تفكيك الشكل وانسياب الحجم في أعمال زها حديد


 

إنھا المعمارية زھا حديد، القادمة من الشرق، التي شدت إليها عيون النقاد العالميين بتصاميمها الخارجة عن المألوف والقريبة إلى الخيال وتكويناتها الحجمية الثائرة على البيئة المحيطة، “فحديد برعت في مزج تصاميمها مع إطار المكان الذي تتواجد فيه، فتتمازج بدلاً من أن تكون منفردة على حد سواء”. بصمت زها حديد معمار عدد من حواضر العالم، بأوربا والولايات المتحدة الأمريكية وآسيا والعالم العربي، وكسبت شهرة عالمية فائقة في مجالها، لم يرتق سلمها مهندس عربي من قبل، باستثناء المعماري المصري حسن فتحي.

زها حديد اسم عربي لامع في مجال الهندسة المعمارية، تركت لنا أعمالا إبداعية تتميز عن المشاريع التي اعتدنا رؤيتها.. زها حديد العراقية الأصل والإنجليزية الجنسية، ترعرعت في بلدها الأم، وشقت طريقها إلى العالمية متحدية كل المصاعب والمتاعب التي واجھتھا في ميدان بات وقفا على الذكور، وفي بيئة قلما تعترف للمرأة بوجود، فتفوقت بإبداعاتها وفنھا رابطة بين تشكيل جمالية المعمار ووظيفة الفضاء، ومكسرة الحجم مخضعة إياه لمتطلباته الوظيفية.

زها حديد، المهندس المعماري الفنان ذو الذوق الرفيع والحساسية العالية. فهي مثال يجب أن يقتدي به المهندسون المعماريون العرب كي يكونوا عونا على محاربة الرداءة ونبذ العشوائية التي لطخت عمراننا ولوتت مدننا، والتي لا فائدة من وراءها سوى كسب المال. إنها المثال الذي يقتدى به في سد الفراغ الموجود حاليا في المشهد المعماري على الصعيد العربي.

زها حديد نجمة متألقة وأيقونة عربية بارزة في المجتمع العمراني/المعماري العالمي. أصبح لها مؤيدون متعصبون يحاولون أن يحذوا حذوها ويتعقبوا خطاها. فأجيج شعلتها دائم ومستمر ومتصاعد بلا توقف رغم الموت البغيت، واسمها حاضر في جوائز معمارية بارزة، حتى أن الإعلام المتخصص لايتوقف عن توثيق آثارها بحروف من ذهب. أما العربي منه، المنحاز تارة يمينا وتارة شمالا، فلا يجد مناص من سرد سيرتها رغما عنه.

وضعت حديد بصمتها على تصاميم شتّى في أهم مدن العالم: متحف الفن المعاصر في روما (maxi)، وأوبرا كانتون، وأوبرا

كارليف. ومصنع سيارات «BMW»، وصالة معارض فنية بسا سينيتي، وصالة موسيقى في مانشستر. واستقبلت مدن بازل وستراسبورغ وبكين وسيول وتايوان ونابولي وميلانو وبرشلونة والرباط ومون بيلييه ومارسيليا مشاريعها، كما أنها عملت على تصاميم حصرية في عالم الموضة والفن.

النشأة والدراسة

“أنا عربية عراقية، ولست بريطانية، فأنا أعيش هُنا فقط”.

ازدادت زها حديد ببغداد يوم الثالث من شهر أكتوبر عام 1950 وتوفيت يوم 31 مارس 2016، عن عمر يناهز 66 سنة. وهي من عائلة ثرية، أبوها محمد حديد (1907-1999) ،سياسي عراقي شغل مناصب وزارية عديدة.

كان للمحيط العائلي دوراً رئيساً في تربيتها وصقل موهبتها وحصولها على تعليم من أعلى مستوى.

وعن طفولتها تقول زها حديد:” خلال طفولتي ترددت على مدرسة دينية متواجدة بأحد المعابد ببغداد، كانت المديرة صارمة رغم كونها تحررية، وكانت التلميذات من ديانات مختلفة: مسلمات ومسيحيات ويهوديات … أتذكر العطل التي كنا نقضيها بالأهوار (مروج ومحميات طبيعية تقع جنوب العراق) … كنت مفتونة بالطبيعة الخلابة واندفاق المياه والرمال، وبالحياة البرية المتناثرة على جنبات الوادي… ومن تم تكونت لدي أفكار نسجت من خلالها روابط بين منطق الرياضيات والفكر المعماري والتجريد”.

تابعت زها حديد دراستها الابتدائية والثانوية ببغداد وحصلت على شهادة الليسانس في الرياضيات من الجامعة الأمريكية ببيروت، ثم التحقت ب l’Architectural Association School of Architecture بلندن، وبعد تخرجها عملت متعاونة مع المهندسيْن المعماريين Rem Koolhaas و Elia Zenghelis. وموازاة مع ذلك، كانت لها مناصب للتدريس في مدرسة التصميم التابعة لجامعة هارفارد، وفي كلية الهندسة في جامعة إيلينوي، بالإضافة إلى تدريسها بجامعة كولومبيا وييل وجامعة الفنون التطبيقية في فيينا.

فلسفتها في المعمار

“لم أكن أحب أن أوصف بالمرأة المهندسة، أنامهندسة، ولست امرأة مهندسة”

“في نهاية القرن العشرين اكتشفت عالم الهندسة كفن وليس كعلم خالص. شخصيا أعتقد أن المعمار طريقة عيش لا تتلخص فقط في إنشاء المباني. وهنا تتموضع فلسفتي ورؤيتي قبل أي تصور معماري. لأن التيار البنائي يدمج البيئات لدرجة غياب الحدود بين الداخل والخارج، فتصبح هذه التصورات أمكنة عامة وليست خاصة، والفضاء العمومي لا يجب أن يكون متميزا عما يربطه بالمكان الشعبي الحي”.

بدأت اهتماماتها كي تصبح مهندسة معمارية منذ طفولتها، وكان أول عمل قامت به تصاميم ديكور غرفتها، كما كانت تراقب تصاميم المباني المجاورة لها، وقد تكونت لديها النواة الأولى للفكرة منذ أن كانت في سن السادسة من عمرها حيث رافقت أباها لزيارة معرض المهندس المعماري الأمريكي Frank lloyd Wright (1867 – 1959)، الذي نظم آنذاك بدار الأوبرا ببغداد. ثم توالت الأحداث ولا أجد بدا من حكيها على لسانها إذ تقول:”سنوات مضت، أخذت الطائرة، شتاء، من نيويورك إلى شيكاغو وكانت الساعة تميل نحو الغروب. بدت لي المشاهد الطبيعية والمدن بدون ألوان، فتضاد الأسود والأبيض وحده كان واضحا. الوديان والبرك يبدوان حمراوان بلون الدم، إنه لمنظر عجيب. لن نكتفي فقط بالقول إن تلك المشاهد كانت جميلة بل هي تتمتع بخصوصيات النور والحياة. واكتشفت أشكالا ديناميكية تعتمد على تكنولوجيات حديثة، تذكرني بمدرسة الباوهاوس وفلسفتها. فراودتني فكرة ابتكار أشكال ديناميكية كانت بالنسبة لي تحديا أترجم من خلاله المنطقي والمادي موظفة مشاهد جديدة وخامات غير منتظرة”.

وكان للمهندس البرازيلي Oscar Niemeyer(1907-2012) الأثر الكبير على مسارها الفني والمهني: ” تأثرت تأثرا كبيرا بأعمال أوسكار نيمايير، وخاصة احساسه بالمساحة. إبداعه وإحساسه هذا بالمساحة فضلا عن موهبته الفذة كلها عناصر تجعله متميزا ولا يعلى عليه، فأعماله هي التي الهمتني وشجعتني على ان أبدع اسلوبي الخاص مقتدية ببحثه على الانسيابية في كل الأشكال.”

تصاميم بين الواقع والخيال

تابعت البحث والاختراع في الوقت الذي كانت تظن أن المعمار وأشكال الابتكار تتطور، في إطار معاصر، حسب طريقة موحدة ووحيدة. عملت جاهدة على “إنجاز عمارة متألقة كمجوهرات معزولة”. بهدف توحيد الابتكارات الجديدة لتتشكل من خلالها مشاهد أخرى أصيلة، تظهر “بارزة مع المدن الحديثة وساكناتها”.

كان أول مشروع قدمته زها حديد لأطروحتها الجامعية يتناول إشكالية “العلاقة بين المظهر الشكلي والمظهر الإيديولوجي للمشروع” الهندسي، عبر تأويل التكتونية (tectonic) في منجز الفنان الروسي Kazimir Malevitch (1878 – 1935).

وكانت أول بداية حياتها العملية مع شركة «ميتروبوليتان للهندسة» تحت إشراف أستاذها المهندس الهولندي المعروف روم كولهاس، ثم افتتحت بعد ذلك مكتبها الخاص. وخلال ثمانينات القرن الماضي، تميز اسمها وكسبت شهرة عالمية باشتغالها على عدد من المشروعات الكبرى، التي أوصلتها إلى تقلد عدد من الجوائز العالمية. كانت تلك المشروعات بمثابة رهان قطعته على نفسها وتحد لما كان يروجه بعض المهندسين من أن منجزاتها يسومها التعقيد لدرجة يستحيل إنجازها على أرض الواقع، معقدة للغاية وغير مسبوقة في مدارس الهندسة العالمية.

ويقول ناقد الفنون المعمارية ” اندرياس روبي ” متحدثا عن تصاميمها ومشاريعها: “مشاريع زھا حديد تشبه سفن الفضاء تسبح دون تأثير الجاذبية في فضاء مترامي الأطراف، لا فيھا جزء عال ولا سفلي، ولا وجه ولا ظهر، فھي مباني في حركة انسيابية في الفضاء المحيط، ومن مرحلة الفكرة الأولية لمشاريع زھا إلى مرحلة التنفيذ تقترب سفينة الفضاء إلى سطح الأرض، وفي استقرارها تعتبر أكبر عملية مناورة في مجال العمارة”.

كشفت زها حديد عن أعمالها من خلال المعارض التي نظمتها والتي شملت التصاميم المعمارية والرسومات واللوحات الفنية، وكان أول معرض لها ب GA Gallery المعمارية بلندن عام 1983، ثم أعقبتها بمعارض أخرى بكل من متحف جوجنھايم بنيويورك عام 1978 وطوكيو عام 1985 ومتحف الفن الحديث في نيويورك عام 1988، وقسم الدراسات العليا للتصميم في جامعة هارفارد عام 1994، وصالة الانتظار في المحطة المركزية الكبرى بنيويورك عام .1995 كما تتواجد أعمالها بصفة دائمة في متحف الفن الحديث بنيويورك ومتحف العمارة الألمانية في فرانكفورت.

ويصنف النقاد أعمالها كمنجزات بارزة في الاتجاه التفكيكي (Deconstructivism)، وهو تيار يرفض النظام الخطي في المعمار الحديث ويعرف كممارسات معمارية ترفض التاريخانية (المابعدحداثية) والأشكال المغلقة التي عرفها المعمار الحديث، ليعتمد على الأحجام الموشورية والمتعرجة والتجميع المزوَى وغير المحتمل. وهي جمالية معمارية تكسر الأحجام بغية التعبير عن هموم وترددات العالم المعاصر والفوضى العارمة التي أضحت قيمة مضافة للمنشآت المدنية.

ويصف المفكر تشارلز جنكس التفكيكية، في كتابه” new modernsim “، بأنها “عمارة التكسير واللاتماثل والاتساق. وهي عمارة مليئة بالمفاجآت غير المتوقعة تستخدم مفردات كلاسيكية بصورة معكوسة أو مشوهة، عمارة كلاسيكية وضد الكلاسيكية في آن واحد”. ويتميز تيار التفكيكية في القيمة التعبيرية للإنشاء، بتحطيمه الفروق القائمة بين الرسم والنحت ودمجها في بوتقة معمارية متكاملة، لا تخلو من تلمس الاتجاه الوظيفي فيها. فهو تيار نبذ كل التكوينات الزخرفية… مبدأ يتقاسمه مع تيارات معمارية سبقته في الزمن. ومع التفكيكية نجد القيمة الجمالية للمبنى تنحصر فيما تبديه العلاقات الشكلية للأحجام والكتل والفراغات كما تبرزها المعطيات الإنشائية، باستعمال خامات جديدة كالمعدن والزجاج واللدائن. وتدعو عمارة التفكيكية إلى هدم كل الأسس الهندسية الإقليدية، بتفكيك المنشآت إلى أجزاء تستدعي إعادة النظر في العلاقات القائمة بين الإنسان والعمران، فيغيب التباين المألوف بين شكل المبنى والأرض المقام عليها، أي التباين التقليدي بين الهيكل الإنشائي والمحيط العمراني.

ويعتبر فيليب جونسون، أحد رواد الأسلوب العالمي «International Style»، أول من استبق بفنه التغييرات الأسلوبية الجديدة في المعمار الأمريكي. فنظم سنة 1988 بمتحف الفن المعاصر بنيويورك معرض الهندسة المعمارية التفكيكية Deconstructivist Architecture معتمدا مفهوم التفكيك المقتبس عن البنائيين الروس الذين ظهروا خلال عشرينات القرن الماضي، وأفكار الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا Jacques Derrida و شمل المعرض أعمال معماريين أوربيين وأمريكيين منهم: Peter Eisenman, Rem Koolhaas, Zaha Hadid, Daniel Libeskind, Frank O. Gehry, Bernard Tschumi, Coop Himmelblau..

إذا كانت مشاريع زها حديد تبدو أنها تميل إلى شكلانية البنائيين الروس أكثر من وظيفية مدرسة الباوهاوس الألمانية، أي تعطي أولوية لجماليةالشكل/الحجم أكثر منها للوظيفة، فهي رغم ذلك تحمل شعار: “أشكال جديدة تتولد عنها طرق عيش جديدة”.

سخرت زها حديد التكنولوجيات الحديثة لتصميم مشاريعها باستعمال أدق البرامج الرقمية المتخصصة التي توفر لها إمكانية بناء كتل ديناميكية غير مستقرة، ولولا تلك البرامج ما كانت أحلامها لتتحقق. فمشاريعها تتشكل من تشبيكات الخطوط الممدودة والمنحنيات والزوايا الحادة، والأشكال الضيقة، والسطوح المتراكبة. إنها عناصر كلها تشكل أبجدية اللغة المعمارية لدى زها حديد وتضفي على ابتكاراتها التعقيد والخفة. فهي تنجح في توظيف تلك اللغة بإتقان معتمدة على تكوينها العلمي وحدسها الرياضي، مقترحة بدائل للإسقاط التقايسي، خالقة هندسة فضائية غير مسبوقة متأصلة من فيزياء الكوانتا. وهي أيضا ترجمة تعكس تطور الإدراك الناتج عن التكنولوجيات الجديدة الناسخة لثلاثية الأبعاد، والمعوضتها بتزامنية الانطباعات وامتزاج الأشكال، وبتوظيف الإمكانات الإبداعية التي يوفرها الحاسوب: “فالمعمار إذاً لم يعد تخمينا بل اتصالا وروابط وشبكات”.

عكس ما يبدو للمشاهد فمشاريع زها حديد، لا تقحم كتل دخيلة ومستقلة داخل مواقع عمرانية بكر، بل بالعكس، منشآتها هي عبارة عن تعزيزات عمرانية ذات قيمة تشكيلية عالية، تمتد على طول محيطها لتتمم وتستر العيوب العمرانية المحتملة، كابسة لكل الطاقات الهائجة التي تظهر قوة العمارة، انطلاقا من التخطيط الأولي حتى أساسية المشروع. فمنجزاتها تخلق فضاءات متحررة من أي إكراه وتملأ المحيط البيئي بمقاطع وسطوح تشج المشهد الطبيعي فاتحة فضاء لم نتخيل وجوده من قبل، وتخطيطاتها الأولية عبارة عن خطوط سوداء عفوية واعتباطية مسطرة بذكاء على صفحات بيضاء كمسودات مفتوحة للتأويل، أدت بالتيقنات التي وسمت مشاريع بداياتها الأولى إلى إخلاء المكان لسبر حركية التجريد الواسع لتشع قواه من بؤرة منحدرات وأحجام لولبية وأشكال إيجابية مطوية ومتداخلة فيما بينها، غير مسكونة تشبه سلورات تنزلق فوق بعضها البعض كي تكون تنظيمات فضائية دائمة الكثافة.

ويبقى المعمار بالنسبة للمجددين من أمثال زها حديد بناء مجزأ لعالم يبتغي من خلاله المهندس المعاصر تمثيل حقيقة المعاصرة، التي تجد “جذورها في ذوبان الموضوع والشيء في آن واحد، وتسقطهما على المشهد المعاصر الذي تصوغه من جديد ليصبح مكانا لمباشرة أسفار ومغامرات لانهاية لها”، فتتحول الإدراكات والتصورات والرِؤى إلى تشخيص أشكال أصيلة ومختلقة، هي أس كل حقيقة تمكننا من “بناء عالم جديد نسكنه ولو بأعيننا… عالم موسوم بالحرية، يخلصنا من الماضي ومن التقاليد الاجتماعية والقوانين الفيزيائية وحتى من أجسادنا” (زها حديد). رغم كون منجزاتها تبدو هائلة الحجم فإنها تظهر كأحجام شفافة وبتخليها عن الصفائح التكتونية تقترح معالجة هندسية بنيوية تحرر الفضاء من حدوده، محافظة على استمرارية المشهد الذي يتظاهر مرة عبر امتدادات في الهواء الطلق الشاسع ومرة أخرى ساكنا الأحجام الداخلية الهائلة.

لقد أسست زها حديد لقواعد معمارية جديدة تنبني على أرضية صلبة، “لها توازناتها وتناسقاتها المحسوبة وإن تجاوزت المألوف”، لذلك يرى بعض النقاد أن زها حديد “يمكن أن تُنسَب إليها مدرسة أو نمط مخصوص في فن العمارة، تحت عناوين من قبيل الحركية والانسيابية مثلا”، عوض أن تلصق بظهرها بطاقات أسلوبية ذات نكهة استغرابية/استشراقية، كما يجري عادة مع المبدعين غير الغربيين. فهي لا تغرف فقط من جذور ذات مرجعيات غربية مرتبطة بالمعاصرة، بل إنها “ابنة العراق التي تتحدث دائما عن انبهارها بالسجاد الفارسي والزخارف المعقدة التي تتحدى الفهم وتجسد مجهودات الأيدي الجماعية التي عملت على تحويل الواقع إلى سطوح حساسة وفضاءات بسيطة وقطع وافرة وغزيرة”.

وانطلاقا من هنا نجد سؤالين يعودان بإلحاح: أليس من المحتمل أن يكون المنحى الانسيابي الذي يميز مشاريعها المعمارية قد استمد روحه من روح الخط العربي؟

ألا يمكن دحض فكرة الارتباط بالقوالب الاختزالية المنتمية إلى “ما بعد الحداثة” و”التفكيكية”، والقول إن أعمال زها حديد تستمد روحها من الطبيعة والجذور العربية الأصلية؟

لا شك أن أعمال زها حدبد تخفي بين طياتها بصمات ذات أصول عربية، فهي التي نشأت نشأتها الأولى في بلاد الرافدين، وربما أيضا أن طرق ابتكار مشاريعها المعمارية تستلهم فنون الخط العربي، وربما كذلك أن “الحراك البصري الناعم في أعمالها المتأخرة يتناغم مع تشكّلات الكثبان الرملية أفقيا أو التموجات البحرية كما في مركز حيدر علييف في باكو، أو يتماهى مع تفاعلات الشجر في صعودها العمودي في غابات كمبوديا كما يتجلى في مركز للتوثيق في البلد ذاته، ثم إنّ الملمح البصري الحاد في متحف شيدته في جنوب التيرول الواقعة أقصى شمال إيطاليا لا يمكن أخذه بصفة مستقلة عن الطبيعة الجبلية الحادة للقمة التي انتصب فوقها”.

هناك من سيرى أن هذه مجرد احتمالات بعيدة عن الواقع، وأن أعمال زها حديد تنتمي فعلا إلى تيار التفكيكية العالمي الذي ميز الهندسة المعمارية المعاصرة، وكانت فلسفته ونظرياته أرض خصبة نمت في تربتها جل أعمال المعماريين الذين كانت زها حديد واحدة منهم. وما إرجاع مشاريعها إلى الخط والتراث المعماري العربيين إلا فكرة تجول بأذهان من يحملون على الحداثة وما بعد الحداثة الغربيتين ليثبتوا على وهم أن المبدع العربي يعمل مستقلا عن أي مرجعية عربية. إلا أن الحقيقة تثبت غير ذلك إذ من المعروف أن “الفنان ابن بيئته”. ولكن مع ذلك يجب القول إنه لولا انتماء زها حديد إلى تيار التفكيكية ما كان الغرب ليعترف بها ويجعلها تحصل على أعلى الجوائز العالمية، من بينها جائزة “Pritzker” للهندسة. هذا من جهة، ومن جهة أخرى ما كان العالم العربي لينتبه إلى قيمتها كمهندسة معمارية ذات صيت كوني إلا بعد حصولها على شهرتها في الغرب والولايات المتحدة الأمريكية.

لا تعليقات

اترك رد