أزمة الحضارة الغربية المعاصرة


 

تعود النهضة الأوربية في بداياتها إلى عوامل مادية بحتة تتصل بعوامل سكانية وطبيعية وجغرافية . فقد ظلت شعوب أوروبا قرونا طويلة لا تتطور إلا بمستوى ضئيل ، لأن الطعام والمياه كانا متوافرين ، وكانت المشكلة الوحيدة هي البرد القارس ، وقد واجهوه بالبيوت والفراء والملابس ، وكانوا يشغلون فراغهم بالحرب والتناحر والرقص والغناء، ولم تسرع أوروبا للحضارة إلا خلال القرن العاشر الميلادي ، عندما تضاعف سكانها ثلاث مرات عما كانوا عليه في القرن الخامس ، فأسرفوا في قطع الشجر لاستعمال أخشابه في بناء البيوت والتدفئة ، فقل صيد الحيوان ، وشحت الأقوات ، فنشط العمل في الزراعة وتربية المواشي ، وفي القرن الحادي عشر وصل السكان إلى درجة الانفجار ، وضاقت بهم الأرض، فازدادت الهمة للعمل ، وزاد طلبهم على المنسوجات لندرة الجلود ، فارتحلوا إلى الشرق لاستيراد الأقمشة ، مما أدى لتطور الفن البحري ، وتحسن صناعة السلاح ، ومن ثم تدخلت الكنيسة لحثهم على غزو أراضي المسلمين ، لأن الشائع لديهم أنهم أغنى من أوروبا ، فكانت الحروب الصليبية ، ومن ثم التعرف على نهضة الشرق ، وانطلقت شعلة الحضارة لديهم ، إذن لم يكن عامل الدين هو السبب الأساسي في هذه النهضة ، وإنما أسباب دنيوية بحتة ، وكانت المؤسسات الدينية لديهم معيقة في سبيل نهضتهم .

ويكاد باحثو علم الحضارات أن يجزموا بدور الدين – إيمانا وعبادة وقيما وخلقا – في الحضارات المختلفة ، فهم يرون أن الدين هو الخط الأقوى في قلب الحضارات ماضيها وحاضرها معًا ، إذ توشك الحضارات كلها أن يغمرها ويكتسحها العنصر الديني .. تستمد منه أقوى مسوغاتها وحياتها وكيانها.

وهذا ما خلت منه الحضارة الغربية المعاصرة، حيث ارتكنت على فصل الدين عن الدولة ، أو فصل الكنيسة وكهنوتها عن المجتمع وأحواله وتقدمه ، نظرا لتسلط رجال الكنيسة ، وربما يكون لديهم بعض الحق فيما فعلوا ، في بدايات ما يسمى عصر

النهضة، ولكن تحول الفصل بين الدين والدولة إلى فصل بين الدين والمجتمع والناس، ثم تجميد الدين في رحاب الكنائس . وهذا ما حدا بفيلسوف التاريخ توينبي إلى القول إن عبادة الإنسان متحققة بشكل أو بآخر في الحضارة الغربية المعاصرة مثلما كان شائعا في الحضارة الهلينية ،حيث يقول : العقيدة السائدة في واقع الأمر – وإن كان لا يعترف بذلك – في العالم الغربي في الوقت الحاضر ، فالغربيون يعدون من المؤمنين المتحمسين ، بقوة الإنسان الجماعية ، وبخاصة قوته على الطبيعة غير البشرية .. ، كما كان الفلاسفة الإنسانيون الغربيون في القرن الخامس عشر من عبدة الإنسان ، كلٌ بطريقته الخاصة ، وما يميز التجربة الهلينية .. هو أنها كانت أصدق وأصلب عبادة للإنسان سجلها التاريخ حتى يومنا هذا.

ويصدقه القول بروديل الذي يصرح : ” لابد من الاعتراف بأن الحضارة الغربية كلما نمت وازدهرت بدت وكأنها تبتعد عن المفاهيم الدينية وتقترب أكثر وأكثر من التفكير العقلاني أي نوع من التحلل والتحرر من السلوك الديني حيث لابد من الاعتراف بتفردها في هذا الاتجاه” .

وتبدو أزمة الحضارة المعاصرة في شيوع ” التشكك الأخلاقي ” بين صفوة المثقفين ، فقد أصبحت غيبيات ما فوق الطبيعة على درجة من الإسقاط والإهدار أكبر مما كانت في كل تاريخ البشرية ؛ لأن العلماء الآن ، رأوا أن الخير والشر والصواب والخطأ من مسائل القيمة ( النسبية )، وهم يفترضون أن العلم يهتم بالحقائق لا بالقيم ، وتطور الأمر إلى تبني نظرية ” تقليد الفردية الاقتصادية ” ومعناها أن الذي يسير العالم هو اهتمام كل فرد بما يخصه وحده ، وأن تفاعل قوى السوق كفيل بتسيير المجتمعات بشكل جيد ،وأصبحت هذه النظرية هي المؤثر القوي في الحياة الاجتماعية والثقافية، فقد فصارت الثقافة – في الحضارة الغربية – تجارية بمثل ما هي ثقافة صناعية، وباتت هي السائدة بين الناس بشكلي يقيني ، في الوقت الذي يشكك فيه المجتمع في القيم الأخلاقية ويتعامل معها بنسبية، فكانت المحصلة زيادة أنانية الأفراد ، وتشككهم في أي وجهة نظر : دينية أو اجتماعية ، فكل إنسان يحاول أن يجعل حكمه هو في مقام أساسي مجادل .

إن هذه النظريات تكاد أن تكوّن طابورا مخربا ، لأن أثرها هو هدم كل قيادة أخلاقية أصيلة .. ، وإن الفصل بين الحقيقة والقيمة هو الذي يحدد أزمة القرن العشرين ..، فلكل ثقافة وجهان يمكن أن يحددهما لفظ دنيوي وغيبي بوضح كاف لأغراضنا الحالية وقد كان هذا واضحا على طول المدى.

وهناك قيمة عكسية تضرب في بنية الحضارة الغربية ، وهي قيمة “الإسراف في التنظيم الاجتماعي ” ، وهي ناتجة عن تعاظم دور المؤسسات في المجتمع الصناعي، في المصانع ، الشركات ، المنتديات ، التجمعات … ، وهذا التعاظم له آثار إيجابية بلاشك ؛ تتمثل في تنظيمه للأعمال والاقتصاد وشؤون الناس ، ولكنها تفقد الفرد الغربي الشعور بالذاتية ، وتضعف لديه القوى العاطفية الخاصة بالاقتناع ، والتي تُعرَف عن طريقها القيم الأخلاقية . وظهرت بناء على ذلك إحساس الناس – في الغرب – أنهم تجمعات وحشود ضخمة مثل الحشرات ، كل فرد لا يكترث بمن حوله ، وإنما هو يرى نفسه نكرة ضمن الجموع الزاحفة للعمل صباحا ، والعائدة منه مساء ، فالتنظيم الحديث له أثر كبير في تلاشي القيم العاطفية ، والانكفاء على الذات ، والعزلة وسط عالم يموج بالصخب .

فنحن إزاء قيمتين تضربان في متن الحضارة المعاصرة ، وهما : زيادة النزعة الفردية ، وعظم النزعة المؤسساتية ، وربما يكون ظاهرهما التناقض ، ولكن باطنهما التلاقي ، لأنهما ناتجتان ببساطة عن إقصاء الدين وأسباب السمو الروحي ، والإمعان في العلمانية أو اللادينية ، فأدى ذلك إلى هاتين النتيجتين / القيمتين ، فكل فرد لا يفكر إلا في ذاته ، ولا يقيّم الأمور إلا بمنظوره الخاص ، ولا يعبأ كثيرا بمن حوله ، رغم أنه عضو في تجمعات عمالية ومؤسسية كثيرة بداية من المدرسة إلى المصنع أو الشركة إلى النادي والنقابة . لتبقى حقيقة واضحة : عندما يموت الضمير الفردي والقيم الخلقية ، وتذبل العلاقة مع الله تعالى، تموت كل القيم الأخرى.

وقد يستغرب البعض من حال الغرب ، الذي يتعصب بشكل كبير للمسيحية ، ومعلوم أن للفاتيكان دورا مهما في صنع القرار السياسي الدولي والمحلي ، وهم يضادون الإسلام والقضايا الإسلامية بشكل لافت ، ويعملون على التنصير في كافة الدول الإسلامية ، مستخدمين أعدادا لا حصر لها من المنصّرين ، تمولهم مؤسسات ضخمة ، ومع ذلك ، نجد خواء روحيا ، وفسادا قيميا .

وهذا عائد إلى مبدأ فصل الدين عن الدولة ( العلمانية ) ، وهي على ضربين : العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة ، والأولى تقصي الدين عن الحياة ، وتقبله في الحياة الخاصة ، بوصفها غذاء روحيا ، أما الثانية فهي تقصي الدين تماما عن الحياة والأحياء وشؤون الناس والقيم ، وتجعل عقل الإنسان وذاته هي المصدر الأساسي لكل قيمة ، وهي الحكم أيضا على أي قيمة ، ولا دور للدين إلا بوصفه تراثا أو مرجعا معرفيا قابلا للنقد و النقض و الاستفادة و المناقشة .

إذ ثمة افتراض أن العقل البشري قادر على رصد الواقع بأسره ، والإحاطة به ، والتحكم فيه ، وهذه هي الرؤية المتمركزة حول الذات ، التي تفترض مركزية العقل الإنساني ووعيه ، ومن ثم تفترض أسبقية الإنسان على الطبيعة … ، لقد حقق العلم الغربي انتصارات رهيبة بفضل حياديته وموضوعيته الرهيبة ، أي بسبب تجاهله الإنسان وغائياته وقيمه ومثالياته ومطلقاته ، وقد طرح العلم نفسه بوصفه القادر على الإتيان بحلول للمشكلات المادية وغير المادية ، وادعى العلم أنه مصدر القيمة ، وأنه قادر على تزويد الإنسان بالرؤية السليمة ، وأنه سيحقق للإنسان السعادة والخلاص والتحكم في الطبيعة وتسخيرها للإنسان ، ولن يتحقق هذا إلا قبل الإنسان أن يكون العلم هاديا ومرشدا ودليلا وسلم له أمره ، فأعاد الإنسان صياغة واقعه الإنساني والنفسي حسب قوانين الطبيعة والمادة ، أي تكون مرجعيته هي المادة .

وفي جميع الأحوال ، فإن الدين غائب عن الحياة العامة في حقول التربية والفكر والثقافة والفنون وغيرها .

لا تعليقات

اترك رد