إنما الأممُ الكهرباءُ ما بقيت


 

في اللغة فعل ( نَتَلَ ) نَتْلاً ونُتولاً ونَتلانًا ، نَتَلَ الرَّجلُ من بين القوم : تقدَّم ، و نَتَلَ الشيءَ نَتْلاً : جذبَه إِلى قُدَّام ، ونَتَلَ فلانًا : زجره ، نَتَلَ الوعاءَ ونحوه : استخرج ما فيه و النتل ( إسم ) : صوت الزجر للآخر . ( معجم المعاني ) ، عراقياً استخدم صيادو السمك في عصور ما قبل الكهرباء هذا المصطلح للتعبير عن نتل شص الصيد ( الصنارة ) و عند بزوغ شمس الكهرباء استخدموها للتعبير عن الصعقة الكهربائية حتى قال شاعرهم الشعبي ( يمه نتلني الأوتي صوجي لعبت بوايره أوف آخ رد ليوره ) ، للقارئ العربي يمكن اختصار ترجمة صدر البيت الشعري إلى أن القائل يعترف لأمّه بذنبه في صعق المكواة له بعدما عبث بسلكها ، أما عجز البيت فأترك أمره لعلماء اللغة و البلاغة و البيان

و الكهرباء ذات ” النتل ” ما نزال تائهين خلف غمامتها السوداء سواء من مولداتها المحلية التي تلد كهرباء لزقاق أو اثنين ، أو الوطنية التي تخدم الوطن كله فجميعها في العراق الجديد تعمل بنوع من أنواع المشتقات النفطية التي تلد مع الكهرباء حين تعمل غمامات التلوث و الأمراض الصدرية و الضجيج ، و حين تتوقف أمراض البرد و ما يلحقها من آلام الكلى و المفاصل شتاء و مواجهة الدرجة الخمسين من المحرار المئوي صيفاً ، تائهين في جدلنا حول ما إذا كانت وزارة النفط مسؤولة عن انقطاع التيار الكهربائي لأنها لا تزود المحطات بما يكفي من الوقود لتشغيلها أم أن وزارة الكهرباء لا تجهز وزارة النفط بما تحتاجه مضخاتها من الكهرباء لتستمر بدورها بتزويدها بالوقود اللازم لإنتاج الطاقة الكهربائية ، كتبت في ذلك قبل خمس سنوات من البرد و الحر و كانت قد سبقتها عشر سنوات من الظلام الذي نتخبط فيه متسائلاً إن كنا نسينا موضوع الجدل الأهم الدائر منذ بدء الخليقة حول ما إذا كانت البيضة من الدجاجة أم الدجاجة من البيضة لنتسلى بموضوع جديد تلوكه عجائزنا في أحاديثهن حول مواقد الحطب عما إذا كانت الكهرباء من النفط ام النفط من الكهرباء ، كان ذلك قبل أن يلجأوا مؤخراً لخصخصة الكهرباء فيما خصخصوا و باعوا و نهبوا ، لكن رغم شحة الكهرباء فقد كانت كافية لتزويد ” نتالات ” الشرطة بما يكفي لصعق المتظاهرين ضد خصخصتها . النتالة قد تدخل معجم المعاني ذات يوم و هي الآلة التي استوردناها لجهاز الشرطة يكهربون بها المتظاهرين ضد شحة الكهرباء !

و ما زال الجدل مستمراً . العالم يستغني تدريجياً عن النفط و مشتقاته كمصدر للطاقة ، مرائب السيارات في العمارات السكنية الحديثة و مواقف السيارات العامة صارت تزود بنقاط شحن السيارة الكهربائية القادمة التي بدأت بالفعل تحل محل سيارة البنزين و الديزل ، القطارات الحديثة و كثير من وسائل المواصلات تتحول إلى الكهرباء التي جعلت الحاجةُ لها العالَمَ يبتكر أساليب جديدة للحصول عليها ، ألواح الطاقة الشمسية التي لم تصلنا بعد صار يطلق عليها ( التقليدية ) بعد أن تجاوزها العالم إلى تكنولوجيا الطاقة الشمسية المركزة وهي مرايا تركز أشعة الشمس وتحولها إلى حرارة تصل إلى 400 درجة لتوليد البخار الذي يشغل توربينات تنتج الكهرباء ، اليوم هناك مشاريع مشتركة بين المغرب و كل من فرنسا و اسبانيا لتبادل انتاج الطاقة الكهربائية تصديراً و استيراداً ، كابلات عملاقة تحت البحر تنقل الطاقة الكهربائية المنتجة من أشعة الشمس و يتطلع المغرب الى استغلال 3000 ساعة من الشمس سنوياً لإنتاج وتصدير الكهرباء إلى الضفة الأخرى من المتوسط و نحن نضيع من أشعة الشمس آلاف الساعات كل سنة دون أن نقبض منها غير ما يقبضه نصف الصائمين من صيامهم ، الجوع و العطش .

لا ندري ربما يكون استخدام الشمس لتوفير الكهرباء فيه محذور شرعي او انه مكروه على الاحوط وجوبا و من أجل ذلك يستحرمون استخدامه ، ماذا عن استخدام القمامة ؟ تركيا اليوم تحول النفايات العضوية إلى مصدر متجدد للطاقة حيث تمكنت من تحويل القمامة من أزمة إلى مصدر متجدد للطاقة باستخدام غاز الميثان المنبعث من تراكم النفايات وتقليص الآثار البيئية السلبية التي قد تنتج بسببها وقد اقترحت إحدى الشركات العالمية المتخصصة بهذا المجال على الجهات المسؤولة في العراق ” شراء ” القمامة من المواطن مباشرة تغطى أثمانُها من أجور تجهيز المواطن بالطاقة الكهربائية و لو كتب لهذا المشروع النجاح لضربنا خمسة عصافير بحجر واحد ، نتخلص من أكوام القمامة التي تعجز البلديات عن جمعها و نشجع المواطن على جمعها بدل رميها عشوائيا و نوفر عائداً مادياً للبعض مهما كان ضئيلاً فهناك من يحتاجه إذ أن كثيراً من الفقراء يعتاشون على جمعها ، نوفر طاقة نظيفة و نوفر كميات كبيرة من مشتقات النفط بتقليل الإعتماد عليها في إنتاج الكهرباء ، لكن الإقتراح رفض .

لم نعد ننتج الكهرباء لأغراض الصناعة إذ أن حوالي 40 ألف مشروع وأكثر من 80% من المصانع متوقفة بسبب الانقطاع المستمر للكهرباء بحسب تقديرات اتحاد الصناعات العراقية و كل ما يتطلع إليه المواطن اليوم مدفأة شتاء و مبردة هواء صيفاً فحتى سخان الماء الكهربائي اعتبرته الحكومة نوعاً من البطر فحمل المتظاهرون الغاضبون من دعوة وزير الكهرباء للإستغناء عنه عام 2015 سخان الماء فوق رؤوسهم للتعبير عن هذا الغضب

إنما الأمم الأخلاق ما بقيت…. فـإن هُمُو ذهبــت أخـلاقهم ذهــبوا . أما عن الأخلاق فقد ذهبت ، قايضناها بالفساد الرسمي والشعبي وبأنواع المخدرات و الإنفلات الأخلاقي الذي بشرت به الديموقراطية الأمريكية . ألا يقايضونا بقليل من الكهرباء مقابل الشمس التي تسمطنا طوال السنة أو مقابل القمامة التي ننتجها لهم مجانا ً ؟ ( سَمَطَ الدَّجَاجَةَ : أَزَالَ مَا عَلَيْهَا مِنْ رِيشٍ وَشَعرٍ، و سَمَطَ الذبيحةَ سَمْطًا : غمسها في الماءِ الحارّ ، أو في مادة كيمياويةٍ ، لإِزالة ما على جلدها من شعر أَو ريش قبل طبخها أو شيِّها أَو دَبْغِ جِلْدِها ) . شكراً لمعجم المعاني .

لا تعليقات

اترك رد