ملامح التجديد في شعر عصر النهضة العربية – ج3 والاخير


 

لقد حافظ الشعراء على اصالة عمود الشعر العربي وموسيقاه واوزانه والاسلوب الشعري القديم المتمثل بالقافية الواحدة والبيت الشعري الواحد المتكون من شطر وعجز في تنسيق متسق وبحر واحد أي متساوي التفاعيل الوزنية او موحد الموسيقى الشعرية للبيت الواحد بحيث تكون كل القصيدة مهما طالت ذات تفاعيل محددة الوزن ضربها الموسيقي واحد لاتخرج عما رسمه في الاصل الشعراء العرب وهو المالوف في الوزن الموسيقي للشعر العربي وكذلك الالتزام بالقافية الواحدة في القصيدة.

وسيبقى كذلك عمود الشعر طويلا مرتفعا مهما اختلفت الاغراض والفنون الشعرية واساليب الشعراء شامخا وله االقدح المعلى والجو الانسب على امتداد الوطن العربي حيث الاذن الموسيقية العربية جبلت عليه واستساغت سماعه واستسمجت كل انواع الشعر الا اياه فقديما وحديثا كانت القصيدة العربية التقليدية هي الاساس الشعري في الادب العربي وما جاء بعدها عيال عليها او تفرع منها وليس الفرع كالاصل ومن قصائد عمود الشعر هذه الابيات للشاعر العربي على محمود طه في استنهاض همم الشعب العربي ودفعه الى الثورة بوجه الطغاة يقول فيها \

اخي جاوز الظالمون المدى
فحق الجها د وحق الفدا

اتركهم يغصبون العروبة
مجــــــد الابــــوة والسؤدد ا

وليسوا بغير صليل السيوف
يجيبون صوتا لنا او صدى

فجرد حسامك من غمده
فليس له بعد ان يغمد ا

اخي ايها العربي الابي
اري اليوم موعدنا لا غدا

اخي اقبل الشرق في امة
ترد الضلال وتحي الهد ى

اخي ان في القدس اختا لنا
اعد لها الذابحون المدى

صبرنا على غدرهم قادرين
وكنا لهم قدرا مرصدا

اخي قم الى قبلة المشرقين
لنحمي الكنيسة والمسجدا

يسوع الشيد على ارضها
يعانق في جيشه احمدا

بدات المحاولات الداعية الى التخلص من وحدة القافية في القصيدة الواحدة في الشعر العربي في العصر العباسي الثاني وفي الاندلس كظهور الموشحات الاندلسية والمواليا و المثلث والمربع والمخمس وحتى الزجل .

ظل الشاعر العربي ملتزما بوحدة القافية و موسقى البحر الواحد الا ان في بدايات القرن العشرين وجد من شعراء المهجر من دعى الى الثورة على الاسلوب الشعري القديم فدعوا الى التحرر من هذه القيود فنظمو شعرا من غير وزن ومن غير قافية او خرجوا فيه عن المالوف في الوزن الموسيقي للشعر العربي وكذلك لم يلتزموا بالقافية الواحدة في القصيدة .

وعن شعراء المهجر تسربت هذه الحالة الجديدة في الشعرالعربي الى الاقطار العربية فظهرت في اغلب البلاد ما يسمى بالشعر الحر فهو اشبه بثورة على الشعر القديم شعر التفعيلة في بناء القصيدة وقد التزمت قصيدة الشعر الحر نغمة البحور الحرة السبعة من بحور الفراهيدي فتخلصوا من نظام الشطروالعجز وابتعدوا عن النظم بالعمود الشعري المتسق المتناسق في البناء وظهرت منازعات بين رواد الشعر العمودي الذين اعتبروا الشعر الحر ضرب من ضروب انواع النثر وانه نقص في شاعرية الشاعر او في اذنه الموسيقية اخرجته عن المالوف وبين رواد الشعرالحديث الذين يعتبرونه من متطلبات العصرالحديث.

ولا اعلم ان كانت هذه الطريقة اهي نقص في شاعرية الشاعر العربي الحديث مع العلم ان هناك قصائد في الشعر الحر رائعة وجميلة وذات خيال شاعري يهز الوجدان هزا ام انها طريقة جديدة مبتكرة لنظم الشعر اقتضتها ظروف الحياة في هذا العصر الا اني اقول ان طبيعة العربي ستبقى متاثرة بالقصيدة الشعرية ذات التفعيلة الواحدة والقافية الواحدة لدى سماعها او مطالعتها وتشد المواطن العربي اليها اكثر من قصيدة الشعر الحر الخالية ويظل المواطن العربي ينظر الى قصيدة الشعر الحر انها تمثل قصيدة النثر وقد اثبت الزمن صحة ذلك خلا ل هذه الايام على كثرة ما قيل في الشعرالحر ونظم فيه من دواوين شعرية واني رغم كتابتي قصائدي ملتزما بالقصيدة العمودية ذات القافية الواحدة والوزن الواحد فقد كتبت بعض قصائدي عل ى نسق قصيدة النثر التي اقر ان بعضها روعة في الجمال والخيال الشعري الا اني افضل القصيدة العمودية الموزونة المقفاة عليها .

واشعر انها قصيدة الشعرالعربي قديما وحديثا واني شعرت حين اكتب القصيدتين ان الاولى اعلى قدرا وافضل سماعا واكثر تاثيرا في الوجدان العربي ومع هذا تبقى قصيدة النثر حاجة ملحة لشعر هذا العصر ولعلي ارجع يوما للتفضيل بينهما واكتب فيهما .

من اشهر شعراء قصيدة الشعرالحر وروادها بدر شاكرالسياب وعبد الوهاب البياتي وصلاح عبد الصبور ونازك الملائكة وميخائيل نعيمة وجبرا ن خليل جبران وغيرهم كثير…

ومن الشعرالحر هذا النموذج للشاعرة نازك الملائكة تقول :

في دجى الليل العميق
راسه النشوان القوه هشيما
واراقوا دمه الصافي الكريما
فوق احجار الطريق

——————-

وصباحا دفنوه
واهالوا حقدهم فوق ثراه
عارهم ظنوه لن يبقى شذاه
ثم سارو ا ونسوه

———–

حسبوا الاعصار يلوي
ان تحاموه بستر اوجدار
وراءو ان يطفؤا ضوء النهار
غير ان المجد اقوى

——————

ومن القفبرالمعطر
لم يزل منبعثا صوت الشهيد
طيفه اثبت من جيش عنيد
جاثم لا يتقهقر

——————-
يا لحمقى اغبياء
منحوه حين اردوه شهيدا
الف عمر وشبابا وخلودا
وجمالا ونقاء

* * *
ومن الفنون الشعرية الحديثة التي ظهرت جراء النهضة العربية الشعر التمثيلي او المسرحي وهو فن طارئ على الادب العربي اقتبسه العرب نتيجة اتصالهم بالغرب وتاثرهم بهم من خلال البعثات الثقافية والترجمة واطلاع بعضهم على المسارح الغربية فقد اطلع الشعراء العرب على حركة المسارح الغربية وما يعرض فيها مما كتبه الادباء الغربيون من مسرحيت شعرية مثلت على المسارح فاقدم بعض شعرائنا على محاكاتهم بدافع حب التشابه الى نظم مسرحيات تمثيلية باللغة العربية فنظموها شعرا .

وقد نجح هذا النوع من الشعر في اول بداياته الا انه ركد او مال الى الركود مع مرورالزمن وقد كانت اغلب الروايات الشعرية مستقاة مادتها من التاريخ ومن اشهر من كتب في هذا الشعر واوجده الشعراء احمد شوقي وعزيز اباظة من مصر و خالد الشواف من العراق وغيرهم .
وهذا مقطع من مسرحية –كليوباترة – شعر احمد شوقي –

اونيس – محاولا اسعاف الجرح –

تلك انفاسه توالى وهذا                 جسمه لا يزال غضا طريبا
هو ذا قد تخلجت شفتاه                  وتهيا لسانه ليثو با
ايها الملائكة ارفقي بجريح              بات تحت الرواء جرحا صبيبا
لاتناديه بالدموع مرارا                  ربما ضر جرحه ان يجيبا

انطونيو-

كليوباتره عجب انت هنا                 لم تموتي هم اذن مكذبون

كليوباترة –

سيدي روحي حياتي قيصري                     امن حي

انطونيو

بعد حين لا اكون

كليوباتره

من تعاني كذبا من قالها لك

انطونيو

      اوملبوس النذل الخؤون
مر فاستوقفته اساءله
                                               قال ماتت فتجرعت المنون

* * *
تميز الشعرالعربي في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين بنهضته وثوريته فكان الشعر سياسيا ثوريا ناهضا وكان الدافع الرئيس لهذا الامر هو الحالة الجديدة الناهضة في الوطن العربي فقد شارك الشعراء العرب في اذكاء كل حركات التقدم و الثورة العربية وكا نوا رؤوساء او دعاة لها او مشتركين فعليا فيها فهم الاساس الاول في النهضة العربية لذلك فالمطلع على شعر شعراء النهضة العربية في بدايات هذا العصر يجد ان القصيدة العربية تقطر د ما في ثورة جامحة صارمة كأن ابيات قصائدهم سيوفا مصلتة مسلولة من اغمادها وهم قد ركبوا جيادهم للجها د في سبيل الحق ونصرة شعبهم والذود عن وطنهم المسلوب وهم يرون ان الامم قد تقاسمت اسلابهم فهتفوا في الشعب العربي وتغنوا ببطولات هذا الشعب الذي استجاب لهذا النداء فهب كالمارد يشق طريقه الى الحرية و الانعتاق وطرد الاستعمار وينشد النور والامان و بالايمان بقدراته وروحيته الابية الطامحة الى العلو والارتقاء والثورة والرفعة .

والشعر السياسي يمثل الاحداث العربية تمثيلا صادقا فقد ذكرت فيه الصغيرة والكبيرة من الاحداث التي ألمت بالامة العربية وكان الشعراء صوت الشعب الهادر والمدوي.

فالشعرالعربي كان نارا تلتهب لتحرق ظهور المستعمرين وثورة في نفس العربي تزيدها قوة واندلاعا فالشعراء كل الشعراء هتفوا للتحرر العربي وطرد المعتدين والفخر في الشخصية العربية واذكاء نار الثورة فيها . يقول الشاعرالاخطل الصغير في هذه الابيات من قصيدته ( سائل العلياء عنا والزمانا ):

سائل العلياء عنا والزمانا
هل خفرنا ذمة مذ عرفا نا

المروءات التي كانت بنا
لم تزل تجري سعيرا في دمانا

ضجت الصحراء تشكو عريها
فكسوناها زئيرا ود خا نا

ضحك المجد لنا لما رءانا
يد م الابطال مصبوغا لوانا

عرس الاحرار ان يسقى العدى
اكؤسا حمرا وانغاما حز ا نا

ومع كل ماتقدم نقول ان الفنون الشعرية في بدايات عصر النهضة العربية التي ظهرت حديثا وانشد فيها شعراءالعربية قصائدهم كثيرة الا ا ن اغلبها كا ن في الثورة العربية والتغني بامجادها ورموزها وتكريس ما لاقته البلاد العربية من نكبات واحداث ومن اهمها نكبة دمشق ونكبة ضياع فلسطين واستلاء اليهود عليها .

لذا تبقى هذه القصائد الوطنية هي السمة الغالبة لهذا العصر والمحرك القوي للشبا ب العربي المؤمن برسالة امته واعادتها الى سالف عهدها التليد . وهذا ما ننشده ونسعى اليه .

لا تعليقات

اترك رد