الشعب السوري بين مشروعات السلام و الحرب

 

ليكن شعار الحل: لا للعنف والحرب بأشكالهما نعم للسلم ودمقرطة الحياة

دفعت دول كبرى ببوارجها وطائراتها لتبدأ هجوماً ثلاثي الأقطاب على سوريا، على وفق ما قد\مته من مبررات لذاك الهجوم. وبحيادية تامة من يقرأ صيغة ما ورد في المؤتمرات الصحفية و(تغريدات) بعض القادة يجدها لم تستطع أن تدافع عما فعلته.. ووجدنا أن كل تصريح لطرف في الهجوم كان يحيل دافع مشاركته على وجود طرفيه الآخرين، بصيغة توحي بالتملص من المسؤولية؛ ليس في اتخاذ القرار حسب بل فيما يصفه القانون الدولي بأنه ارتكاب عدوان على دولة ذات سيادة أو على أقل تقدير ولوج طريق العنف خارج إطار المنظمة الدولية ما عرَّض القضية في سوريا لتعقيدات غير محسوبة العواقب.

ومن أجل الإمعان في الذرائعية والتبرير غير المجدي أصرت الأطراف الثلاثة على أنها فعلت ذلك بـ (عملية محدودة) موضعية مكانياً وقصيرة خاطفة زمانياً؛ وكأن حجم الفعلة سيكون سبباً للتسويق والقبول بما جرى، بمعنى تمرير خرق مبادئ القانون الدولي!

إنّ ما ارتكبته قيادات الدول الثلاث فضلا عن كونها لم تأخذ الغطاء الأممي جرى في ظلال عدم أخذ الشرعية من برلمانات دولها ومؤسساتها المعنية [هذا غير قلق تشكيلة تلك الكابينات ومواضع الحرج في سياسة القيادات فيها] وإنما اعتمدت اتخاذ قرارها على ما أسمته (معلومات) استخبارية مؤكدة..

ونحن ندري بالتجربة العملية كيف جرت الأمور في العراق وليبيا وغيرهما يوم شنت تلك القوى الحرب على تلك البلدان وماذا خلفت لشعوبها من مصائب ونكبات أعادتها لمراحل عفا عليها الزمن بقرارها وباعتمادها ما ادعت أنه معلومات مؤكدة.. وغير هذا وذاك بات لدينا بشأن تلك المعلومات والادعاءات طرفان دوليان كل منهما يدعي دقة معلوماته ويقينيتها!

وكل عاقل لا يمكنه هنا إلا أن يطلب لجان أممية مشتركة نزيهة للتحقق في شأن مزاعم كل طرف سواء التحقق من حدوث جريمة (الكيمياوي) نفسها أم بشأن مَن وقف وراءها وكيف جرت.. ومثل هذا الأمر الخطير في العلاقات الدولية وفي مصير شعب وقضية معقدة، لا يمكن القبول بالاحتكام فيه إلى رؤية أيّ من تلك الأطراف الدولية للأسباب الآتي:

لأنها بوضوح سافر تتدخل في شؤون دولة يُفترض أن نضمن لها السيادة إذ تكسر بضربتها منطق العلاقات المحكومة بقانون دولي معروف الآليات والمقاصد ومصدق عليه ولأنّ أيّ من طرفي الصراع يمكن أن يكون مصطنِعاً لما يزعم أنه حقيقة بقصد مزيد تدخل من طرفه في الساحة السورية المضطربة اضطراب البحار الهائجة.
ولأنّ منطق العمل المؤسسي الدولي والوطني يجب بشكل شامل وتام أن يظل محكوماً بإطار العمل الجمعي للمؤسسات الدولية الراعية للسلام والأمن الدوليين، وإلا فإنّ عالمنا سيتحول إلى قوانين الغاب والبلطجة.
ومرة أخرى، وأبعد من هذا وذاك، فإن الفعالية الحربية التي اُرتُكِبت لم تدخل في إطار الحرب على الإرهاب ومجموعاته الهمجية.. فأطراف العدوان أنفسهم تحدثوا عن قصْر العملية الحربية على معالجة أهداف زعموا كونها أهدافا تخص السلاح الكيمياوي حصرياً! وأكدوا أيضا أنهم لم يتدخلوا لضرب شراذم الإرهاب! ولعل هذا يكفي لتوضيح موضع الهدف حيث ضرب ثروة علمية ملك الشعب، حاضره ومستقبله.. إنهم يضربون هذه الملكية على الرغم من أن العالم شهد بأن مركز البحوث العلمية (السوري) كان خالٍ بالتمام من كل ما يمكن أن يؤدي للتسلح الكيمياوي أو إعادة تصنيعه، على وفق ما جاء في تقارير المؤسسات الأممية المعنية..

حسناً إذن، ماذا عن تدمير مثل تلك المؤسسات تحديداً في جميع البلدان التي استهدفتها الماكنة الثلاثية من قبل؟ ألا يعني ذلك تعمّد الإضرار الفادح بمصالح شعوب البلدان المستهدفة وضرب أية فرصة للتطور العلمي ((السلمي))!؟؟؟ بخاصة مع انتفاء المبرر لأي سبب آخر لضرب تلك المراكز المدنية السلمية؟ ثم ألا يدرك المرء منا أنّ استمرار تلك المراكز هي حق ثابت للشعوب في استخدامها بوصفها أداة بنيوية في مسار التنمية والتقدم؟ ألا يمكن بإطار القرار (الأممي) إخلاء تلك المراكز من أي نشاط (عسكري) خطير على افتراض أن النظام يستغلها لشؤون تهدد السلم الدولي وعلى افتراض صدق ادعاء أو اتهام أطراف بعينها لمثل تلك الاستخدامات!؟ لماذا يجب تدميرها كلياً بكل تلك الهمجية التي استهدفت بنى علمية هي ملك للشعوب جميع الشعوب بأرجاء المعمورة كافة؟؟

وإذا كانت لم تستهدف الإرهابيين فهل استهدفت النظام الدكتاتوري؟ إن الضربة وعلى وفق نفس قيادات تلك البلدان وقولها إنها لم تستهدفه، تعمدت ثروة الشعب العلمية حيث أن معنى تصريحاتهم الجلي يؤكد أنهم لم يحسموا الموقف مع النظام بوصفه نقطة انطلاق الثورة ومحاولة التغيير السلمي، بينما الفعالية (العدوان) لم تؤثر عليه بقدر ما أثرت على ثروة وطنية كان يمكن للشعب لحظة انعتاقه وتحرره أن يستثمرها في معالجة أوضاعه المأساوية وأن يعيق محاولات إرجاعه إلى الوراء حيث التخلف ومنطق الخرافة الذي تفشى على حساب منطق العقل في ظل بلطجة فكي رحى الحرب يتمثلان في قوى الإرهاب والنظام…

إن العمل العسكري (المزعوم محدوديته) لم يدخل في الحل السلمي المنشود تجنيبا للمدنيين والشعب أيّة تضحيات جسيمة جديدة، لأنه بالحقيقة كاد يحيق بالوضع برمته بتلك الخسائر التي أشرنا إلى جانب منها، لولا تفاصيل مفردات الصراع بين طرفي المعركة إياها وما فرضته من محددات إلى جانب ثقل الموقف الأممي وحسابات أخرى تخص من اتخذ القرار..

ولكن ذاك العدوان بالحق لم ينتهِ تهديده بعدُ، إذ مازال من ارتكبه مصرّاً على جولات أخرى إذا ما ألّف مزاعماً من طرفه وحكم كدأبه بأنها حقائق تتطلب ضرباته الحربية من دون أي فرصة للبحث عما يسميه الحقيقة التي يتحدث عنها، ذرَّاً للرماد في العيون.. وهنا بالضبط إذا ما وقعت واقعة جديدة أخرى، ستكون مصائب لها أول ولكن لن يكون لها آخر من دفعات جديدة للنزوح واللجوء فضلا عن الخسائر البشرية طبعا والمادية بحجمها المؤلم لمنجزات شعب سوريا..

ومن زاوية أخرى تخص الوضع الدولي وطابع الانقسامات فيه، فلقد كان القرار مبنيا على موقف رئيس دولة معروفة وعادته في إطلاق تغريداته؛ المثيرة للجدل في داخل بلاده مثلما خارجياً حيث تتسبب في مزيد احتقانات وتوترات خطيرة المنحى! وبشأن قرار الضربة الذي عارضته المؤسسات المحلية والدولية، فقد أكد في الوضع الخارجي العالمي سياسة المحاور التي أعادت شق الوضع الدولي بين عالمين وعمّقت الشرخ بينهما وتسببت في هز الاستقرار عبر مدخل إشعال فتيل حرب باردة جديدة بوضع خطير يقع على حافة الهاوية..

أما المطلوب فقد كان يتجسد في البحث عن مخرج للأزمة يمنح دفقاً لما ربما اقترب المجتمع الدولي من تحقيقه، من حل تضع الحرب عبره أوزارها بالانتصار على الإرهاب ومن كان وراءه.. إلا أننا بخلاف ما كان ينبغي فعله، وجدنا بذاك السلوك في تهديد العلاقات الدولية وكأنه كان يمارس سلوكا تجاريا بإطار شركة أو كارتل تجاري لا دولة نووية تتطلب مزيد انضباط بالقوانين والعمل المؤسسي تجنبا لمخاطر ما يخرق القانون المترسخ في دول التقدم والحضارة منذ قرون.. وقرار الضربة الأخير تغافل عن مخاطر المواجهات وسياسة حافة الهاوية التي قد تنجر إليها العلاقات بين دول نووية..

لقد أعادنا إذن القرار المعتمد على تغريدة (شخصية) لا تستند لعمل مؤسسي لدولة عظمى، إلى زمن اعتماد أو اختلاق (البعبع الأيديولوجي) لتقسيم العالم ووضعه في مسار الصراع الذي سوَّق الإنتاج العسكري وترسانته المهولة في نهب الشعوب وإبقاء السيطرة عليها ببلطجة أشبه بتلك التي كانت زمن الاستعمار القديم.. ولكن إذا كان التسويق الأيديولوجي الذي يحيل الآخر إلى بعبع بدل ممارسة منطق التعددية والتنوع وتبادل علاقات التعايش السلمي، إذا قبلنا ذرائع تبرير بعبع الانقسام الأيديولوجي، فكيف يمكن تجرع اصطناع أو تبريرالانقسام الحالي بين عالمين..؟

إنّ جوهر الحقيقة يكمن في أن النظم القائمة اليوم ودولها الكبرى القيادية عالميا، تذكرنا بالحربين الكونيتين وبمقاصد محاولات الخروج من أزماتها الخانقة في حينها؛ تذكرنا بمحاولات الهروب من البديل الذي تطلعت وتتطلع إليه الشعوب .. فوجدنا تلك القيادات تلجأ إلى صيغة إشعال الحرب مُنقذاً للتشكيلة الاقتصا اجتماعية المتداعية التي أدت دورها ولكنها تلك التي باتت تتطلب دفقاً جديدا في الخطاب البديل.. على أن محاولة الهروب بالحرب التي اُرتُكِبت سابقاً، هذه المرة وبوجود الأسلحة النووية لن يُفسح قطعاً أي مجال للحديث عن حياة بعدها إذا ما اشتعل أوارها ولا منقذ لطرف بل فناء وعودة شاملة إلى ظروف ما قبل التاريخ..

وبجميع أحوال تلك الضربة العسكرية، فلقد وجدنا وسنجد اختلاقا لظروف تتعارض ومطالب أممية وسورية حقوقية ضد أشكال العنف وما تقود إليه الحروب من كوارث ومآسٍ تراجيدية.. فأصوات الشعوب ليست غائبة وهي ترى أنه حتما لن تُنتج تلك الحروب حتى بحدودها الموضعية إلا مزيد ضحايا الحرب مما نعرفه جيداً وأن الحل السلمي الشامل هو الحل الذي يأتي بالبديل (الوحيد) الذي يمكنه أن ينقذ سوريا والسوريين والعالم من تراجيديا الآلة الجهنمية لحرب؟

ونعود لنؤكد أنه عدا عما تضمنته هذه المداخلة نؤكد هنا ما يعرفه الجميع من أن انطلاقة الثورة السورية كانت سلمية الطابع والهدف وأن جميع أطرافها المخلصة لقضايا الشعب أدركت أن الثورة خارج بعدها السلمي لن تتواصل وكل الأطراف المسلحة إنما جاءت دخيلة عليها كما أدركت حقيقة أن تغيير النظام وقبله وقف طغيان عنفه، لن يتم بالعنف و\أو الحرب.. وكل من تحدث عن ذلك كان يغطي أو يتستر على مآربه ومصادر إرساله واصطناعه.

لقد كانت حرب الإرهاب ومن وقف وراءه السبب في عرقلة فرصة التغيير الحقيقي يوم سرقت الثورة السلمية وحولتها إلى مجرد صراعات شراذم إرهابية مع نظام دكتاتوري فمنحته الحياة من جهة واستغلت العنف الوحشي لفرض إرادة البلطجة الإرهابية الظلامية.. واليوم إذ يقترب الشعب من تصفية تلك الشراذم يندفع من كان سببا في وجودها بشكل مباشر لخطابه وسياسته و\أو غير مباشر ليطلق فعالية تقع بفخاخ تتضمن دعمها..

وبات الوضع اليوم يقتضي مجدداً التنبه بأعلى درجات الحذر واليقظة على ما يجري من مغامرات.. وشعبيا في البلدان المعنية ومؤسسيا رأينا كيف جرى التصدي وإن بنسب متفاوتة من القوة ما يثير الخشية من احتمالات غير محسوبة العواقب إذا ما أعيدت الكَرَّة بعد أن يكون الوقت قد فات وانقضى.. ودوليا يلزم لتلك الدول التي تنظر قصيرا بتردد وبمصالح مؤقتة أن تعيد حساباتها لتقرأ التهديد الخطير للسلم والأمن الدوليين..

إن القضية اليوم، ليست قضية نظام وشعب ولا قضية دولة مارقة كما يحلو لزعيم دولة عظمى تسميتها ولكنها قضية الانتصار على ما اختلقوه من شراذم إرهابية إذا ما انتصرت على النظام فإنها بالحقيقة لا تستهدفه حصريا بل تستهدف إسقاط الدولة وفرض فلسفة ظلامية لتطيح بمشروعات التقدم والبناء والتنمية برمتها وتستعبد الشعب بمنظومة قيمية لا علاقة لها لا بدين ومعتقد ولا بمصالح شعب ولكنها الوسيلة الأمضى للاستغلال كي يواصل كل أشكال الإذلال والاستعباد بظل فوضى قوانين الغاب الهمجية…

إن سوريا والشرق الأوسط والعالم ليس بحاجة للغة الحروب والتهديد والوعيد والتجبر ولكنها بحاجة لفرض إرادة السلام لإعادة ضبط الأوضاع المنهارة وإطلاق مشروعات البناء والتنمية بخطاب التنوير الذي تحمله شعوب العالم بقيادة حركة حضارية متقدمة سامية بأوروبا وغيرها مع حلم شعوب الدول النامية والمتخلفة قسراً بأن تلحق بعالم المدنية والحضارة في منفذ باتجاه أنسنة وجودنا بعيدا عن أشكال العنف وهمجية آلته ووحشيتها.

لا تعليقات

اترك رد