اسرائيل .. سيدة الشرق الأوسط … رؤية تحليلية


 

هل حقا اصبحت اسرائيل سيدة الشرق الاوسط .. ؟؟

اعتقد ان كثيرين من المتابعين و المحللين و المراقبين, ليس فقط في منطقة الشرق الاوسط و البلاد العربية و الاسلامية, بل و ايضا في بلاد العالم الاخرى, يراودهم مثل هذا التساؤل, مع شئ من الاستغراب, و ربما الاستهجان, و ربما الخوف و القلق ، و ربما لا يكون ذلك فقط على مستوى المواطن الاعتيادي فحسب, بل على مستوى القيادات السياسية في معظم هذه الدول و البلدان ..

و ربما كان هذا التساؤل قديما, لكنه غير ظاهرا, او غير واضحا, او لا يوجد ما يستدعي الاهتمام به او السعي للبحث عن اجابته ، لكن خلال فترة السنة او السنتين الاخيرتين الماضيتين, اصبح لمثل هذا التساؤل, كما يقولون ” رنة و طنة “, و اصبح الكل يتداوله, ان لم يكن علنا, فسرا, و ربما يراود البعض حتى بينه و بين نفسه ، لكن في كافة الاحوال, اعتقد ان الاجابة, و للاسف و لسوء الحظ, هي ” نعم ” ، انها الحقيقة المؤلمة ..

فمنذ ان اخذت دويلة ” اسرائيل ” تحاول ان تفرض نفسها بقوة, من خلال او بشراكة امريكية كاملة, و منذ ان اخذت تحاول ان تغير الوقائع و المسميات في منطقتنا هذه, كان لا بد للجميع من الانتباه الى ما وراء و ما بعد ذلك ..

فمصطلحات, العالم او الوطن العربي, العالم الاسلامي, المغرب العربي .. الخ .. من التسميات القديمة, لم تكن تخدم اغراض اسرائيل الاستيطانية و التوسعية, و كانت تريد ان تخلق لها عالما واضحا و محددا تكون هي السيدة و القائدة و المسيطرة فيه بلا منازع ، وان كانت هناك دولا قوية, عسكريا او سياسيا او اقتصاديا, موجودة فعلا في هذه المنطقة, فلا بأس من اعادة التقسيم و التجزئة و توزيع القوى, باحداث بعض الهزات الاقتصادية او الحروب الاقليمية او التغييرات في القيادات السياسية في تلك الدول, لكي تضمن اسرائيل بالتالي تفوقها و سيطرتها الكاملة على مقدرات هذه المنطقة, و التي تعتبر في الواقع قلب العالم النابض بالحضارة و التاريخ العريق, و الملئ بالثروات و الموارد الطبيعية, و نقطة الوصل ما بين الشرق والغرب ..

انها سياسة طويلة النفس و بعيدة المدى, و لا يجيد وضع و تنفيذ مثل هذه السياسات, الا دهاة الساسة و المخططين البريطانيين و اليهود و الامريكان, و للاسف فللأن اثبت العرب انهم من اكثر الناس فشلا, في وضع و تنفيذ, ليس فقط السياسات طويلة الامد فحسب, بل حتى قصيرة الامد منها, و اعتقد انه لا داعي لمناقشة هذا الامر, فواقعنا العربي المشتت الضعيف خير دليل على ضعف او انعدام الارادة و التصميم و التخطيط و التنبؤ بكافة مستوياته ..

لقد عملت اسرائيل, و عبر اكثر من خمسين عاما, و منذ زرعت كنبتة غريبة في عمق و قلب الاراضي العربية الفلسطينية، عملت بجد و اجتهاد و حماس, ممولة باموال اليهود و الاميركان و البريطانيين, و معززة بالقدرات و الامكانات العلمية و السياسية و الادارية و العسكرية لهم, عملت ليس فقط على ضمان رقعة ارض صغيرة لها, تقنع بأن تعيش عليها, بل ان تثبت و تتوسع ، و عملت ليس على الاقناع و التفاوض من موقع الضعف مع جيرانها العرب, الضعاف والاقوياء على حد سواء, بل على اساس فرض الامر الواقع, و التهديد و الوعيد, و الحروب المتعددة و المتكررة لما فيه اضعاف الخصوم و تشتيت قوتهم و جهودهم, و اضعاف ارادتهم, وتبديد ثرواتهم المالية و البشرية و النفطية العظيمة ..

ففي حين استطاعت دويلة اسرائيل, خلال خمسون عاما, من ان تنشئ دولة مدنية متحضرة, ذات قوة عسكرية اسطورية, و قوة علمية و تكنلوجية و مالية و اقتصادية متميزة, ربما تتفوق ليس فقط على كل البلاد العربية, بل و على بعض البلاد المتقدمة ايضا ، لم تستطع 22 دولة عربية, معظمها تتمتع بالموارد البشرية و المالية و الطبيعية الضخمة, ان ترتفع, سواء بشكل فردي او جماعي, الى مستوى جزء او نسبة بسيطة مما وصلت اليه اسرائيل, علميا و عسكريا و اقتصاديا ..

هذا كله جعل لاسرائيل اليد العليا في هذه المنطقة, و هي لم تنجح في ذلك الا من خلال خطط و سياسات خبيثة و ذكية في ان واحد, و للاسف فقد انطلت على العرب من حولها, بعلمهم او بدون علمهم, بموافقتهم او بدونها ..

و قد تكللت الجهود الاسرائيلية الصهيونية في هذا المجال, من خلال امور و سياسات و استرتيجيات و تكتيكات كثيرة و متنوعة, نذكر هنا بعض من اهمها :

* من خلال الحروب المتعددة و المتكررة, اضعاف الدول العربية المحيطة, نفسيا, عسكريا, ماليا واقتصاديا, و سياسيا ، في حين كانت الالة الحربية العسكرية, و الاقتصادية و المالية, و السياسية و الاعلامية الامريكية و الغربية, تقف وراء اسرائيل بالكامل ..

* العمل على اخراج مصر من ساحة الصراع العريب الاسرائيلي المباشر, كونها تمثل اكبر ثقل بشري و سياسي عربي اقليمي, و بالفعل كان لها ذلك من خلال مبادرة السادات و ما تبعها ، و لو اننا نتمنى ان يكون ذلك الاخراج مؤقتا ..

* العمل على اضعاف العراق و اخراجه من حلبة الصراع العسكري و السياسي المباشر, و التهديد المستمر لاسرائيل, كونه كان يمثل اكبر قوة مالية و اقتصادية و علمية و عسكرية في المنطقة ، و بالفعل كان لاسرائيل ذلك من خلال الحروب المتكررة التي شارك فيها العراق, مع كل من ايران, و في اعقاب غزو الكويت, و الحصار المستمر منذ سنوات طوال, و الذي يهدف اساسا الى التأكد من ان العراق لن يعود ليشكل تهديدا لاسرائيل, سواء على المدى القريب او البعيد, من خلال امتلاكه للتقنيات العلمية و العسكرية الحديثة .. و كل ما نرجوه ان يعود العراق و يتعافى من محنته هذا ليكون اكثر قوة, و سندا لقضايا الامة القومية و المصيرية (( كتبت المقالة الأصل قبل إحتلال العراق )) ..

* كانت الجزائر تمثل ثقلا عربيا واقليميا و حتى دوليا كبيرا, في الجوانب السياسية و الاقتصادية, فتم تركيعها بمزيد من الصراعات و الحروب الداخلية, و الخلافات الاقليمية ..

* العمل على ابقاء سوريا, والتي تمثل واحدة من اهم الدول المجاورة لاسرائيل, و من اهم مراكز الثقل و القوى العسكرية و السياسية في البلاد العربية, ابقاؤها منفردة في مواجهة اسرائيل في موقف تعجز فيه عن التحرك و المبادرة (( كتبت المقالة الأصل قبل الأحداث الأخيرة في سوريا الممتدة لسبع سنوات تقريبا )) ..

* العمل الدؤوب الى الغاء مفهوم ” القضية العربية ” ليكون فقط ” القضية الفلسطينية “, و بالتالي لتنفرد اسرائيل, بقوتها و عنجهيتها و

جبروتها, في التفاوض او معالجة الخلافات, مع الجانب الفلسطيني الاعزل الضعيف, و لتكون هي ذات الكفة الراجحة, و لتحقق من خلال ذلك, او بالاحرى لتكمل سلسلة ما تريد ان تحققه, على الارض الفلسطينية والعربية ، و للاسف هذا فعلا ما يحدث الان (( للأسف نجد الآن كثير من هذه الأصوات هنا و هناك حتى على مستوى القيادات العربية، و حتى في السعودية مؤخرا )) ..

* التوجه الى الدول المجاورة و المحاددة للدول العربية, والذي يقع معظمها تحت المفهوم الجديد ” الشرق الاوسط “, مثل تركيا وايران, و اقامة علاقات خاصة مع البعض, او تهديد البعض الاخر ، وهذا ماحدث فعلا مع تركيا, حيث تغلغلت القوى الصهيونية والاسرائيلية والامريكية ضمن التركيبة السياسية و العسكرية و الاقتصادية لهذا البلد, ليصبح اداة طيعة بيد الامريكان و اسرائيل, و من خلال المزيد من الاتفاقيات و الاحلاف ، حيث نرى دوره الواضح في الحرب المستمرة على العراق, و كذلك تهديده المستمر لكل من سوريا و العراق فيما يخص ملف المياه, الى غير ذلك ، اما بالنسبة لايران, و باعتبارها دولة مسلمة قوية, واصبحت بالمقاييس الاسرائيلية الصهيونية الامريكية, تشكل تهديدا لمصالحهم في المنطقة, فنحن نرى بوضوح حجم الضغوط و التهديدات التي تتعرض لها, والله اعلم ما ستتطور اليه الامور فيما يخص هذا البلد مستقبلا, و الذي نرجوه ان يبقى قويا و سالما و مساندا لقضايا العرب والمسلمين الاساسية (( هذا الحال إنقلب مؤخرا لتكون إيران الجار العدو اللدود لكثير من البلاد العربية، و تركيا الجار الصديق الصدوق )) ..

* اقامة تحالفات عسكرية و سياسية و اقتصادية مع الهند, و التي تعتبر من ضمن الدول الكبرى القريبة للبلاد العربية, و التي لها علاقات تاريخية قديمة معه ، فنلاحظ بوضوح مدى تنامي العلاقات الاستراتيجية السياسية و العسكرية و الاقتصادية بين اسرائيل و الهند, و انعكاسات ذلك من تغيير في سياسة و لغة الهند في التعامل مع العرب و المسلمين, و تناسيها ان هناك الالاف من الايدي العاملة الهندية من مختاف الاديان تعمل في الدول العربية, و هم بالتأكيد خير سند و دعم للاقتصاد الهندي ، و ربما يكون الخلاف الهندي الباكستاني الحالي و تعقيداته واحدة من ثمرات هذا التطور في التعاون والتنسيق ما بين الهند و كل من اميركا و اسرائيل .. و ربما يمكن ان نعتبر ذلك رد جميل من اميركا للباكستان عن كل ما قدمته من جهود و ضحايا في الحملة الامريكية الصهيوينة ضد ما يسمة بالارهاب ، و لا يخفى علينا هنا القلق الاسرائيلي الصهيوني المتزايد من تنامي التكنلوجيا النووية لدى الباكستان ، ناهيك عن التقاء و اتفاق اليهود و الهنود في عدد من الاهداف والمعتقدات التاريخية و الدينية ضد المسلمين بشكل عام ..

* تمكن اسرائيل من التغلغل الى بعض البلاد العربية باشكال و مستويات شتى, و اقامة علاقات خاصة, سياسية واقتصادية, او عقد اتفاقيات سلام, لتحييد هذه الدول, ان لم يكن لوضعها الى جانب اسرائيل في جهودها المستمرة في التوسع و التغلغل ، مثال ذلك العلاقات الخاصة مع كل من مصر, الاردن, المغرب و ارتيريا, و هي ربما من اكثر العلاقات الاسرائيلية العربية وضوحا, والله اعلم, فربما ما خفي كان اعظم ..

انه لمما يؤسف له, اننا و نحن نرى بملئ اعيننا, ان اسرائيل اصبحت هي القوة المحركة والقادرة الوحيدة في المنطقة على الفعل, و هي التي تهدد و تقرر ، لا نرى في المقابل اي تطور في الموقف العربي, بل على العكس و كما اعتدنا, تراجع و تدهور, و مزيد من التفكك و التشرذم ..

ففي حين نجد ان اسرائيل تعمل وفقا لخطط واستراتيجيات واضحة و معروفة, هي مزيد من القوة و السيطرة, و مزيد من الحرب و القتل و التدمير و التشريد, و مزيد من التوسع, نرى ان العرب و المسلمين بشكل عام, ليست لهم كلمة واحدة, و لا استراتيجية واحدة, و لم يتمكنوا من ان يجتمعوا على كلمة او موقف او تحرك واحد, وهذا ما يفرح و يسر اسرائيل, بل و يحقق بعض من اهدافها و خططها ، الا اللهم اتفاقهم على ان ” السلام هو خيارهم الستراتيجي الوحيد “, و هو في الواقع خيار الضعفاء الذين لا حول لهم و لا قوة ، و مما يضحك, و شر البلية ما يضحك, ان اسرائيل لم تتأخر كثيرا لتعبر بالفعل و ليس بالقول عن رفضها لهذا ” الخيار الستراتيجي الوحيد ” ..

اذن نحن الان امام موقف لا نحسد عليه, اصبحت فيه اسرائيل هي المتسيدة, و بلا منازع, على منطقة الشرق الاوسط, و هي القوة الاولى القادرة على الفعل, و ليس رد الفعل كحال العرب الان, و للاسف فحتى ردود فعلنا لا تأتي بالمستوى المطلوب ..

هل سنبقى نحن بني العرب, نترقب متى تقرر اسرائيل الهجوم, ومتى تضرب, و متى توجه صفعتها الى خدنا الايسر, لندير لها و بكل سرور و خضوع خدنا الايمن لمزيد من الصفعات والضربات ..

هل نحلم باستعادة جزء من القوة و المقدرة, و الفعل, و شئ من امجاد الماضي التليد .. الله اعلم ..

المقال السابقاللقطة الأولى
المقال التالىالأستاذ الجامعي بين مهامه وظروف التعليم في العراق
غسان العسافي .. كاتب و باحث في الشؤون العربية و العراقية. حاصل على شهادة الماجستير في إدارة الأعمال.. خبير و إستشاري في التدريب و الإدارة ... عمل في العديد من المناصب و الوظائف الإدارية و الإستشارية في العديد من الشركات و الإدارات الحكومية في السعودية، قطر، اليمن، العراق، و نيوزيلاند. مقيم حاليا في ....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد