مدخل لفهم العقود التجارية في سورية

 

للصياغة القانونية للعقود التجارية في الجمهورية العربية السورية مكانة خاصة في العمل في القطاع العام والخاص والمشترك ولها أهمية متزايدة يوما بعد يوم . والخبرات في الصياغة القانونية للعقود التجارية في الجمهورية العربية السورية تنتقل من جيل لأخر عبر خبرات متراكمة تعتمد على التجارب السابقة في حين أن الكثير من الدول والمنظمات والهيئات الدولية مالت نحو تقنين الأعمال التجارية والعقود وإجراءات التحكيم.
تنقسم العقود الإدارية إلى قسمين رئيسيين
النوع الأول:
عقود الشراء العام :
وهي تلك العقود التي يكون محلها الشراء العام ، أي إن محلها يكون تقديم أداءات معينة للإدارة مقابل ثمن محدد تدفعه هذه الأخيرة، وتسمى الإدارة ـ باعتبارها طرفاً في العقد ـ في هذه العملية مشترياً عاماً ، ومن أبرز هذه العقود عقود الأشغال والتوريدات والخدمات والدراسات.
النوع الثاني:
عقود تفويض مرفق عام:
ويكون محلها إسناد وتسيير مرفق عام، واستغلاله من جانب الإدارة (باعتبارها مفوضاً) إلى شخص آخر من أشخاص القانون الخاص أو العام (باعتباره مفوضاً إليه)، مقابل رسم يجبيه هذا الأخير من المنتفعين من خدمات المرفق محل التفويض، على نحو ما سيأتي تفصيله في موضعه، ومن أبرز هذه العقود عقود التزام المرفق العام وعقود امتياز المرفق العام، ومشاطرة الاستقلال… إلخ.
وهناك طائفة من العقود الأخرى التي جرى استخدامها وإبرامها في الدولة لا تنطوي تحت المسميات المذكورة أعلاه سنقوم بعض موجز لها.
عقود الشراء العام:
عقود الشراء العام هي تلك العقود التي تبرمها الإدارة مع الغير في سبيل تقديم خدمات أو مواد لسد حاجات المرفق العام، ومقابل ثمن محدد يدفع للمتعاقد. فقد تكون هذا الأداء إنشاء مشيدات عامة أو صيانتها أو إصلاحها ، فيكون العقد عندئذٍ عقد أشغال عامة، وقد تكون هذه الخدمات أو المواد ذاتها منقولاتٍ يقدمها المتعاقد للإدارة سداداً لحاجاتها المختلفة فيكون العقد عندئذٍ عقد توريد، وقد يكون العقد متعلقاً بأداء خدمة معينة للإدارة، فيكون العقد عندئذٍ عقد خدمات.

1ـ عقد الأشغال العامة:
عقد الأشغال العامة يبرم بين أحد أشخاص القانون العام من جهة وأحد أشخاص القانون الخاص أو أشخاص القانون العام من جهة أخرى في سبيل القيام ببناء أو ترميم أو صيانة عقارات لحساب هذا الشخص العام، بقصد تحقيق منفعة عامة لقاء مقابل متفق عليه، وفقاً للشروط الواردة في العقد.
وقد كان القيام بالأشغال العامة من المسائل التي بذلت الدولة جهوداً في سبيل إنجازها منذ زمنٍ بعيد، وازدادت أهمية الأشغال العامة مع تطور واتساع دور الدولة، في الوقت الحاضر، ولا سيما أنه ينظر إلى الأشغال العامة من الناحية الاقتصادية كوسيلة لإنعاش الاقتصاد القومي من حالة الركود وكعنصرٍ رئيسي للسياسة الاقتصادية للحكومة.
ومن خلال هذا التعريف يمكن القول إن هناك عناصر أساسية يرتكز عليها عقد الأشغال العامة، كما أن تحديد ماهية هذا الصنف من العقود الإدارية يتطلب تمييزه من بعض التصرفات القانونية الشبيهة أو الملحقة به.
أ ـ العناصر الأساسية التي يرتكز عليها عقد الأشغال العامة:
لكي يكون العقد عقد أشغال عامة يجب توافر العناصر التالية:
ـ يجب أن يكون موضوع العقد متعلقاً بعقار.
ـ يجب أن يتم العمل لحساب شخصٍ معنوي عام.
ـ يجب أن يكون الغرض من الأشغال موضوع العقد تحقيق نفع عام.
(1) ضرورة أن يتعلق موضوع العقد بعقار:
فكل عقد يكون موضوعه منقولات مملوكة للإدارة، ولو كانت تندرج ضمن نطاق أملاك الإدارة العامة، لا يمكن اعتباره من قبيل عقود الأشغال العامة، حتى لو اعتبر ذلك العقد إدارياً، ومهما كانت ضخامة المنقول، وعلى هذا الأساس فإن القضاء الإداري الفرنسي لم يعتبر العقود التي تتعلق بإعداد أو بناء أو ترميم سفينة أو حظيرة متحركة للطائرات من قبيل عقود الأشغال. ولأجل تقدير الطبيعة العقارية لمحل العقد. فإنه يتم اللجوء إلى قواعد القانون المدني
وقد اتبع مجلس الدولة الفرنسي منذ زمنٍ بعيد سياسة قائمة على التوسع في تفسير طبيعة الشيء محل العقد، فعدّ هذا المحل متعلقاً بعقار، مادام المكان ذا صلة بالأرض، وعلى العموم فإن مجلس الدولة الفرنسي ثابر على اجتهاده المتعلق بالتوسع في تفسير مشتملات المحل في نطاق عقود الأشغال العامة، إذ عدّ العقود المبرمة بين الإدارة والمهندسين لأجل القيام بأعمال الإشراف على تنفيذ الأشغال العامة من قبيل عقود الأشغال العامة.
ولا يعد العقد من قبيل عقود الأشغال العامة إذا انصبت الأعمال على عقارٍ بطبيعته فقط، بل توصل اجتهاد مجلس الدولة الفرنسي منذ زمنٍ طويل، إلى أن العقد يعد عقد أشغالٍ عامة، وإن انصبت الأعمال على عقاراتٍ بالتخصيص ، كإقامة خطوط تليفونية، ومد أسلاك تحت الماء.
ولا يشترط في الأشغال التي تنصب على العقار أن تكون أعمال تشييد، إنما يمكن أن تكون متعلقة بالترميم والصيانة أو أعمال متعلقة بالهدم أيضاً.
(2) يجب أن يتم العمل لحساب شخصٍ معنويٍّ عام:
وهذا الشرط يعني أن تكون أعمال الأشغال إنما تنفذ لمصلحة شخص معنوي عام مركزي أو لا مركزي، ومن ثم فإن الأشغال العامة يمكن أن تنفذ لمصلحة الدولة باعتبارها الشخص المعنوي العام المركزي الوحيد، أو لمصلحة الأشخاص العامة اللامركزية المحلية أو الإقليمية. كالمحافظات والمدن والبلدان والمؤسسات والشركات العامة والهيئات العامة.
وبناءً على ما تقدم ، فإن العقد المبرم بين أفراد لحسابهم لا يمكن أن يكون عقداً إدارياً حتى لو كان أحد المتعاقدين هيئة أو مؤسسة ذات نفع عام، كما هو الحال في مجال العقود المبرمة بين إحدى الجمعيات السكنية باعتبارها هيئات ذات نفع عام وأحد أشخاص القانون الخاص من جهة، وأحد المقاولين من جهةٍ أخرى لتنفيذ وحدات سكنية معينة.
ولكن إذا كانت هذه الأشغال منفذة لمصلحة شخص معنوي عام ينهض بنشاط اقتصادي أو تجاري أو خدمي ، فإنها تعد أشغالاً عامة ، على الرغم من أن هذه الأشخاص تخضع في علاقاتها القانونية إلى القانون الخاص من حيث الأصل، وكذلك الأشغال التي يقوم بتنفيذها الملتزم (الذي يقوم بتنفيذ عقد التزام مرافق عامة)، تعدّ أشغالاً عامة إذا انصبت على أملاك تملكها الإدارة مانحة الالتزام . مادامت هذه الأملاك بما فيها الأشغال المنجزة سوف تؤول إلى الإدارة بعد انتهاء مدة الالتزام.
(3) يجب أن يكون الغرض من الأشغال موضوع العقد تحقيق نفع عام:
وقد كان هذا العقد أكثر عناصر الأشغال العامة تطوراً في قضاء مجلس الدولة الفرنسي ، فقد ارتبطت فكرة الأشغال العامة في أول الأمر بفكرة الأملاك العامة فاقتصرت الأشغال العامة على الأشغال التي تتم على عقارات تدخل في نطاق الأملاك العامة، بحيث لو تمت الأشغال على عقار يدخل في نطاق الأملاك الخاصة للشخص المعنوي العام المتعاقد لما عدّ العقد إدارياً، ولكن القضاء الإداري الفرنسي سرعان ما فصل بين الفكرتين، وقد تجسد ذلك في حكم محكمة التنازع الفرنسية في قضية ، حين قررت هذه المحكمة أن أعمال الإصلاح التي أجريت على مبنى دار القضاء في إحدى المدن إنما تعتبر أشغالاً عامة بغض النظر عما إذا كانت دار القضاء تعدّ من قبيل الأملاك الخاصة أم العامة ، بل يكفي أن الأشغال قد نفذت في هذه الحالة في سبيل تحقيق المصلحة العامة.
ب ـ تمييز عقد الأشغال العامة من بعض العقود الإدارية القريبة منه:
قدْ يقترب عقد الأشغال العامة من بعض العقود الإدارية، والسبب في ذلك أن هذه العقود تتلاقى معه من حيث الموضوع، ولعلَّ أهم هذه العقود عقد تقديم المعونة وعقد التزام الأشغال العامة.
(1) عقد تقديم المعونة :
هو عقدٌ يلتزم شخصٌ من أشخاص القانون الخاص أو العام بموجبه بالمساهمة نقداً أو عيناً في نفقات مرفقٍ عام أو أشغالٍ عامة.
فقد يتقدم إلى الإدارة ويعرض المعونة فردٌ من الأفراد، كمالك يعرض المساهمة في إنشاء مرفقٍ يؤدي إلى أملاكه، أو شخص من أشخاص القانون العام، كمؤسسة عامة تعرض الاشتراك في نفقات إنشاء محطة للسكك الحديد، أو نفق لمرور السيارات، فإذا ما قبلت الإدارة العرض، انعقد بين الإدارة ومن يقدم المعونة عقدٌ إداري هو عقد تقديم المعونة.
ومن ثم فإن تقديم المعونة هو عقدٌ في جوهره ، وذلك على خلاف ما اتجه إليه جانبٌ من الفقه الفرنسي بالقول إن هذه العملية ليست إلا تعبيراً منفرداً عن الإرادة تنتج التزاماً في ذمة مقدم المعونة ، ومادام الأمر كذلك، فإن هذا النموذج من العقود الإدارية ذات الطابع الرضائي القائم على الإيجاب والقبول البسيطين ، إذ ثمة التزامٌ انفرادي من جانب الموجب ، يتبعه قرار الإدارة بقبول الإيجاب ، وهما اللذان يؤديان إلى ولادة العقد ونشوئه وتطوره وإبرامه .
وفي هذه الحالة، لا يشترط القبول الصريح من جانب الإدارة ، بل يكفي القبول الضمني ليتم العقد.
وقبول الإيجاب يجب أن يكون كلياً، ولا يمكن أن يحتوي على تعديلات على الإيجاب المقدم. وذلك لأن الالتزام الرئيسي المترتب على مثل هذه العقود إنما يتمثل في دفع مبلغ من المال من جانب الطرف الذي يقدم المعونة، وإن كل تعديل من جانب الإدارة على الإيجاب المقدم من شأنه أن يمس التوازن المالي للعقد كما ارتضاه المتعاقد، لذلك قرر مجلس الدولة الفرنسي منذ زمنٍ طويل عدم جواز المساس بالمعادلة المالية الأولية لعقد تقديم المعونة بأي شكلٍ من الأشكال.
وإذا لاقى الإيجاب بتقديم المعونة ( الخدمة) قبولاً من جانب الإدارة ، فلا يمكن للموجب بعدها أن يتحلل من التزامه. ولكن يمكن للموجب أن يسحب عرضه مادام هذا العرض لم يلق قبولاً بعد. ويمكن أن يكون سحب الإيجاب صريحاً أو ضمنياً، وذلك كأن يقوم الموجب ببيع الشيء محل المعونة قبل صدور القبول من الإدارة.
وفي الحقيقة إن هذه الطبيعة العقدية لتقديم المعونة هي التي تميز هذا التصرف من غيره من التصرفات القانونية وعلى رأسها نزع الملكية للمنفعة العامة التي تتم جبراً على إرادة المالك.
وإن عقد تقديم المعونة هو عقد إداري، لأنه يتعلق بأشغالٍ عامة وبمرفق عام، وهما المجالان اللذان يقعان بطبيعتهما ضمن نطاق القانون الإداري. أما إذا تعلق الأمر بتقديم منقول أو خدمة من جانب أحد الأشخاص للإدارة، فإنَّ العقد يعدّ في هذه الحالة عقد هبة، ويخضع للأوضاع الناظمة لهذا العقد الأخير.
والأصل في عقد تقديم المعونة، أن الإدارة لا تلتزم تجاه مقدم المعونة بشيء، لذلك فإن هذا العقد يصنف في عداد العقود الملزمة لجانب واحد، لذلك فإن الإدارة ليست ملتزمة بالقيام بالمشروع الذي قدم العرض من أجله حتى لو قبلت العرض صراحة، بل تملك العدول عنه، إذا رأت بعد قبولها لعرض المعونة أنه لا يتفق مع المصلحة العامة، من دون أن تثور مسؤوليتها التعاقدية في هذه الحالة، وغاية الأمر أن التعهد بتقديم المعونة يسقط لأنه بطبيعته معلقٌ على شرط هو القيام بالمشروع ، ولكن تجدر الإشارة إلى أنه إذا اشترط مقدم المعونة في عرضه اشتراطات ثانوية، وقامت الإدارة بتنفيذ المشروع ذاته، فإنها تلتزم بتنفيذ هذه الاشتراطات، فإن لم تنفذها كان ذلك خطأً تعاقدياً من جانبها.
ومن خلال بيان ماهية عقد تقديم المعونة، يمكن القول إنه متميزٌ من عقد الأشغال العامة من ناحية الجوهر القانوني سواء من حيث المحل أم من حيث كونه عقداً ملزماً لجانبٍ واحد، في حين أن عقد الأشغال ملزمٌ لجانبين، وكل ما في الأمر أن عقد تقديم المعونة يمثل تصرفاً قانونياً متلازماً في بعض الحالات مع تصرف قانوني آخر هو عقد الأشغال العامة، من حيث مساهمة المعونة التي هي محل العقد الأول في تمويل الأعمال التي تشكل محل العقد الثاني.
(2) عقد التزام الأشغال العامة:
هو عقدٌ تقوم الإدارة بموجبه بتكليف شخص عامٍ آخر، أو شخصٍ من أشخاص القانون الخاص بتنفيذ أشغالٍ عامة في مقابل استغلال هذه الأشغال لزمنٍ معين أو مدة محددة.
ومن الملاحظ أن نقطة الالتقاء بين عقد الأشغال العامة من جهة وعقد التزام الأشغال العامة من جهة أخرى إنما تتمثل في أن كليهما يتعلقان من حيث المحل بتنفيذ أشغالٍ عامة من قبل متعاقدٍ معين، ولكنَّ الفرق بينهما، أن المتعاقد في عقد الأشغال يحصل على مقابل مالي لما تم تنفيذه من أشغال من الإدارة مباشرة وهو ثمن Prix محدد مسبقاً ، وتعين شروط العقد طريقة دفعه ، أما المتعاقد في عقد التزام الأشغال العامة فيحصل على المقابل المالي لما تم تنفيذه من أشغال، من خلال استغلال هذه الأشغال ذاتها واستثمارها لمدة محددة من الزمن عن طريق جباية رسوم من المنتفعين بها، وسوف تُعالج هذه النقطة مرة أخرى عند الحديث عن عقود التفويض.
(3) عقد مشروع الأشغال العامة:
عقد مشروع الأشغال العامة هو عقدٌ يتعهد بمقتضاه أحد أشخاص القانون العام أو الخاص بتنفيذ أشغالٍ عامة، وإدارة المشروع الناجم عنها بعد إنجازها، واستثماره لمصلحة الإدارة، وذلك لقاء بدل ماليٍّ محدد مسبقاً في العقد على شكل ثمن تدفعه الإدارة، ومن ثم، فإن عقد الأشغال العامة وعقد مشروع الأشغال العامة يلتقيان في أن كلاً منهما يؤدي إلى تنفيذ أشغالٍ عامة من حيث المحل، وأن المقابل المالي المدفوع للمتعاقد في كلا العقدين يؤدى من قبل الإدارة على أنه ثمن، إلا أن الفرق بينهما يكمن في أن عقد الأشغال العامة لا يتضمن إدارة هذه الأشغال واستثمارها بعد إنجازها، إنما تسلم هذه الأشغال المنجزة إلى الإدارة لتقوم هي بنفسها بهذا العبء، أما في نطاق عقد مشروع الأشغال العامة، فإن الإدارة لا تقوم بإدارة الأشغال واستثمارها بنفسها، إنما توكل أمر هذا العبء للمتعاقد معها.
2ـ عقد التوريد:
عقد التوريد هو من عقود الإدارة الشائعة، ويمكن تعريفه بأنه اتفاقٌ بين شخص معنوي من أشخاص القانون العام وبين فرد أو شركة، يتعهد بمقتضاه الفرد أو الشركة بتوريد منقولات معينة لهذا الشخص المعنوي لازمة لمرفق عام معين، ومن ثم فإن شراء الإدارة للعقارات لا يعدّ من قبيل عقود التوريد، إذ تنتقل المنقولات المتفق على توريدها إلى ملكية الشخص العام بمجرد توريدها.
وبذلك فإن عقد التوريد يختلف عن الاستيلاء، لأن المورد في العقد الإداري يسلم المنقولات المتعاقد عليها برضائه من دون أن يكون مضطراً إلى ذلك ، في حين يتم الاستيلاء بمقتضى قرار إداري بأن يسلم المورد المنقولات المطلوبة بهذا القرار جبراً.
وقد اتجه مجلس الدولة الفرنسي قديماً إلى التفرقة بين عقود التوريد التي تبرمها الدولة وتلك التي تبرمها الأشخاص العامة اللامركزية المحلية، فعدّ الأولى من قبيل العقود الإدارية وتقع منازعاتها ضمن اختصاص القضاء الإداري، في حين عدّ الثانية من قبيل عقود القانون الخاص وتقع منازعاتها ضمن اختصاص القضاء العادي، إلا أن المجلس المذكور قد عدل عن هذا الاجتهاد وعدّ عقود التوريد، أياً كان الشخص المعنوي العام الذي قام بإبرامها، عقوداً إدارية، إذا توافرت المعايير اللازمة لذلك.
وقد نصت المادة (10) من قانون مجلس الدولة السوري على اختصاص مجلس الدولة بهيئة قضاء إداري في المنازعات الخاصة بعقود التوريد ، مما أعطى انطباعاً أن هذا العقد يكون إدارياً على الإطلاق. في حين أن عقد التوريد لا يكون إدارياً على إطلاقه بتخصيص القانون، وإنما يشترط لإسباغ هذه الصفة عليه أن يكون إدارياً بخصائصه الذاتية ، وفقاً للمعايير الواجب توافرها في العقد الإداري ، وهذا هو الاتجاه الغالب لدى القضاء الإداري السوري . وثمة اتجاه قضائي في سورية يسير عكس هذا الاتجاه ، ويعدّ عقد التوريد من العقود الإدارية المسماة بنص القانون ، وتدخل المنازعات بشأنه في اختصاص مجلس الدولة بهيئة قضاء إداري ( قرار محكمة القضاء الإداري رقم 348 في القضية 115 لسنة 1974 المصدق بقرار المحكمة الإدارية العليا رقم 161 في الطعن 310 لسنة 1975).
وقد يختلط عقد التوريد بعقدٍ آخر، فيسري على كل من العقدين نظامه القانوني، ومن قبيل ذلك ما حكمت به المحكمة الإدارية العليا المصرية بشأن عقدٍ انصب على إصلاح دراجات بخارية عائدة للإدارة وعلى توريد وتركيب ما يلزم لها من قطع غيار جديدة وصاج وأخشاب… واستكمال الفوانيس والإشارات الحمراء، فتوصلت المحكمة إلى أن «العقد في هذه الحالة ينطوي على مزيج من مقاولة الأعمال والتوريد، فتقع المقاولة على أعمال الإصلاح، وتطبق أحكامه عليه، ويقع التوريد على المواد وتسري أحكامه فيما يتعلق بها…».
ولكن الحل الذي توصلت إليه المحكمة الإدارية العليا المصرية سالف الذكر لا يطبق إلا إذا كانت عناصر التوريد وغيرها من العناصر العقدية متساوية، أما إذا غلبت بعض العناصر على الأخرى، فيجب أن يأخذ العقد حكم العناصر الغالبة.
ويأخذ عقد التوريد في الواقع العملي صوراً متعددة، فقد يأخذ صورة سلع يومية جارية في حياة الإدارة تحتاج إليها هذه الأخيرة باستمرار، كالورق والقرطاسية والمحروقات، وقد يأخذ صورة التوريدات الكبرى التي تدخل في جوهر عمل المرفق العام الذي تنهض به الإدارة المتعاقدة كما في حالة توريد الأجهزة الطبية العملاقة في المشافي العامة أو المعدات والتجهيزات والصمامات والمضخات والأنابيب في عقود توريد مؤسسات وشركات وزارتي الري والنفط .
ويميز في فرنسا نوعان من التوريدات، فهناك من جهة التوريدات العادية ، وهي تلك التي توجد بشكلٍ مسبق على توريدها لدى المورد، ولم تصنع خصيصاً للإدارة المتعاقدة ، ومن جهة أخرى ، هناك التوريدات غير العادية ، وهي التي تطلب الإدارة من متعاقديها تصنيعها لأجلها وفقاً لمقاييس ومواصفات ومعايير موضوعة من جانبها أو وفقا للمعايير والمقاييس الدولية الخاصة ، ومن ثم تسليمها لها.
فإذا كانت التوريدات غير عادية فإن عقود التوريد يطلق عليها عندئذٍ عقود التوريد الصناعية ، وهي عقود ذات طبيعة مركبة وذات خصائص تصنيعية عالية عادة، ويظهر فيها عنصر التصنيع غالباً على عنصري التسليم والتملك اللذين تقتصر عليهما عقود التوريد العادية.
وفي النتيجة ، فإن ظهور عقود التوريد الصناعية قد أدى إلى اتساع سلطة الإدارة في التدخل والرقابة عند تنفيذ هذه العقود.
وكذلك، فقد أسفر التطور التقني الحديث عن ظهور طائفة من عقود التوريد التي تحتل مكانة عليا لاتصالها بالأمن وسلامة الدولة وهي عقود التوريد العسكرية ، تلك العقود التي تتطلب إشرافا دائماً من جانب الإدارة على المتعاقد معها ، لكي تتأكد الإدارة من المصادر التي يحصل منها المورد على مواده الخام، كما أنها تمارس رقابة متينة عليه خلال مراحل التصنيع المختلفة ، بهدف التأكد من سلامة وأمن المواد والمهمات محل عقد التوريد.
كما ظهرت أنماطٌ أخرى لعقود التوريد الصناعية، ومن هذا القبيل عقود التحويل والإعادة. إذ تقوم الإدارة في هذه الحالة بتسليم مواد إلى المتعاقد معها في سبيل تحويلها إلى توريدات أخرى من نمط مختلف ، ثم إعادتها إلى الإدارة المتعاقدة ذاتها كأن تقدم الإدارة للمتعهد صفائح معدنية مصنوعة بطريقة خاصة لتحويلها إلى خزان نفطي أو خزان للمياه .
الجدير ذكره أن عقد التوريد لا يقتصر على التزام المتعاقد بما ورد فيه ، ولكنه يتناول أيضا ما هو من مستلزماته وفقاً للقانون والعرف والعدالة وبحسب طبيعة الالتزام ، فإذا كان مثلاً محل الالتزام هو توريد زجاج ، فإنه ينبغي أن يكون هذا الزجاج مثلاً ، معبأ على نحو يضمن سلامته، لأنه من المواد القابلة للكسر أو توريد ورق مع مواد سائلة أو مذيبات ومحسنات نفطية حساسة أو توريد مواد قابلة للتلف هشة البنية .العرف والمنطق يحتم توضيب هذه المواد بطريقة تؤمن وصولها إلى الإدارة سليمة خالية من أي عيب أو عطل أو عطب .
3ـ عقد الخدمات:
عقد الخدمات هو ذلك العقد الذي يتعهد بموجبه المتعاقد مع الإدارة بأداء عمل حالاً أو مستقبلاً مقابل ثمنٍ منصوص عليه في العقد، وبذلك فإن الأعمال التي يمكن أن تؤدى من جانب المتعاقد مع الإدارة إنما تكون مختلفة ومتنوعة ، ولا تحصر ضمن نطاق محدد ، وثمة مثالان بارزان على عقود الخدمات . أولهما يتضمن أداء عمل في الحال وهو عقد النقل، وثانيهما يتضمن أداء خدمة في المستقبل وهو عقد الانتظام بالدراسة والتعهد بخدمة الدولة ، أو عقد الإيفاد ، وهناك طائفة من العقود الأخرى التي جرى إبرام العقود نذكر منها عقود الخدمة النفطية مع الشركات العاملة في سورية وعقود الصيانة والإصلاح .
أ ـ عقد النقل:
عقد النقل هو عقدٌ مبرمٌ بين الإدارة وأحد أشخاص القانون الخاص أو العام الأخرى ، مقتضاه التزام هذا الأخير بنقل الأشخاص أو الأشياء لمصلحة الإدارة ، مقابل ثمنٍ معين متفق عليه ، وهذا العقد قد يتجلى من خلال عملية نقل واحدةٍ أو من خلال سلسلة من العمليات المتتالية وقد كثرت هذه العقود مع الجهات العامة في سورية وخاصة في الشركات ذات الطبيعة الإنتاجية التي تقتضي ظروف عملها نقل العمال في مواعيد محددة لتأمين استمرار العمل من دون توقف كالشركات النفطية والصناعية .
ويتميز عقد النقل من عقد التزام مرفق النقل ، لأن هذا العقد الأخير لا يقدم فيه المتعاقد خدمة النقل لمصلحة الإدارة، إنما يقدم خدمات النقل لمصلحة العموم ، وذلك لأنه يقوم بتنفيذ مرفق النقل ذاته، والمقابل المالي الذي يحصل عليه المتعاقد في هذه الحالة هو الرسوم التي يدفعها المنتفعون من خدمات مرفق النقل التي يقدمها المتعاقد بتسييره، على عكس حالة عقد النقل ، إذ يحصل المتعاقد على المقابل المالي لقاء الخدمات التي يؤديها من الإدارة مباشرة.
ويذهب بعض الفقه إلى القول إن التفرقة بين عقد النقل وعقد التزام النقل تكون دقيقة في بعض الأحيان ، إذ تقوم الإدارة بالتعاقد مع الناقل وتعهد إليه بتنفيذ مرفق نقل معين ، من دون أن يقدم المتعاقد خدماته إلى الجمهور مباشرةً ، كما هو الحال عندما تتعاقد الإدارة مع أحد الأشخاص لنقل البريد ، فقد كيَّف القضاء الإداري الفرنسي العقد في هذه الحالة بأنه عقد نقل ، لا عقد التزام مرفق نقل.
وقد يكون عقد النقل مدنياً أو إدارياً ، ولا يعدّ هذا العقد إدارياً إلا إذا توافرت فيه الشروط المميزة للعقود الإدارية ، فإذا قام الناقل بوضع سفينة تحت تصرف الإدارة بالشروط المألوفة في العقود التجارية ، ومن دون أن يتضمن عقد النقل شروطاً استثنائية من القانون الخاص ، أو من دون أن يسهم الناقل مباشرة في نشاط المرفق العام، كان العقد مدنياً .
ب ـ عقد الانتظام بالدراسة والتعهد بخدمة الدولة (عقد الإيفاد):
جرت الجهات الإدارية المختلفة على إبرام عقود مع مبعوثين إلى الخارج للدراسة والحصول على الدرجات العلمية المختلفة، ومقتضى هذه العقود أن يلتزم المبعوثون بموجبها بالانتظام في الدراسة ثم العودة إلى خدمة هذه الجهة الموفِدة فترة زمنية محددة في القانون وذلك عقب الحصول على المؤهل العلمي المطلوب، كما جرت هذه الجهات ذاتها على الحصول على تعهدات من الدارسين في معاهدها أو بعض المعاهد المتخصصة التابعة لوزارات الدولة بالانتظام في الدراسة وخدمة تلك الجهات فترة زمنية محددة، عقب انتهاء الدراسة، ورتبت تلك التصرفات القانونية على مختلف أنواعها أنواعاً مختلفة من الحقوق والالتزامات المتبادلة ولعلَّ أهمها على الإطلاق التزام الموفد برد جميع النفقات المصروفة عليه من قبل الجهة الإدارية في أثناء الدراسة في حالة الإخلال بموجبات رابطة الإيفاد.
وقد استقر الاجتهاد القضائي الإداري في كل من مصر وسورية على أن التعهد الذي يكتبه الموفدون  في بعثة حكومية بالعمل في الحكومة عقب عودتهم لمدة معينة أو برد ما أنفقته الحكومة عليهم إذا امتنعوا عن الخدمة في الحكومة أو استقالوا أو فصلوا لأسباب تأديبية إنما هو من قبيل العقود الإدارية.
وعلى ذلك سار القضاء الإداري في سورية، إذ قررت المحكمة الإدارية العليا أن عقد الإيفاد يعتبر من العقود الإدارية التي يختص مجلس الدولة بهيئة قضاء إداري بالنظر في المنازعات المتعلقة بها (حكمها رقم 122 في الطعن 191 لسنة 1972، المجموعة، ص. 295، وكذلك قررت المحكمة نفسها، أن اجتهاد المحكمة الإدارية مستقر على أن جميع المنازعات المتعلقة بالإيفاد عموماً تعتبر من المنازعات المتعلقة بعقد إداري، وتدخل في ولاية القضاء الكامل ، حكمها رقم 189، الطعن 746/1998).
وقد علل الاجتهاد مسلكه في تكييف الإيفاد على أنه من قبيل العقود الإدارية بوجود رابطة بين «عقد الإيفاد» والمرفق العام ، وأن الالتزامات والحقوق المتبادلة بين الطرفين تعدّ شروطاً غير مألوفة، وذلك إضافة إلى أن العقد قد أبرم من جانب أحد أشخاص القانون العام (حكم محكمة القضاء الإداري المصرية في الدعوى رقم 1472 ـ 10 12/5/1957، مذكور عند ياسين عكاشة، موسوعة العقود الإدارية والدولية، منشأة المعارف، الاسكندرية ، 1998،ص. 596،وحكم المحكمة الإدارية العليا المصرية في الطعن رقم 672 السنة 24 جلسة 19/12/1981، مذكور عند ياسين عكاشة ، المرجع السابق، ص.599، وحكمها في الطعن رقم 1195 لسنة 28 ق. جلسة 9/4/1985.)
كما بين الاجتهاد أن علاقة الموفد بالإدارة الموفدة ليست علاقة عقدٍ إداري فحسب ، بل هي علاقة عقد خدمات ، إذ قررت محكمة القضاء الإداري المصرية: «هذا العقد (أي عقد الإيفاد) إنما هو عقد تقديم خدمات لمرفق من المرافق العامة وهو مرفق التعليم» (حكم محكمة القضاء الإداري المصرية في الدعوى رقم 1472 ـ 10 12/5/1957 السالف ذكره).
وفي الحقيقة ، إن هذا الموقف المستقر في اجتهاد مجلس الدولة في مصر وسورية هو موقف منتقدٌ ومحل نظر، لأن الاجتهاد الإداري في كلا البلدين الشقيقين لم يبين السبب القانوني لتكييف علاقة الشخص الذي يتعهد للجهة الموفدة بخدمتها بعد إيفاده، على أنها من قبيل العقود ، إذ قبل أن تثبت الصفة المدنية أو الإدارية لعقد من العقود ، لا بد من التحقق من أن التصرف المطروح يحقق الماهية العقدية ، فاجتهاد مجلس الدولة في مصر وسورية ركز على العناصر التي يمكن أن تبين طبيعة العقد ، من دون أن يثبت وجود العقد في معرض تكييف هذه العلاقة القانونية ، سوى ما ذكرته المحكمة الإدارية العليا في عدد قليل من اجتهاداتها من أن الحقوق والالتزامات الناشئة بين المتعهد بالخدمة من جهة والإدارة من جهة أخرى، إنما تجد مصدرها في إرادتهما المشتركة (مثلاً حكمها في الطعن رقم 819 ـ 32 جلسة 2/4/1992 مذكور عند المستشار حمدي عكاشة، ص 603).
في حين أنه من المعلوم جيداً أن مثل هذه الحقوق والالتزامات الناشئة من العلاقة بين المتعهد بالخدمة (الموفد) من جهة ، والإدارة الموفدة من جهة أخرى ، إنما تجد مصدرها دوماً في القوانين واللوائح ، ولا تسهم إرادة الشخص المتعهد بالخدمة في إنشائها ، وكذلك لا تقوم إرادة الإدارة بهذا الدور غالباً مما يعني أن مثل هذه المراكز القانونية الناجمة عن علاقة الإيفاد هي مراكز عامة تنظمها وتنشئها القوانين واللوائح، وليست مراكز فردية ناجمة عن عقد، ومما يعزز من هذه النظرة أن القضاء الإداري عندما يتناول الحقوق والالتزامات التي تحكم علاقة الموفد بالإدارة يحيل دوماً إلى القوانين واللوائح التي أنشأت هذه الحقوق والالتزامات وعلى رأسها في الجمهورية العربية السورية قانون البعثات العلمية (على سبيل المثال لا الحصر راجع: حكم المحكمة الإدارية العليا المصرية في الطعن رقم 35 لسنة.34 ق، جلسة 27/12/1992، مذكور عند المستشار عكاشة، ص605، إذ أحالت المحكمة في سبيل تحديد حقوق والتزامات المتعهد بالخدمة إلى المادة (22) من قرار وزير الحربية، رقم 15 لسنة 1976، وكذلك راجع حكم المحكمة الإدارية العليا السورية رقم 134/10 في الطعن رقم 1082 لسنة 1997، مجموعة المبادئ القانونية التي قررتها المحكمة الإدارية العليا لعام 1997، ص133، إذ أحالت المحكمة في حكمها المذكور إلى المادة (40) من قانون البعثات العلمية التي توجب على الجهة التي أوفد الموفد لمصلحتها أن تعينه في الوظيفة الملائمة لشهادته فور وضعه نفسه تحت تصرفها).
أما في فرنسا فإن الموقف مستقرٌ قضاءً وفقهاً، على عدم تصنيف رابطة الإيفاد في عداد العقود الإدارية، إنما تصنيفها في عداد القرارات الإدارية بالمعنى الدقيق للكلمة، لكنها موقوفٌة على رضا المخاطب بها.
ج ـ عقود الاستشارات الهندسية:
وقد شاعت هذه العقود مؤخراً في الجمهورية العربية السورية ، وهي تتمثل في عقد الدراسة، وفي عقد تدقيق الدراسة، وعقد الإشراف الهندسي، ويقصد بعقد الدراسة هو العقد الذي تبرمه الإدارة في سبيل إعداد الدراسة الهندسية لمشروع يراد تنفيذه، فيقوم المتعاقد بوضع الدراسة الفنية، مع المخططات، وجدول الكميات والأسعار، ويتم دفع المقابل العقدي عادة في مثل هذا النوع من العقود على أساس نسبة مئوية من الكشف التقديري المقدم مع الدراسة، أما عقد التدقيق فيقصد به ذلك العقد الذي يبرم مع جهة هندسية لتقوم بأعمال تدقيق الدراسة بعد إعدادها من قبل الجهة الدارسة، وذلك في سبيل تصحيح الأخطاء الهندسية إن وجدت في الدراسة، تمهيداً للتعاقد مع مقاول في سبيل تنفيذ المشروع محل الدراسة، إذ تتحول في هذه الحالة الدراسة المدققة إلى دفتر شروط فنية خاصة يبرم العقد مع المقاول على أساسها، ويتم دفع قيمة عقد التدقيق عادة في الجمهورية العربية السورية على أساس نسبي، وعلى أساس أن يدفع للجهة المدققة ثلث ما تتقاضاه الجهة الدارسة، أما عقد الإشراف الهندسي، فيتم إبرامه مع جهة هندسية متخصصة لتقوم بأعمال الرقابة والإشراف على المتعاقد عند تنفيذه للأشغال التي كانت محلاً للدراسة المدققة ويتقاضى المشرف عادة مقابلاً مالياً يشكل نسبة من الكشوف المصروفة للمقاول لا تقل عن ثلاثة ونصف بالمئة من الكشوف المصروفة للمتعاقد الذي يقوم بتنفيذ الأشغال.
ثالثاًـ عقود تفويض المرفق العام:
إن عقود تفويض المرفق العام هي من عائلة العقود الإدارية التي تسند إلى أحد أشخاص القانون الخاص أو العام عبء الاضطلاع بإدارة مرفق عام ، وذلك لقاء تحصيل رسوم من المنتفعين من المرفق محل العقد بما يغطي تكلفة إدارة المرفق ويحقق هامشاً من الربح يتقاضاه المتعاقد. ومن ثم فإن هذا المصطلح يضم كلَّ أساليب إدارة المرافق العامة على أساسٍ تعاقدي، مثل عقد الالتزام والامتياز ومشاطرة الاستغلال والتزام الأشغال العامة.
ويبدو أن حداثة هذا المفهوم قد جعلته مشوباً بالغموض ، فليس له تعريفٌ واضح لا من جانب المشرع ولا من جانب القضاء والفقه ، حتى إن بعض الفقه قد عبر عن موقفه الرافض لهذا المصطلح صراحةً ، ومن هؤلاء الأستاذ دلڤولڤي ، وذلك لأن مفهوم التفويض كان مقترناً دائماً بنظرية الاختصاص في القانون الإداري ، وكذلك فإن نظرية المرفق العام درست دوماً على نحو مستقل عن مفهوم التفويض.
مع أن ذلك لم يمنع الفقه الفرنسي المعاصر من استشفاف الأركان التي يقوم عليها عقد تفويض المرفق العام ، كنوع مستقل من أنواع العقود الإدارية ، تنضوي تحت لوائه أجناسٌ شتى من هذه العقود:
1ـ فيجب أن يكون محل التفويض مرفقاً عاماً قابلاً للتفويض: فلا يجوز تفويض المرافق التي ترتبط بوظائف الدولة الجوهرية، وهي التي يطلق عليها المرافق السيادية كما هو الحال في مرفق الشرطة، ومرفق الدفاع.
2ـ يجب أن يكون محل التفويض استغلال المرفق وإدارته لا نقل ملكيته: وبهذا المعنى فإن عملية التفويض لا تقود إلى خصخصة المرفق بل إن الإدارة تحتفظ دائماً بسيادتها عليه، وكل ما في الأمر أن المتعاقد يدير هذا المرفق ويستغله فترة زمنية محدودة بدلاً من الإدارة العامة، وبناءً عليه، فإن المفوض يجب أن يستخدم العاملين الضروريين لتسيير المرفق العام، وهذا لا يمنع من أن يوضع الموظفون العاملون في سلك الإدارة المفوضة تحت تصرف المفوض إليه.
3ـ الأسلوب الخاص الذي يحصل عليه المفوَّض: إذ يلعب عقد المقابل الذي يحصل عليه المفوض دوراً حاسماً في تحديد ماهية عقد التفويض، وتمييزه من أنواع العقود الإدارية الأخرى، فلا يمكن الحديث عن وجود عقد تفويض في دنيا الوجود القانوني إلا إذا كان المقابل الذي يحصل عليه المتعاقد مع الإدارة يتكون من حصيلة استغلال المرفق.
وسوف ندرس بالتفصيل عقد التزام المرافق العامة باعتباره أهم عقود التفويض على الإطلاق ، والذي تفرعت من فكرته ونطاقه القانوني عقود التفويض الأخرى، ثم ندرس تمييز عقد الالتزام عن باقي عقود التفويض.
1ـ التزام المرفق العام:
أ ـ تعريفه: التزام مرفق عام هو تصرفٌ قانوني تعهد بموجبه الإدارة اتفاقاً تنفيذ مرفقٍ عام إلى شخصٍ آخر عام أو خاص تنتقيه من حيث المبدأ بملء حريتها، وتسمى الإدارة في هذه الحالة بالسلطة المانحة أما المتعاقد معها فيطلق عليه تسمية الملتزم. وتتمثل الالتزامات الأساسية المترتبة على عقد الالتزام في أن يؤمن الملتزم على نفقته ومسؤوليته سير المرفق طبقاً لدفاتر الشروط، وأن يقوم بإعداد الإنشاءات الأولية للمرفق، في مقابل أن تمكنه الإدارة من جباية رسوم من المنتفعين بالمرفق محل الالتزام لمدة محدودة هي مدة العقد ذاته، والتي بعد انقضائها يلتزم المتعهد بنقل المرفق مع إنشاءاته إلى حوزة الإدارة بحالة جيدة.
وقد اختلف القضاء والفقه في التكييف القانوني للالتزام، فذهب بعض الفقه الألماني القديم إلى القول إن الالتزام ما هو إلا قرار إداري موقوف على رضا المخاطب به، وقال بعض الفقه الفرنسي القديم إن الالتزام عملية تعاقدية بحتة تستوجب إنابة من السلطة العامة تبرز آثارها في إطار تمكين الملتزم من وضع يده على المال العام، وجباية رسوم من المنتفعين من خدمات المرفق، وقد أخذ مجلس الدولة الفرنسي بهذا الاتجاه حتى بداية القرن العشرين، وبعد إخفاق هذه النظرية اتجه الفقه والقضاء الفرنسيان إلى القول إن للالتزام مظهرين، مظهر تنظيمي وآخر تعاقدي، ويتجلى المظهر التنظيمي في العلاقة بين المرفق والمنتفعين بخدماته ، أما المظهر التعاقدي فيبدو من خلال العلاقة بين الملتزم والإدارة، وفي النتيجة فإن الشروط التي يحتويها الالتزام تكون كلها تعاقدية في مواجهة المنتفعين ، إلا أن هذه النظرية وإن راجت قليلاً، فقد تعرضت للنقد الشديد، إذ رأى جانب من الفقه أن قيام العلاقة بين الإدارة المانحة والملتزم على أساس تعاقدي بحت، من شأنه أن يؤدي في النتيجة إلى عدم إمكانية تعديل القواعد المتعلقة بتنظيم المرفق إلا باتفاق الطرفين، وهو ما يؤدي من حيث النتيجة إلى تجميد حسن سير المرافق الممنوحة. واستقر القضاء والفقه أخيراً على حسبان الالتزام عملاً مختلطاً ، إذ يعد الالتزام كتصرف قانوني قائماً على أساس مركب من عناصر تعاقدية وأخرى تنظيمية، بمعنى أن هذا التصرف في جزء منه تعاقدي، وفي جزئه الآخر تنظيمي، ولكن، على عكس نظرية الطبيعة المزدوجة، فإن هذه الطبيعة المركبة تبرز وفقاً لأنواع الشروط التي يمكن تمييزها في محتوى التصرف، فالشروط التي تتعلق بتنظيم وتسيير المرفق تتمتع بالطبيعة التنظيمية في مواجهة الملتزم والمنتفعين على حد سواء، أما الشروط الأخرى، التي تتعلق بالأفضليات والميزات التي تعطيها الإدارة للملتزم مقابل إدارته للمرفق، والتي دفعت ذلك الملتزم إلى النهوض بعبئه، فإنها تتمتع بالطبيعة التعاقدية.
ب ـ الأحكام القانونية لعقد الالتزام:
وتشمل هذه الأحكام منح الالتزام وإبرامه والحقوق والالتزامات المتبادلة بين الملتزم والإدارة، ونهاية عقد الالتزام، ومزايا الالتزام وسلبياته، وذلك كما يلي:
(1) منح الالتزام:
يقصد بمنح الالتزام الترخيص بإبرامه ، وبناءً عليه فإن عقد الالتزام لا يبرم إلا إذا تدخلت سلطة يحددها القانون لترخص بإبرامه، وقد تكون هذه السلطة هي السلطة التشريعية، أو السلطة التنفيذية العليا ، كرئيس الجمهورية أو رئيس الوزراء ، وذلك حسب النظام القانوني السائد، ففي جمهورية مصر العربية يكون منح الالتزام بقرار من رئيس الجمهورية بعد موافقة مجلس الشعب وذلك كأصلٍ عام. وإن صدرت بعض القوانين مؤخراً التي أعطت مجلس الوزراء هذه السلطة بناءً على اقتراح الوزير المختص.
أما في الجمهورية العربية السورية، فيستفاد من نص المادة (71) من الدستور ضرورة موافقة مجلس الشعب على عقود الالتزام التي تبرمها الدولة مع الشركات أو المؤسسات الأجنبية، وهذا يعني ـ بمفهوم المخالفة ـ أنه إذا أبرم عقد الالتزام مع شركات أو مؤسسات غير أجنبية فإن موافقة المجلس لا تكون واجبة.
(2) إبرام عقد الالتزام:
إن الأهمية الخاصة لعقد الالتزام، قد فرضت على الإدارة دائماً أن تنتقي شخصاً قادراً على الاضطلاع بعبء هذه الإدارة، مما يقتضي مراعاة مبدأ الاعتبار الشخصي عندما تقدم على إبرام عقد التزام، ومقتضى مبدأ الاعتبار الشخصي في حالة إبرام عقد الالتزام أن تختار الإدارة المتعاقد الأفضل فنياً ومالياً لإدارة المرفق محل الالتزام، وذلك بملء حريتها، من دون أن تكون مقيدة بأطرٍ إجرائية محددة مسبقاً، كتلك المحددة لإبرام عقود الشراء العام (الأشغال والتوريد والخدمات).
ويبدو أن قضاء مجلس الدولة الفرنسي قد استقر على هذا المبدأ منذ زمنٍ طويل، إذ أكد دوماً عدم التزام الإدارة بالخضوع لإجراءات الإبرام التي نص عليها القانون في عقود الشراء العام، عندما تبرم عقود التزام مرفقٍ عام، نظراً لضرورة الاعتبار الشخصي في انتقاء المتعاقد من جهة ولعدم وجود أي نصٍّ قانوني أو تنظيمي يجبر الإدارة على إتباع إجراء محدد في معرض إبرامها لهذا النمط من العقود من جهة أخرى.
ولكن إطلاق السلطة التقديرية للإدارة في انتقاء المتعاقد معها قد أدى إلى انتشار الفساد، لذلك فإن التشريعات المعاصرة، تقضي بأن تبرم عقود الالتزام في جميع الحالات بناء على حالة من الشفافية الإدارية، تتجلى في الإعلان المسبق، والمنافسة الحرة، كما هو الوضع السائد في فرنسا حالياً ومنذ سنة 1993.
(3)ـ الحقوق والالتزامات المتبادلة بين الملتزم والإدارة:
ـ حقوق الإدارة في مواجهة الملتزم: تتمتع الإدارة بجملة من الحقوق هي:
1- حق الرقابة على إنشاء وإدارة المرفق العام موضوع الالتزام: وهذا الحق مستمد من طبيعة المرفق العام محل الالتزام، ولا يمكن للإدارة أن تتنازل عنه كله أو بعضه، إذ يكون للسلطة الإدارية أن تشرف على الملتزم أثناء إدارته للمرفق، وأن تجبره على تنفيذ جميع الشروط الواردة في وثيقة الالتزام إذا أخل بها، تحت طائلة إيقاع الجزاءات في مواجهته سواء من تلقاء نفسها بما لها من صفة التنفيذ المباشر، أو باستصدار حكم من القضاء، كما أن لها أن تراقب الإدارة المالية للمرفق مع كل ما يستتبعه ذلك، وتمارس الإدارة المانحة هذا الحق بنفسها أو عن طريق أجهزة الدولة الإدارية والمالية والفنية المختصة.
2- حق تعديل النصوص اللائحية بالإرادة المنفردة لمانح الالتزام: وذلك تطبيقاً لنظرية التعديل الانفرادي للعقد بوجه عام، وتجاوباً مع الطبيعة الخاصة التي تحملها عقود التفويض على وجه الخصوص ومنها عقد الالتزام، فإن عقد الالتزام يكون محله إدارة مرفق عام، أي إن الإدارة تنقل بموجب هذا العقد إلى متعاقديها إدارة المرفق من دون تنظيمه الذي يبقى من حقوقها الأصيلة غير القابلة للتنازل بالطريق العقدي، فما دام المرفق العام خاضعاً لقاعدة التغير وفقاً للظروف المختلفة، وللإدارة الحق في إعادة تنظيم أوضاع المرفق كحق أصيل لها، فلها الحق أن تتدخل وتعدل بإرادتها المنفردة عقد الالتزام، في سبيل إعادة تنظيم أوضاع المرفق محل العقد، ومثال ذلك أن تطلب الجهة مانحة الالتزام من صاحب التزام نقل داخلي أن يمد مزيداً من الخطوط لمناطق جديدة، أو يزيد عدد الحافلات المستعملة، أو يعدل أوقات تسييرها، غير أنه إذا ألحقت هذه التعديلات غبناً بالملتزم، بأن أخلت بالتوازن المالي لعقد الالتزام، فللملتزم أن يطالب بالتعويض أو بفسخ العقد.
3- استرداد المرفق قبل نهاية المدة: للسلطة الإدارية المانحة: إذا ما تبين لها لسبب أو لآخر، أن طريقة الالتزام لم تعد تتفق مع المصلحة العامة التي أنشئ لأجلها المرفق، أن تسترد المرفق من الملتزم مع تعويض ما يصيبه لقاء ذلك من أضرار.
ـ حقوق الملتزم في مواجهة الإدارة:
1- حق الملتزم في تقاضي المقابل المالي من المنتفعين من خدمات المرفق العام محل الالتزام: إذ يكون للملتزم حق اقتضاء مقابل من المنتفعين بخدمات المرفق، وهذا الحق هو الذي يعول عليه الملتزم في تعويض النفقات التي صرفها لإنشاء المرفق والاضطلاع بعبء إدارته وفي تحقيق هامش الربح المحدد له، فإن لمثل هذا الحق أهمية خاصة، لأن المتعاقد ما كان سيقدم على التعاقد لولا وجوده، كما تنبع أهميته من كونه متعلقاً بالغير من المنتفعين بالخدمات التي يقدمها المرفق محل الالتزام، فالمبالغة في الرسم الذي من المفترض أن يتقاضاه الملتزم من قبل المنتفعين قد تؤدي إلى المساس بمبدأ مساواة المنتفعين أمام المرافق العامة الذي يعتبر أحد الأسس الكبرى التي تحكم سير المرافق العامة، لذلك فقد حدث خلافٌ قضائي وفقهي حول تكييف شرط المقابل المالي في عقد الالتزام، وما إذا كان يعد من قبيل الشروط التعاقدية ويوضع باتفاق الأطراف، أم هو من قبيل الشروط اللائحية ويوضع بالإرادة المنفردة للإدارة.
غير أن مجلس الدولة الفرنسي قد استقر على أن تعريفة الرسم الذي يجب تقاضيه من المنتفعين من خدمات المرفق إنما تعد عنصراً من عناصر تنظيم المرفق العام محل الالتزام، وأن الإدارة مانحة الالتزام تحتفظ بالسيادة عليه، وهو لا يكون محلاً لإطار عقدي ما بين الإدارة المانحة والملتزم، لذلك يجب أن يحدد بالطريق الانفرادي المتجسد بالقرارات الإدارية.
ونتيجة لموقف مجلس الدولة هذا، فإن الفقه الفرنسي قد توصل إلى قواعد ضابطة لمقدار تعريفة الرسم المنصوص عليه في عقد الالتزام، وأهم هذه القواعد أن تراعي الإدارة في تحديدها مسألة التوازن بين قيمتها والتكلفة الحقيقية للخدمة المقدمة عن طريق المرفق محل الالتزام ، كما يجب مراعاة مبدأ مساواة المنتفعين أمام المرفق العام المفوض عند تطبيق التعريفة فيما بينهم في معرض علاقتهم بالمرفق العام محل الالتزام، وهذا يعني من حيث المبدأ أنه يجب تطبيق تعريفة الرسم ذاتها على المنتفعين من خدمات المرفق العام محل الالتزام، ووفقاً لشروط متساوية، مع ملاحظة أن مبدأ المساواة في المعاملة المالية يمكن مخالفته إذا نص القانون على ذلك، أو إذا كان ذلك في مصلحة المرفق.
ونظراً لما قد يحققه الملتزم من أرباح طائلة، بحسبان أنه غالباً ما يحتكر الخدمات التي يقدمها المرفق محل الالتزام، فإن بعض التشريعات المقارنة تنصّ على حد أعلى لأرباح الملتزم لا يجوز تعديه، ومن قبيل ذلك ما نصت عليه المادة الثالثة من القانون رقم 129 لسنة 1947 في مصر.
2- حق الحصول على المزايا التي يقررها مانح الالتزام: قد تلتزم الجهة الإدارية مانحة الالتزام بتقديم بعض المزايا للملتزم حتى يتمكن من القيام بمهمته، وتتضمن وثيقة الالتزام هذه الالتزامات التي تقع على عاتق الإدارة المانحة في هذا المجال، ومثال ذلك أن تقدم الإدارة المانحة للملتزم مبلغاً من المال في صورة قرض، أو أن تضمن له أرباح القروض التي يقترضها، أو لا تسمح لجهة أخرى بأن تزاول النشاط الذي يزاوله… الخ، ومن المسلّم به أن جميع الشروط التي هي من هذا القبيل إنما تعد شروطاً تعاقدية لا تملك الإدارة المساس بها بإرادتها المنفردة.
3- التوازن المالي للمشروع: إذا ترتب على تدخل الإدارة مانحة الالتزام في تعديل تنظيم المرفق محل الالتزام على النحو المذكور سابقاً ضرر مالي على الملتزم، فإنه يجب على مانح الالتزام أن يعوض عن الأضرار التي حاقت به بما يعيد التوازن المالي للعقد إلى سيرته الأولى، لأن التسليم بحق الإدارة دائماً في التدخل لتحقيق المصلحة العامة من وراء التعديل في أوضاع تنظيم المرفق محل الالتزام، يجب ألا يؤدي إلى إهدار مصالح الملتزم المالية.
ج ـ انتهاء عقد الالتزام:
ينتهي عقد الالتزام إما بصورة طبيعية بسبب انتهاء مدته أو بصورة مبتسرة لأسبابٍ مختلفة:
(1) النهاية الطبيعية لعقد الالتزام:
من الملاحظ أن عقد الالتزام ينتمي إلى طائفة العقود الزمنية التي يمثل الزمن فيها عنصراً جوهرياً، لذلك فإن النهاية الطبيعية لعقد الالتزام تحل بانقضاء الزمن المحدد لنفاذه، إذ إن التشريعات المقارنة تحرم تأبيد عقود الالتزام، ولكن إذا انقضت المدة المحددة للالتزام، فيمكن تجديدها مرة أخرى، وقد يحتوي عقد الالتزام أحياناً على شرط يطلق عليه شرط الأولوية عند التمديد، وهو يعني أنه إذا ما رأت الإدارة عند نهاية العقد الأصلي الاستمرار في إدارة المرفق موضوع التعاقد عن طريق الالتزام، فإن الملتزم القديم يفضل عند تساوي الشروط والظروف فيما بينه وبين المرشحين الجدد للتعاقد.

(2) النهاية غير الطبيعية لعقد الالتزام
قد ينتهي عقد الالتزام كما هو الحال في سائر العقود الإدارية نهاية مبتسرة قبل المدة المحددة لانقضائه ، وقد يكون سبب هذا الانتهاء إما استرداد المرفق محل الالتزام ، وإما إسقاط الالتزام، أو فسخ العقد لأسباب أخرى غير الاسترداد والإسقاط :
ـ استرداد الالتزام:
وهو إنهاء الإدارة لعقد الالتزام قبل حلول موعده من دون خطأ من جانب الملتزم مقابل تعويضه تعويضاً عادلاً، ومن ثم فإن الاسترداد يتم بقرار إداري حتى لو تضمن العقد نصاً على حق الإدارة في اللجوء إليه، فمثل هذا النص كاشف ومنظم لا مقرر لحق جديد.
والاسترداد إما أن يكون تعاقدياً، وهو الاسترداد الذي ينظمه العقد ويحدد شروطه، ولهذا تعد إجراءات تحقيق هذا الاسترداد من الشروط التعاقدية التي يتعين على الإدارة مراعاتها وعلى القضاء احترامها، وإما أن يكون هذا الاسترداد غير تعاقدي ويترتب عليه إنهاء عقد الالتزام من دون وجود نصٍّ في العقد أو في دفتر الشروط، ويعد هذا الحق من الحقوق المسلم بها للإدارة في نطاق عقد الالتزام استناداً إلى سلطتها التي لا يمكن التنازل عنها في تعديل أركان تنظيم المرفق العام، وقد يكون الاسترداد قانونياً إذ يتدخل المشرع عندئذٍ بإصدار قوانين خاصة ينظم بها استرداد بعض المرافق المهمة التي تدار عن طريق الالتزام، وخير مثال على الاسترداد التشريعي ما قام به المشرع المصري حين أقدم على إنهاء التزام شركة قناة السويس، وذلك بمقتضى القانون رقم 285 لسنة 1926.
ـ إسقاط الالتزام:
وهو فسخ العقد على حساب الملتزم نتيجة لخطئه الجسيم، ولكن إذا كانت جهة الإدارة المتعاقدة كأصل عام ـ وكما سيأتي تفصيله في الموضع المناسب ـ تملك أن توقع الجزاء على المتعاقد بنفسها من دون اللجوء إلى القضاء مقدماً، إلا أن القضاء الإداري الفرنسي قد استثنى عقوبة إسقاط الالتزام من هذه القاعدة العامة فجعل توقيعها من جانب القضاء.
ـ فسخ عقد الالتزام:
فإلى جانب إسقاط الالتزام أو استرداد المرفق العام محل عقد الالتزام، قد ينفسخ عقد الالتزام قبل مدته الطبيعية لأسباب أخرى مختلفة منها:
آ- الفسخ الاتفاقي
وهذا الذي يتم باتفاق بين الإدارة وبين الملتزم قبل نهاية مدة الالتزام، وقد يختلط بطريقة الاسترداد الاتفاقي التي سبق التطرق إليها، ولكن الأسلوبين مختلفان، وذلك لأن حق الإدارة في استرداد الالتزام هو حقٌ أصيل، سواء أنص عليه في العقد أم لم ينص عليه، أما الفسخ الاتفاقي، فهو يتم عند تراضٍ كامل بين الإدارة والملتزم، وبمقتضاه يتولى الطرفان تقدير التعويض الذي يمكن أن يستحق للملتزم، وكيفية دفعه، وتلجأ الإدارة عادة إلى هذه الطريقة، إذا قدرت صعوبة الالتجاء إلى طريقة الاسترداد.
ب- الفسخ بقوة القانون
ذلك كما هو الأمر في حالة القوة القاهرة، إذا أدت إلى تدمير المرفق الذي يدار عن طريق الالتزام، أو تضمن العقد نصاً بانقضاء الالتزام بوفاة الملتزم، وكما لو صدر قانون يتضمن فسخ عقود الالتزام الخاصة بمرفقٍ معين يدار بطريق الالتزام ، وعندئذٍ ينص هذا القانون على كيفية تعويض الملتزمين.
ج- الفسخ القضائي بناءً على طلب الملتزم
فقد يلجأ الملتزم إلى القضاء طالباً إنهاء عقده قبل الأوان لأسباب متعددة من أهمها تلك الحالة التي تخطيء فيها الإدارة خطأً جسيماً في تنفيذ التزاماتها، أو إذا عدّلت الإدارة في شروط عقد الالتزام بما يخل بتوازنه الاقتصادي إخلالاً جسيماً يفوق إمكانيات الملتزم الاقتصادية أو الفنية، أو يغير من جوهر العقد بما يجعله بمنزلة عقد جديد ما كان الملتزم ليقبله لو عرض عليه عند التعاقد أول مرة.
د ـ مزايا أسلوب الالتزام وعيوبه:
إن عقد الالتزام ما هو في حقيقته إلا طريقة من طرق إدارة المرافق العامة، فإن إدارة المرفق بهذا الأسلوب إنما تؤدي إلى تحرير الإدارة من قيود الإدارة المباشرة وتعقيدها، لأن الملتزم ـ وهو شخصٌ من أشخاص القانون الخاص ـ سيتبع طرق هذا القانون في الإدارة.
وإضافة إلى ذلك ، فإن هذه الطريقة تخفف عن عاتق الإدارة، إذ تعفيها من إدارة بعض المرافق، مما يؤدي إلى تفرغها للمرافق الأخرى، كما أنها ترفع عن كاهل الموازنة العامة النفقات اللازمة لإدارة المشروعات محل عقد الالتزام ، ومع ذلك، فإن هناك عيوباً تكتنف عقود الالتزام ، إذ من الملاحظ أن شركات الالتزام تكون قوية في رأسمالها وأرباحها ونفوذها ، وهي تؤثر في الإدارة ، لتخضع لمطالبها ورغباتها، إضافة إلى أن الملتزم قد يستخدم في إدارة المرفق رؤوس أموال أجنبية ، وقد يتواكب ذلك مع تدخل من الدول الأجنبية في شؤون الدولة مانحة الالتزام ، ويكفي في هذه الحالة الإشارة إلى شركات البترول الضخمة ، وإلى شركة قناة السويس قبل سنة 1956… فهذه الشركات في الحقيقة كانت بمنزلة دول داخل الدولة.

2ـ تمييز عقد الالتزام من عقود أخرى مشابهة:
هناك عدة عقود تنتمي إلى عائلة عقود تفويض المرفق العام، الجامع المشترك فيما بينها إنما يتمثل في كونها جميعاً ذات محل واحد، ألا وهو نقل إدارة مرفق عام معين واستغلاله إلى شخصٍ آخر عام أو خاص، ولكن هناك عدة فوارق فيما بينها تجعلها مختلفة وإن اتفقت من حيث الموضوع، فالأنواع المختلفة لعقود التفويض تختلف عن عقد الالتزام بما يلي:
أ ـ امتياز المرفق العام:
هو عقدٌ تكلف الإدارة بموجبه شخصاً آخر «عاماً أو خاصاً» باستغلال مرفقٍ يسلم إليه بإنشاءاته المعدة مسبقاً من جانب الإدارة، وذلك في مقابل مبلغ محدود من المال يدفعه للإدارة، فيكون المقابل الذي يحصل عليه هو الفرق بين ما يدفعه للإدارة وما يحصل عليه من استغلال المرفق عن طريق جباية رسوم من المنتفعين من خدمات هذا المرفق، ويلاحظ أن الفقه الفرنسي يفرق بين الالتزام والامتياز على أساس الإنشاءات الأولية للمرفق محل العقد، ففي عقود الالتزام تكون الإنشاءات الأولية على عاتق الملتزم، أما في عقود الامتياز، فإن صاحب الامتياز يتسلم المرفق لاستغلاله. وقد قامت الإدارة بإعداد إنشاءاته الأولية، ويعد الأستاذ فالين أول من استخدم معيار الإنشاءات الأولية للتفرقة بين الالتزام والامتياز.
وإضافة إلى ذلك، يلاحظ أن الملتزم يتقاضى المقابل مباشرة من المنتفعين من دون أن يدخل في علاقة مالية أولية مع الإدارة، في حين أن صاحب الامتياز يدخل في علاقة مالية أولية مع الإدارة، إذ يدفع لها مبلغاً متفقاً عليه لقاء استغلاله للمرفق، مقابل أن يستغل المرفق ويقوم بجباية رسوم من المنتفعين بخدماته، وفقاً لتعريفة محدودة مسبقاً.
ب ـ مشاطرة الاستغلال:
هو عقد تعهد بموجبه الإدارة لشخصٍ عام أو خاص إدارة وتسيير مرفق عام معين، مقابل مكافأة مالية، تحدد غالباً عن طريق النتائج المالية للاستغلال.
وبذلك تكون تلك الطريقة في مركز وسط بين الإدارة المباشرة للمرفق وإدارته عن طريق الالتزام، فهي تمتاز من الإدارة المباشرة بأن السلطة لا تتولى بنفسها وموظفيها إدارة المرفق العام، بل يقوم بذلك فردٌ أو شركة خاصة، ولكنها تقترب من طريقة الإدارة المباشرة، في أن السلطة العامة هي التي تتحمل مخاطر المشروع، فتقدم المال اللازم لإعداده ولإدارته كله أو بعضه، ولكن في مقابل ذلك تختلف عن الالتزام في أن الملتزم يقدم كما مر في موضعه، رأس المال اللازم لإعداد المشروع وإدارته، أما في حالة مشاطرة الاستغلال فالأصل أن المتعاقد لا يقدم رأس المال، وإذا شارك في ذلك فإنه يقدم جزءاً منه فقط، ومن ناحية أخرى، فإن المقابل الذي تتقاضاه الجهة المتعاقدة التي تتولى الإدارة لا تحصله لحسابها، ولكن لحساب الإدارة ، ويتمثل المقابل المالي الذي يحصل عليه المتعاقد في المكافأة التي تضعها الإدارة، وهذه المكافأة تتكون عادة من عنصرين: عنصرٌ ثابت مضمون، وهو نسبة معينة من رأس المال الذي قدمه المتعاقد إذا شارك في رأس المال ، وعنصرٌ متغير وهو مكافأة إضافية سنوية بنسبة النشاط الذي يبذله المتعاقد في الإدارة.
ويلاحظ أنه إذا كانت المكافأة التي ينالها المتعاقد مع الإدارة في هذا النوع من العقود تحدد جزافاً بمبلغ مقطوع، لا بنسبة مئوية من النتائج المالية لاستغلال المرفق، فإن تكييف العقد ينقلب ويتغير ويطلق عليه عندئذٍ تسمية وكالة مرفقٍ عام.
ج ـ عقد التزام الأشغال العامة:
إن التزام الأشغال العامة هو عقدٌ تقوم الإدارة بموجبه بتكليف شخص عام أو خاص آخر بتنفيذ أشغال عامة في مقابل استغلال هذه الأشغال لزمن معين أو مدةٍ محددة، وفي الحقيقة أن خصوصية التزام الأشغال العامة للمرفق العام إنما ترتبط بعدم وجود المرفق العام ووجود الأشغال العامة في العقد الأول، وعلى الرغم من ذلك فإن هذه الخصوصية يمكن أن تطرح بصور أكثر تنوعاً، وذلك على أساس اعتبار العلاقات التي يمكن أن توجد بين المرفق العام والأشغال العامة، فالأشغال العامة تنجز غالباً في سبيل تحقيق رسالة مرفقٍ عام، كما أن تنفيذ المرافق العامة يستوجب في كثير من الأحيان تنفيذ أشغالٍ عامة.
وأخيراً من الملاحظ، أنه ظهرت مصطلحات جديدة في المجال الحقوقي، وهذه المصطلحات ليست في جوهرها وحقيقتها إلا ترجمة للمفاهيم المتعلقة بعقد التزام المرفق العام، ومن أبرز هذه المصطلحات ما يتعلق بعقود الـ B.O.T التي هي عقود تبرم بين الإدارة، وجهة من جهات القطاع الخاص تسمى «راعي المشروع» يكون محلها النهوض بعبء إنشاء مشروع عام بتنفيذ الأشغال العامة اللازمة لذلك، مع إعطاء الحق لراعي المشروع بإدارة المشروع والحصول على عائداته طوال مدة العقد، وبما يمكنه من استعادة التكاليف التي أنفقها من ماله الخاص، وسداد القروض وتوزيع الأرباح على المساهمين على أن يقوم في نهاية فترة العقد بتسليم المشروع العام محل العقد بحالة جيدة وصالحة للمستفيد بلا مقابل.
ثالثاًـ العقود الإدارية خارج نطاق الشراء العام والتفويض:
إن العقود الإدارية التي تقع خارج إطار عقود الشراء العام وعقود التفويض تتزايد باستمرار، ولكن أهمها على الإطلاق عقد الصلح الإداري، وعقد تسليم المفتاح:
1ـ عقد تسليم على أساس المفتاح باليد :
يقوم مفهوم عقد تسليم المفتاح على أساس أن تقوم الإدارة بالتعاقد مع جهة واحدة لتتولى أعمال التصميم وأعمال الإشراف وأعمال التنفيذ في آن معا، إذ تتعاقد الإدارة في هذه الحالة مع المقاول الذي يقوم بالتعاقد مع جهة هندسية لتقوم بإعداد الدراسة الهندسية اللازمة للمشروع، والتعاقد مع جهة هندسية أخرى لتدقيق تلك الدراسة، وذلك كله تحت إشراف وتعليمات المقاول، وهو ما يحقق التوازن الفني للمشروع، وذلك نتيجة توحد مصدري الدراسة الهندسية وتدقيقها وتنفيذها على أرض الواقع، وهو ما يحقق أيضاً وفراً في تكلفة المشروع، إذ تدل دراسات الاقتصاد الهندسي أن تكلفة المشروع تكون أعلى إذا انفصلت أعمال الدراسة الهندسية وتدقيقها عن التنفيذ، فضلاً عما يؤدي إليه هذا الأسلوب التعاقدي من اختصار في الوقت الذي يمكن أن يستهلك في المرحلة التي تسبق إبرام العقد مع المقاول، في إبرام عقود الدراسة الهندسية والتدقيق.
ومن الملاحظ أن هناك مفهوماً أكثر تركيباً لعقد تسليم المفتاح، وهو الذي يتم التركيز فيه على المسائل المتعلقة بنقل التكنولوجيا، إذ تبرم عقود تسليم المفتاح لتفرض على الجهة المتعاقدة المنتجة للتكنولوجيا تسليم متلقيها (الذي يبدأ في عالم الصناعة من فراغ) مرفقاً أو مصنعاً جاهزاً للتشغيل نظير ثمن شامل أو جزافي، وبحيث تنتهي التزامات المتعاقد في هذه الحالة بإتمام إنشاء المصنع أو إقامة المشروع، أما تشغيل المصنع أو المرفق وتسويق منتجاته وخدماته، فتقع على عاتق متلقي التكنولوجيا يتولاها عن طريق الكوادر الإدارية والفنية الخاصة به.
أما إذا كان متلقي التكنولوجيا غير قادر على إدارة المرفق محل العقد، فيحق لمتلقي التكنولوجيا، أن يطلب من ناقل التكنولوجيا أن يتولى هو تشغيل المرفق، مع تدريب العاملين فيه حتى يكتمل استيعابهم للتكنولوجيا المنقولة بموجب العقد، ومن ثم يمكن للمرفق المنجز بمقتضى العقد أن ينتج السلع أو الخدمات المطلوبة، وعندئذ لا يكون العقد عقد تسليم مفتاح، إنما عقد تسليم منتج باليد.
وقد يترافق مع الاتفاق على التأسيس والتشغيل والتدريب قيام ناقل التكنولوجيا بتسويق منتجات المرفق المشيد كلياً أو جزئياً، وهو الأمر الذي أدى إلى إيجاد نمط عقدي جديد هو عقد السوق في اليد.
ومن الملاحظ أن الإدارة تلجأ إلى عقود تسليم المفتاح في صورتها التقليدية في إطار عقود الأشغال، في حين تلجأ إلى عقود تسليم المفتح بصورها المتطورة في معرض بناء المرافق العامة الصناعية والتجارية خصوصاً.
وكذلك يلاحظ أن عقود تسليم المفتاح في الجمهورية العربية السورية تفهم على أساس التعاقد مع أحد المقاولين في مشروع فيه أشغال مع توريدات بالقدر نفسه من الأهمية، وذلك ناجم بلا شك عن عدم وجود نص قانوني واضح يحدد إطار هذه الفكرة.
وتوجد في إطار التعامل الدولي صيغ نموذجية متعددة لهذا النوع من العقود، ولكن أهمها على الإطلاق ذلك النموذج الصادر عن الاتحاد الدولي للمهندسين الاستشاريين F.E.D.C والمعروف باسم الكتاب الفضي.
2ـ عقد الصلح الإداري:
هو تصرف عقدي عرفه القانون المدني السوري في المادة 517 منه بأنه (عقد يحسم به الطرفان نزاعاً قائماً أو يتوقيان به نزاعاً محتملاً، وذلك بأن ينزل كل منهما على وجه التقابل عن جزء من ادعائه). وهو من العقود التي لا تثبت إلا كتابة أو بمحضر رسـمي (المادة 520 من القانون المدني)، ومن الواضح أن الكتابة في هذه الحالة لا تلزم إلا لإثبات الصلح، فهي غير ضرورية لانعقاده لأن الصلح من عقود التراضي، ومن الواضح في هذه الحالة أن محل عقد الصلح هو الحق المتنازع فيه، ونزول كل من الطرفين عن جزء مما يدعيه في هذا الحق، ومن الملاحظ أن الصلح كالتحكيم يفترض نزاعاً بين الأطراف، ولكنهما يختلفان في وسيلة حل النزاع، فبالصلح يتم حل النزاع بإرادة الطرفين من بداية سلوكه حتى نهايته، في حين أن التحكيم يبدأ باتفاق بين الطرفين، ولكن لا سيطرة لهما عليه بعد بدء إجراءاته حتى صدور حكم التحكيم، وعلة ذلك أنه في الصلح يتم حل النزاع بعمل تعاقدي، أما في التحكيم فيتم حله بعمل قضائي يصدر من المحكم، لا من الطرفين. ومن ناحية أخرى فإنه في الصلح يتنازل كل من الطرفين عن جزء من ادعاءاته، أما في التحكيم فإن المحكم يمكن أن يحكم لطرف بكل ما يدعيه ولو كان المحكم مفوضاً بالصلح.
وأياً كان محل الصلح فيجب أن تتوافر فيه الشروط التي يجب توافرها في المحل بوجه عام ، فيجب أن يكون ممكناً معيناً، أو قابلاً للتعيين، ويجب أن يكون مشروعاً ، إذ تنص المادة 519 من القانون المدني السوري على أنه «لا يجوز الصلح في المسائل المتعلقة بالحالة الشخصية، أو بالنظام العام..».
وفي الوقت نفسه يلاحظ أن المادة (44) من قانون مجلس الدولة تنص على ما يلي: « ولا يجوز لأية وزارة أو مصلحة من مصالح الدولة أن تبرم أو تقبل أو تجيز أي عقد أو صلح أو تحكيم أو تنفيذ قرار محكمين في مادة تزيد قيمتها عن خمسة وأربعين ألف ليرة سورية بغير استفتاء الإدارة المختصة..».
ويُلاحظ من نصوص قانون مجلس الدولة والقانون المدني أن الصلح من حيث المبدأ هو تصرف مباح لإنهاء المنازعات الإدارية ، ولكن إذا قامت الإدارة بإبرام عقد صلح ، فيجب عليها أن تستفتي الإدارة المختصة في القسم الاستشاري لدى مجلس الدولة، وعلة ذلك في الحقيقة أهمية التصرف القانوني الذي تقدم عليه الإدارة، والذي يكون جديراً بمراجعة مجلس الدولة بحسبانه المستشار الرسمي للدولة من الناحية القانونية.
إلا أن المشكلة هي ما طرحته المادة (519) من القانون المدني السوري في نطاق عدم جواز الصلح على المسائل المتعلقة بالنظام العام، ومن المعلوم أن المسائل الإدارية المختلفة تتعلق بالنظام العام، ولاسيما المالية منها والتي يمكن أن تكون الأكثر وروداً في عقود الصلح ، إلا أن هذه المشكلة لا تحل إلا إذا علمنا أن نص المادة (44) من قانون مجلس الدولة لا حق على نص المادة (519) من القانون المدني، ومن ثم يكون قد نسخه في حكمه وأباح الصلح في المسائل الإدارية.
ولابد من الإشارة إلى أن نص المادة (44) من قانون مجلس الدولة قد جاء عاماً، فهو لم يفرق بين قطاع عام إداري، وقطاع عام اقتصادي من جهة، كما لم يفرق بين موضوع مالي وآخر غير مالي، من جهة أخرى.
ولعل التصرف الأكثر وروداً في الواقع العملي للصلح في حياة الإدارة العامة في سورية هو ذلك المتعلق بما يسمى بمحاضر التسوية، ولاسيما حين يقوم المتعاقد مع الإدارة بتنفيذ أعمال إضافية تزيد على الريع النظامي بناء على تكليف خطي من الإدارة، ومن دون ملحق عقد، حينئذ تقوم الإدارة بصرف قيمة هذه الأعمال على أساس محضر تسوية، وقد فسرت بلاغات رئاسة مجلس الوزراء مصدر الالتزام في هذه الحالة بأنه يتمثل في الإثراء بلا سبب، على أساس أنه لا يمكن أن يكون الالتزام ناجماً عن ملحق عقد هو عقد في حقيقته، وذلك بحكم تنفيذ الالتزامات المطلوبة من المتعاقد، في حين أن الملحق يفترض أن تؤدى الالتزامات العقدية في المستقبل، ولكن في الحقيقة مصدر الالتزام في هذه الحالة هو العقد، والعقد في هذه الحالة هو عقد الصلح، لأن محله إنهاء النزاع حول هذه الأعمال الإضافية وفقاً لآلية اتفاقية، تثبت في محضر رسمي، يسمى محضر التسوية.
ولا يتم اللجوء إلى الصلح في الحالات العملية التي لا يتم فيها رصد الاعتماد المالي اللازم للعقد عند إبرامه، ففي هذه الحالة لا يبطل العقد نظراً لاستقلال المشروعية المالية عن المشروعية الإدارية، لأن رصد الاعتماد اللازم للعقد لم يتم بالصورة المشروعة وفقاً للقانون المالي الأساسي، مما يجعل العملية المالية في هذه الحالة باطلة، إلا أن العقد ذاته يظل صحيحاً، والنتيجة الأساسية التي يؤدي إليها هذا الوضع هي عدم إمكانية دفع المقابل المالي للمتعاقد على الرغم من مشروعية العقد، في هذه الحالة يمكن الاستعانة بالصلح كآلية عقدية، من شأنها أن تحل الخلاف بين الإدارة و متعاقديها ، وذلك بعد أن تقوم الإدارة برصد الاعتماد المالي اللازم لإبرام وتنفيذ عقد الصلح بصورة نظامية ووفقاً لمقتضى القانون المالي الأساسي. وفي هذه الحالة تتوازى المشروعية المالية والإدارية ، ويصبح بالإمكان صرف قيمة العقد الأول ، بالاستناد إلى عقد الصلح.

*المراجع
الموسوعة العربية
الموسوعة القانونية المتخصصة مقال للدكتور مهند نوح بعنوان ( أنواع العقود الإدارية ) بشيء من التصرف
القانون 51/2004
دفتر الشروط العامة 450/2004
المدخل إلى العقود الإدارية ، سورية
القانون الإداري

لا تعليقات

اترك رد