أعلنوها مقاولة وأرفعوا الجثث


 

من المفزع في عصر التوحش الإنساني والموت، أن تطالعك الأخبار بأن أكثر من ألفي جثة بقيت تحت ركام البيوت وأنقاضها في الموصل، وبعد شهور على إعلان تحرير المدينة من الإرهاب العالمي.

ربما تغفو جثة إرهابي إلى جنب جثة لضحيته، وجثة مسنّ إلى جنب طفلِ ولد ليقتل باكراً، الرائحة في هواء المدينة واحدة، نداء النجدة الذي يطلقه الأهالي واحد، غير أن عمليات رفع تلك الجثث ظلت بطيئة ومتلكئة وبعضها بقي معتمداً على الجهد الطوعي القاصر، إذ لا آليات ولا معدات، فماذا ينتظر من بيدهم الأمر؟

ربما أنتظروا أن يدرج رفع الجثث بنداً في كشوفات إعادة الإعمار، إذ لرفع الجثة الواحدة سعرها الذي يفاوض المقاولون عليه، تماماً كما لرفع الألغام أسعارها، ففي الرقة السورية وصل سعر إزالة اللغم من البيوت المهدمة إلى سبعين ليرة سورية، الطرفة أن من كان يقدم عروضه لرفعها هم واضعوها، فمصائب الشعب هي فوائد وإستثمارات وعقود لدى أصحاب رؤوس الأموال والصفقات المشبوهة على طاولات القمار ورنين الكؤوس.

في أمريكا وعقب الإعصار الذي ضرب مدينة نيو أورلينز عام (2005)، لم يترك الرأسماليون وشركاتهم فرصة إلا وأستغلوها، حتى تمّ منح عقد رفع الجثث وإزالة آثار الإعصار إلى “كينون” أحد أقسام شركة مراسم الدفن الكبرى وأبرز الجهات الممولة لحملة بوش الأبن، كلّفت الشركة الدولة هناك كما تذكر الكاتبة نعومي كلاين في كتابها (عقيدة الصدمة صعود رأسمالية الكوارث) مبلغ (12500) دولار للجثة الواحدة، مع ذلك تذكر أن الشركة فشلتْ في تحميل الجثث أسماء أصحابها الصحيحة.

إن رفع الجثث، واحد من مداخيل إقتصادات الحروب، وواردات الشركات المتعددة الجنسية، نحن في زمن يقتل فيه المرتزق ضحيته مقابل ثمن، وتباد المدن بسعر الجملة، وترفع جثث القتلى بمزايدة علنية، وتنظر فيه شركات المحاماة إلى السجناء على أنهم دولارات في قفص.

إن الإنسان في أمريكا والإنسان في العراق أو سوريا أو أي مكان في العالم، يتعرضون لنفس الإبتزاز اللّا أخلاقي، على يد المارقين، لا ينكر ذلك من يعرف أن شركة “هالبرتون” كانت تتبع الجيش الأمريكي في زحفه نحو بغداد، وأنها غدت صانعة القوانين خلال الإجتياح الأمريكي للعراق، لأن مديرها التنفيذي الأسبق هو ديك تشيني نائب الرئيس بوش، وأحد القائلين بضرورة الحرب على العراق.

يشبه الأمر تنسيق ممثلين عن مائتي شركة روسية أجتمعوا على مائدة طعام في غرفة التجارة الروسية مطلع العام (2018)، لمناقشة كيفية الإستثمار في نتائج العمليات الحربية في سوريا،

ويتباحثون بجد حول الإستيلاء على حصة سوريا من الغاز المكتشف في البحر الأبيض المتوسط.

هل يبقى بعد هذا كله، للغرابة والعجب من مكان، إن بقاء الجثث ربما كان لأن أناساً فاسدين ينتظرون تخصيصاً مالياً لرفعها، على الأرجح أنهم أنفسهم الذين تسببوا بسقوط المدينة وتشريد أهلها وموتهم في العراء، المتربحون من قتل الأبرياء ومن دفنهم، هم الفاسدون دائماً.

لا تعليقات

اترك رد