الحوار في الفيلم السينمائي – ج1


 

يُعد الحوار في المسرح، أداة تعبير أساسية، لأن الممثل لا يستطيع أن يعبر عن الموقف إلاّ بالحوار. أما في السينما فالحوار يعتبر أداة تعبير ضمن عدة أدوات ، لأن السينما تعتمد، أكثر ما تعتمد، على التعبير بالصورة أولاً، ثم الصوت ثانياً. وقد نشأت السينما في عهدها الأول صامته، ثم سرعان ما زادت نسبة التعبير بخروج الفيلم من عالم الصمت إلى عالم الكلام. وعلى الرغم من أن إدخال الصوت على الفيلم، أحدث ثورة في صناعة السينما تفوق في عظمتها إدخال كل من اللون والبعد الثالث، وما إلى ذلك، على الفيلم، إلا أن الصوت أو الحوار يُعد أداة تعبير ليست أساسية، لأنه توجد حتى الآن مشاهد كثيرة من الأفلام صامته، لا تتضمن حواراً، ومع ذلك يكون تأثيرها في نفس المتلقي أشد، مما لو كانت تتضمن حواراً.
فالحوار في الفيلم مختلف عن أنواع الحوار الأخرى، في الرواية الطويلة، والقصة القصيرة والمسرحية والتمثيلية الإذاعية. فهو في الفيلم عامل مساعد أو مكمل، لتوضيح اللقطة أو المشهد، ذلك أن الفيلم عبارة عن مجموعة من اللقطات والصور والمشاهد. ولأن الصورة هي وسيلة كاتب السيناريو والمخرج للتعبير عن أفكارهما، ووجهتي نظرهما أو رؤيتيهما، وكان لا بد أن تحمل – الصورة – أكبر قدر ممكن من أدوات التعبير. والحوار هنا أداة من هذه الأدوات، وعامل مساعد لتوضيح أو تفسير ما صعب إيضاحه، لأن الحوار في الفيلم يتعاون مع باقي الوسائل الأخرى لإيضاح المعنى المطلوب، ولتعميق الأثر الذي ينشده كاتب السيناريو. ففي الفيلم يجد المؤلف نفسه في عالم يختلف تماماً عن عالم المسرح، لأن الفنيين في عالم الفيلم أهم من الفنانين، أو يتساويان معاً .
والمؤلف في الفيلم لا يفكر في بناء الحوار فحسب، بل يفكر في ملاءَمة هذا الحوار للحركة في الفيلم، ومسايرة ما يتطلبه الفيلم بالنسبة لعملية البناء الفني من توازن في شكل القصة ككل، والتوقيت في إدخال العناصر المختلفة في اللحظات المناسبة، والاقتصاد في تجميع خيوط الأحداث المصورة، حتى لا يشرد انتباه المتفرج لحظة واحدة.
ولا يعني ذلك أن الحوار في الفيلم ليست له أهمية، ولكن تأتي أهميته في المرتبة الثانية بعد الصورة. فالمؤلف المسرحي يستخدم الحوار، والمؤثرات الصوتية والحركات والموسيقى والمناظر والإضاءة، من أجل تأكيد المشهد وإبرازه. ولكن الحوار يبدو سائداً على كل هذه العناصر، أما في السينما، فالمؤلف يستخدم مع الحوار وسائل أخرى عديدة من وسائل التعبير السينمائي، مثل “المؤثرات الصوتية، والموسيقى، والحركة، والتعبير بالوجه، والملابس، والمناظر المتعددة، والإضاءة، والأعداد الهائلة من الممثلين، والمناظر الطبيعية، والحيل السينمائية العديدة التي تمس أفئدة المتفرجين، والألوان الباهرة، التي تسرق عين المتفرج، وتجسيم الشخصيات”.
فالحوار في الفيلم مرتبط بهذه الوسائل جميعاً، ولأن معنى هذه الوسائل ومغزاها يبرز في الفيلم، مثل الحوار تماماً؛ أي أن كل وسيلة منها تُعد وسيلة تعبيرية كالحوار تماماً، ولذلك يجب أن يكون الحوار قادراً على التعبير المطلوب إبرازه، بجانب هذه الوسائل جميعاً.
ولا بد للحوار في الفيلم من أن ينبع من طبيعة الأحداث، معبراً عن الغرض المطلوب إيضاحه، موضحاً الشخصيات، مؤكداً موقف الشخصيات من بعضها بعضاً، مساعداً على تطور الحدث.
وتتضمن الحوار في الفيلم لحظات صمت، يكون التعبير خلالها بالصورة فقط أعمق وأشد تأثيراً. فالصمت لحظة من لحظات الكلام في الحوار، وعلى المؤلف أن يكون مدركاً للحظات التي يجب ألاّ يكون فيها حوار، ويختارها بدقة، ويدرك لم فُضَّل الصمت هنا على الكلام، أو لمِ فُضَّل الكلام هنا على الصمت، فكل لحظة يجب أن تحمل مغزاها، وأن تعبر تعبيراً واضحاً عن المضمون.
وعلى هذا نجد أن الحوار في الفيلم جزءٍ من الكل، لا معنى له بمفرده. وقد يحدث أن تقرأ الحوار وحده في بعض المشاهد فلا ندرك مغزاه، لأن الصورة تتعاون مع الكلمة تعاوناً وثيقاً لإعطاء الحوار معنى خاصاً للمكان، ووضوح التعبير عن الموقف.
والحوار يعبّر عن شخصية قائلة، ويبلورها، وكما يعبر عن الموقف، ويجب أن يكون بسيطاً وسلساً حتى يفهمه ويتتبعه جميع الناس، فالفيلم يشاهده الرجال والنساء والأطفال، والمثقف والأمي، فلابد لكل من هؤلاء أن يستوعب ما يجرى أمامه من حوار. وليس معنى هذا أن يكون الحوار خالياً من أية قيمة، ولكن المقصود هو أن يكون خالياً من أية تعقيدات، في أسلوب الأداء، أو الصياغة الأدبية.
وتحاول الاتجاهات الحديثة في السينما التخلص من قيود الحوار، والاختصار منه على قدر الإمكان، والاعتماد على الصورة فقط للتعبير عن الأبعاد المختلفة، سواء للأحداث أو الشخصيات، لأن الفيلم صورة قبل أي شئ. وفي بعض الأفلام نجد مشاهد كاملة وكثيرة، لا يتخللها أية جملة حوارية، وهنا يعتمد كاتب السيناريو على الصورة فقط، فيحاول أن يجعلها قادرة على إيصال المفهوم المطلوب إلى المشاهدين.
أما بخصوص لغة الحوار، أو بصورة أكثر دقة، لغة الحوار في السينما بين العامية والفصحى، فإن أفراد الشعب جميعاً، بإستثناء قلة قليلة جداً، يتحدثون العامية، وعرض الافلام بالفصحى يقطع عملية التوصيل المطلوبة، لأنهم سريعاً ما يملون من الكلمات التي لم يتعودوا عليها.
ولذلك من الأفضل أن تكون اللغة، هي العربية الشبيهة بلغة التعامل اليومي، أي اللغة البسيطة، ولكن دون ابتذال. ولا يعني ذلك أن تكون هي اللغة الوحيدة في كل الأفلام، أو مع كل الشخصيات، فالأفلام التاريخية ـ مثلاً ـ لابد أن تكون لغة الحوار فيها العربية الفصحى، نسبة إلى أهمية التاريخ وعمقه في وجدان الأمة، أما باقي النوعيات من الأفلام فيناسبها اللغة البسيطة، دون ابتذال في الألفاظ.

1 تعليقك

  1. لا شك في أنَ الحوار في لغة الفيلم هو عامل مساعد كما جاء في مقالكم للمشهد أو الصورة السينمائية و هذا أمر يبدو محسوماً ، لكن يبقى للحوار اللفظي تيمة خاصة في أفلام سينمائية نوعية تعتمد عليه لابراز أو الكشف عن الشخصية و لتقوية المشهد أكثر و قد يلعب دواراً مهما أكثر من كونه كعامل مساعد بل كعامل حاسما و يحمل جوهر وحقيقة و فلسلفة الفيلم و لا خير دليل في ذلك أفلام العصابات مثلاً أو التجسس أو تلك الأفلام الدرامية التي اشتهرت خلالها أقوال و جمل قيلت أثناء المشاهد الحوارية و صارت اقتباسات كعبارة العراب الشهيرة : لدي عرض لايفوت لك ..

اترك رد