اللقطة الأولى


 

بتم تسخرون من كل شيء حتى من الموت. وتستخفون بأيِّ شيء حتى وأنتم ترون كيف تُزهق الأرواح بدمٍ بارد. هواتفكم الذكية قد سلبت منكم لبَّ عقولكم ويبّست أغصان احساسكم؛ إلى أن تناقص منسوب إنسانيتكم وباتت مشاعركم ضحلة؛ تقفون عند حادث أليم من باب الفضول واقتناص اللقطة لا من باب التعاطف؛ فبدل من أن تلتقطوا المصاب المدهوس من تحت الأنقاض تلتقطون هواتفكم لتكونوا أول من التقط الصورة والشاطر فيكم من يسبق الآخر في نشر الصورة على صفحته والمحظوظ منكم من كان أقرب من الآخر من الفاجعة، فقط لتحصدوا الاعجاب. أذهانكم مشدوهة عن الألم والوجع الذي سوف يسبّبه لأهله وأحبّته فقد أصبحت هواتفكم مثل سلاح على خاصرة أصابعكم تدافعون بها عن أنفسكم إما في اصطياد مشهد محرج تضعونه في أرشيف التهديدات والمساومة، وإما لتشهروه وتشهّروا بالضحية التي وقعت تحت فوهة الهاتف وزناد الكاميرا.

تتصيدون مصائب الآخرين لتفضحوهم وتسخرون من عذاباتهم ووجعهم الإنساني والاجتماعي لغايات سطحية لا تحمل أيّ عمق أو بُعد إنساني دون أن تتحرك فيكم ذرة إحساس وحياء. تنتظرون فواجع الآخرين بفارغ الغباء لتجمعوا حولكم المتشدقين وتدعون في سرّكم أن تحدث كارثة عربية، أو حرب ضارية على بلد من بلدانكم العربية وغير العربية ليصدّق الجميع صدق نبوءتكم حول هذا البلد أو تلك الكارثة. لقد حولت الأجهزة الذكية العديد من البشر إلى تماسيح بليدة.

وجاءت القنوات الإخبارية الشهيرة لتدعم وتشجع هذا النوع من البلادة وقلة الإحساس بمآسي الآخرين؛ فتكتب بالشريط السفلي الذي يدور على مدار اللحظة ” شاركونا المشاهد والفواجع من خلال هواتفكم الذكية ” ومن خلال هذا التشجيع وتحفيز الغرور الفارغ في نفوس المشاهدين يصبح كل واحد يمشي مثل قطط الشوارع ليتلقط ويتصيد لقطة غريبة من كوارث الإنسان لينال على الرقم الأول والكاميرا الأولى التي التقطت تلك الكارثة.

فقد سبق وأن جعلوا من السخافة ثقافة، وجعلوا من الوقاحة صراحة، من القباحة جمال. واليوم يحولون الإنسان إلى تمساح متخشب الإحساس والفارق ما بين التمساح النهري والتمساح البشري هو أن الأول يفتح فمه ليلتقط فريسته بدافع الغريزة، والثاني يفتح كاميرته ليلتقط صورة لضحيته بدافع الشهرة ونفش الريش والتباهي بسرعة كاميرته على التقاط المشهد.

ثلة قليلة من الناس هي من ظلت تكترث بالكوارث العربية بوجه خاص والكوارث العالمية بوجه عام وتعتصر ألماً حقيقياً على ما يحدث لأنها تفقه معنى الكارثة أو ربما عايشتها في حقبة ما ورأت بأم قلبها آثار الكارثة والمصيبة حين تحل بالبلد؛ بينما السواد الأعظم لا يكترث بما يجري؛ فكل الذي يعنيهم من الأمر هو الرهانات التي يعقدونها في المقاهي أو على مواقع التواصل أو من خلال اللقطات التي يلتقطونها أو مقاطع الفيديو أو العبارات والمنشورات التي ينشرونها ولا يعرفون فحواها ولا يدركون أبعادها وآثارها.

منذ برهة من الخيبة والخذلان جلس العديد على طاولة قمار الكوارث يضعون رهاناتهم على الضربة الامريكية لسورية وكأنهم يراهنون على حفنة نقود على أرواح. بعض من الناس ولشدة غباءهم وتصحر عقولهم يحسبون بأن الضربة الأمريكية سوف تطال النظام وتضرب الرئيس في مخدعه ولا يدري عن تبعات تلك الضربة وتلك الحرب الهمجية وماذا سيحل بالمواطنين وكيف سوف تتردى ظروفهم المعيشية؛ من الطبيعي أنه لا يدرك تلك التبعات لأنه يجلس بعيداً هو وهاتفه الذكي عن مكان الفاجعة. هو يبحث عن ” أكشن” يتشدق به وعن لقطات ومقاطع ينشرها دون أن

يشعر بمحتوى الفيديو ودون أن يشعر بما يعانيه من هو داخل هذا المقطع. هو يبحث عن سبق صحفي وعن مادة مثيرة للجدل والطائفية والعنصرية ليكون هو سيد ” اللقطة الأولى” والخبر الأول والنبوءة الأولى ليكون هو صاحب المعجزة الأخيرة.

الأجهزة الذكية ومواقع التواصل الكثيرة قد سفّهت من العقول وسطّحت من الإحساس ابتداءا من ثقافة ” السيلفي” التي عمت وغزت الساحات إلى أن اعتاد الجميع على تلك السخافة وجعلوا منها ثقافة ومرحلة جديدة من العصر التكنولوجي؛ والتجار وأصحاب الشركات الكبرى باتوا يعرفون هذا النوع من البشر التافه والسطحي وأعدوا وصنعوا له كل اكسسوارات التفاهة من ذراع طويلة لسهولة التقاط ” السيلفي” والحلقة المعدنية التي يضعها خلف الهاتف والعديد من مكملات السخافة مثل برامج فلترة قباحة الصورة لتنمية الخداع النفسي للنفس.

من المعيب على الإنسان أن يراهن على أوجاع الآخرين ومن المخزي على الإنسان العربي بوجه عام أن يتحول إلى مجرد ناقل للفاجعة وأن يكرس وقته في التقاط الصور دون أن يشارك في إيجاد حلاً لما وقع في هذه الصورة. أن يتحول إلى طبل فارغ يتناقل الأخبار دون أن يعي أبعاد هذا الخبر.

من المؤلم أن ينفصل الإنسان العربي عن فواجع بلاده ليعيش حيادياً ورمادياً اتجاه قضايا أمته ويكتفي بدور الصحفي والذي لا يهمه من تلك الفاجعة سوى السبق الصحفي لينال على جائزة أجمل صورة أو أقوى مقطع.

من العار على الإنسان العربي أن يتمنى لبلد عربي أن يقصف بالطائرات الأجنبية لمجرد أنه يعارض نظامه أو أن له وجهة نظر خاصة اتجاه هذه الضربة. وكأنه لم يعتبر من الحرب الأمريكية على العراق وماذا فعلت وكيف إنها قد دمرت العراق برمته وإلى يومنا هذا لم يتعافى العراق من آثار الحرب اللعينة. حين صب غالبية الناس من العراقيين وغيرهم تفكيرهم بالخلاص من صدام حسين ولم يفكروا بعواقب الحرب على العراق؛ إن الوطن قد يمثله شخصاً أو رمزاً ولكن لا يملكه، والفاجعة حين تقع فهي تقع على الوطن برمته لا تقع على الرمز؛ إن الوطن أكبر من مجرد صورة تلتقطها هواتفكم الذكية وأعظم من مقطع فيديو يتسرب إليكم كما يتسرب ماء المطر من السقف المثقوب.

شارك
المقال السابقلمن رسائل الصواريخ على سوريا ؟
المقال التالىاسرائيل .. سيدة الشرق الأوسط … رؤية تحليلية
الشاعر السوري لؤي طه، الذي يراوغ رؤاه في كل مرة، ويبحث عن شتات الإنسانية وولع الذات التي تكون حاضرة في أشياؤه وأشياء الآخر. ليس هذا فحسب إنما يسمح لعاطفته أن تقوده إلى كتابة مالا يكتبه الآخر في أمكنة تستنطق الكلمات لتوقظ مساحة البوح. الشاعر لؤي طه، سوري الجنسية من مواليد 1970 يعتبر أن القصيدة توأمة....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد