولار سنويا، ونحو 125 مليار دولار في بريطانيا وملحقاتها، ومعظم عمليات غسل الأموال تتم دون أن تكتشف والحصة الأجنبية الأكبر منها أموال روسية أو من روسيا، حيث تقدر ثروة بوتين الشخصية تراوح ما بين 50 مليار إلى 200 مليار دولار، وصافي ثروة أقرب الأصدقاء لبوتين سيرجي رولدوجين في حدود 130 مليار دولار بسبب أن الولايات المتحدة وبريطانيا تسمح بالملكية مجهولة المصدر.

هي السبب التي جعلت بريطانيا والولايات المتحدة وبقية الدول الأوربية القيام بعمليات الطرد التقليدية الانتقامية تعطي الوهم بوجود أزمة تناسب بوتين، وسبق أن قتل 14 روسيا في بريطانيا كانت مثيرة للشبهات خلال العقد المنصرم سجلت بعضها على أنها حادثة انتحار مثل المنفي بوريس بيريزوفسكي أحد الأغنياء في عام 2013 وكذلك حادثة المبلغ الكساندر بيريبيليتشني في عام 2012 والتي سجلت بأنها حادثة طبيعية، ومؤسس شبكة التلفزة آر تي أسمها السابق روسيا اليوم اختلف مع بوتين وعثر عليه مقتولا في فندق العاصمة في واشنطن عام 2015.

بوتين أصبح أكثر جرأة بسبب الخلل في الديمقراطية الغربية، ويعتقد أن بوتين أصبح أكثر جرأة خصوصا عندما تلاعب بالانتخابات الأمريكية عام 2016 التي كانت في جزء منها ردا انتقاميا على الكشف عن أوراق بنما الوهمية التي سربتها هلاري كلينتون عام 2015 التي كشفت عن شبكة من الشركات الوهمية والشركات التابعة هو وأصدقاؤه من ادخار تلك الأموال للمستقبل، يكشف الغرب عن صفقات نزعاته الاستبدادية، وجشع نظام فقد بوصلته الأخلاقية.

هناك محاولات بعد الاستقلال ببناء الدولة المدنية الحديثة كما في النموذج البورقيبي الذي كان معجبا ومنبهرا بنموذج أتاتورك والذي يرفضه الاسلاميون، لكن النموذج البورقيبي انتصر للآني السياسي، والانصياع الظرفي لموقف مقيد بملابسات محددة، وحينا آخر يستجيب لضغط الموقف السياسي، رغم أن النموذج البورقيبي اتصف بالنفعية والبراغماتية وبالأسلوب الانتقائي والواقعية، أي أنه لم يكن لدى النموذج البورقيبي أي نموذج دولة مدنية حديثة بسبب ظاهرة التناقض في الخطاب وجدلية التخفي التي تندرج كلها في إطار التكتيك السياسي وليس المشروع السياسي الذي يلبي متطلبات الدولة المدنية الحديثة التي تركز على التعليم وبناء العقل، وبناء المؤسسات، فالديمقراطية الانتخابية لم تحقق تغييرا أو تقدما في الدول العربية التي تتبعها كما في الصين غير الديمقراطية.

الصين تعتبر الاشتراكية الضامن الوحيد لازدهار البلاد التي تحتفل 2019 بالذكرى السبعين لتأسيس جمهورية الصين الشعبية، وشي يعزف على وتر القومية بعد انتخابه لولاية ثانية لمدة 5 سنوات قادمة بالإجماع من قبل مجلس نواب مجلس الشعب الصيني وفتح الباب أمام بقائه في السلطة مدى الحياة، خصوصا أن شي يعد أقوى زعيم منذ ربع قرن ويريد من توحيد الصين ووجه تحذيرا إلى تايوان التي انفصلت عام 1949 وأن الصين لن تفرط في شبر واحد من أرض الوطن العظيم.

النهضة العظيمة للأمة الصينية لا يمكن أن تتحقق إلا عبر التمسك بالاشتراكية ذات الخصائص الصينية والعمل على تطويرها، ولما لا يطور العرب والمسلمين نموذجهم والبحث عن نماذج أخرى وإدعاء أن الديمقراطية تركز على فصل الدين على السياسية من خلال إيمانها بالعلمانية، لكنهم لم يستوعبوا ثوابت هذا الدين العظيم الذي أعطى كل جانب أهميته دون الإخلال بالجوانب الأخرى، ولا يمكن الحكم على النموذج الإسلامي بتجربة فئات محددة من المسلمين، خصوصا وأن الدين الإسلامي آخر الأديان وترك لأتباعه إدارة شؤون حكمهم وفق ما يتسق مع مصالحهم لأن الإسلام فقط أكد على تطبيق العدل والإحسان والإنسانية والتعاون والمساواة بين الشعب الواحد جميع المكونات بصرف النظر عن أي انتماء وكل آلية تحقق تلك المبادئ يؤيدها ويدعو لها،

والرسول صلى الله عليه وسلم حينما سمى يثرب لم يسميها باسم ديني ولا قومي بل سماها بالمدينة.

كل تيارات الإسلام السياسي تشدقت بالديمقراطية الانتخابية، وتمكنت من الحكم بسبب رصيدها الشعبي التي وجدت دعما من جهات أجنبية، المليشيات والأحزاب الإسلامية في العراق من إيران، وجماعة الإخوان المسلمين في مصر وفي بقية الدول العربية وجدت دعما من تركيا ومن الدول الغربية بعدما روجت بأنها تمثل الإسلام الوسطي، وأنها البديل للجهاديين الذين يهددون الدول الغربية.

إنه السبيل الأمثل لمواجهة تيارات الإسلام السياسي الذي تمكن من الاستئثار بالسلطة ما بعد ثورات الربيع العربي، لكنه في مصر مني بأكبر هزيمة على يد قواعدها الشعبية فيما البعض يرى أنه مني بالهزيمة على يد الجيش باعتباره انقلاب على الشرعية حتى لا يفقد الإخوان المسلمين القاعدة الشعبية والدعم العالمي، وهو يعتقد أنه قادر على تنظيم صفوفه مرة أخرى خصوصا وأنه يجد الدعم من تركيا والتمويل من دولة قطر، وهو ما أحدث شرخا في العلاقات بين دول الخليج وقطر من جانب وبين الدول العربية وتركيا من جانب آخر.

لذلك فتطبيق الدولة المدنية مفتاحا لنسف مشروع تيارات الإسلام السياسي المدعومة من جهات إقليمية ودولية، وكلما قطعنا شوطا في درب الدولة المدنية ومؤسساتها عززنا مسار المواطنة والمقصود به المسار القائم على عدم التمييز بين الشعب على أساس العرق أو الدين أو الجنس حتى ولو كانت أحزاب تيارات الإسلام السياسي ولكنه ضمن مسار الدولة المدنية، أو غيرها مساهما فعالا في الدولة المدنية، سيضعف الأحزاب الإسلامية وسيضعف جاذبيتها التي بنت هويتها من خلالها هويتها السياسية، وستذوب مع الدولة المدنية ونسف مشروعها الذي ابتعد عن البعد الدعوي، حتى وإن ضحت بعضها حتى بالديني فقط من أجل البقاء سياسيا وإن كان يحسب لها أنها انخرطت وتراجعت عن ثوابت من منظور مرجعيتها اعتداء على الشريعة.

المقصود بالدولة المدنية سلطة القانون والدستور الذي يدافع عن الدولة وليس عن الديمقراطية الانتخابية الشكلية التي خلقت ديمقراطية المحاصصة التي لم تنعكس على الشعب والمواطن إلا دمارا نتيجة ما استأثرت به الأحزاب السياسية من موارد الدولة دون أي تنمية تعود على الوطن والشعب، مثال ذلك في العراق، والخوف أن تطبق في سوريا، فيما رفضت تونس الانسياق وراء الديمقراطية الانتخابية، واتجهت نحو الدولة المدنية وإن كان بعض المراقبين يعتقدون أنها دولة مدنية ناقصة.

مدنية الدولة يتحرك فيها الجميع، فيما مرجعية الإسلام السياسي مجرد ديكور سياسي ومضمون انتخابي فقط وأبعد ما يكون عن مشروع الدولة المدنية لأنه يتحرك في إطار مشروع ضيق وفق مقاربة الدين من وجهة نظره وهو أبعد عن أطر الدين الحنيف الذي يدعو إلى العدل والمساواة كما طبق الرسول مبادئ الدولة المدنية في المدينة المنورة وكل طائفة تطبق دينها لكن هناك اتفاق على المشتركات خصوصا الدفاع المشترك عن المدينة التي يسكن فيها الجميع.

فيما يتخذ أحزاب تيارات الإسلام السياسي الدين ديكورا يتشدق به كمطية فقط لينتزع منه الشرعية والمشروعية والمعصومية التي تمنع محاسبته، لكنها هيمنة مطلقة على الشعب، وهي مخالفة لأسس الدين السمح، التي لم تمنح أحدا مشروعية ولا معصومية ولا هيمنة لأحد على أحد، إذا كان الله سبحانه وتعالي قال لرسوله الكريم لست عليهم بمسيطر، ما عليك إلا البلاغ، ولم يتدخل الرسول صلى الله عليه وسلم في الشؤون الدنيوية لأصحابه، فكان يقول أنتم أعلم بأمور دنياكم، هذه علمانية الدين الإسلامي وليبراليته.

فمدنية الدولة تمثل حلا سياسيا لقطع دابر الأحزاب التي لبست ثوب الدين وهو يضع المجتمع في بيئة قيمية بعيدا عن هيمنة الأحزاب الإسلامية التي تتحكم بالمجتمع والدولة وكل من يعارضها تقضي عليه

لا تعليقات

اترك رد