خمسة عشر عام من المهزلة


 

في يوم الأثنين الماضي، كان الذكرى الخامس عشر لسقوط بغداد بأيدي التحالف الأمريكي.

و كما العادة لدينا نحن شعوب الشرق الأوسط، فإن الشعارات لدينا مهمة، لا بل حتى أهم من المحتوى نفسه. فمجرد تسمية الشيء هو محل نزاع خصب.

و هنا يجب علي ككاتب، أن اختار المسمى بشكل دقيق لكي لا احسب على طرف ما، فنفس الحدث التاريخي يمكن ان يسمى بأسماء متعددة، و لكل أسم هناك توابع و مناصرين.

فدخول الأمريكان في العراق عن طريق اقحام القوة العسكرية على الارض يسمى احتلال. ولذا فإن الكثير من العرب (وانا واحد منهم) يعتبر هذه الحادثة نكسة و وصمة عار في تاريخ العراق.

لكن هناك من يسمي نفس هذه الحدث بالتحرير و يهلل بأن الاحتلال الامريكي قد أطاح بالنظام البعثي برمزه صدام حسين.

و بين هذان النقيضان، نجد اطياف متعددة بالوان مختلفة، من معارض و مناهض للحدث.

على كل حال، المهم ليس ما حدث، و انما تأثير ما حدث على مجريات الأحداث في الواقع، فالتاريخ هو الخامة التي نعمل عليها جميعا لاتخاذ قراراتنا.

و هنا نرى تعدد الاطياف و كيفية اتخاذ مواقفها على ضوء ذلك الحدث.

فالجزء الأول هم الذين رحبوا بالاحتلال و اعطوه مسمى “تحرير”، فهؤلاء هم الفئة المستفيدة من الاحتلال و على الأغلب من هؤلاء المتربعين الآن على عرش وادي الرافدين. ولكي لا يخسروا وجوههم، فهم لا يعلنون عن هذا و حتى أنهم يبرروا موقفهم من المحتل الأمريكي بصفته قوة امبريالية اطاحت بأحد عملائها (صدام).

الجزء الثاني هم الذين عارضوا الاحتلال لأنه أسقط بطلهم الخرافي (صدام) و لذا فإن هذه الفئة لا تتوانى البتة عن ضرب المحتل و كل من سانده. ولما كان المحتل هو أمريكا بجلالة قدرها، و لذا فإن الهدف تحول إلى المساندين للاحتلال. و من دون ذرة فهم أو ضمير، يحكم هؤلاء على مجاميع بأكملها بأنها عميلة و يبررون لأنفسهم سحق تلك المجاميع حتى و لو كان الشعب بأكمله. فترى اذناب البعثيين يسعون لضرب العراقيين فقط لأنهم موجودون داخل حدود بلد فقدوا زمام أموره.

و هناك أيضا الفئة الكبرى التي لم تعد تتذكر صدام أو الاحتلال الأمريكي أو تدهور الوضع في العراق أو اي شيء ذو معنى، و إنما يهم هذه الفئة هو “الهبش”، فكل ما يأتي عليهم بالنفع المباشر فيا مرحبا به و من دون الأخذ بالاعتبار أي قيم او مبادئ أو قوانين.

و كل تلك الفئات تشترك اليوم في العملية السياسية الفاشلة حيث أن الشعب و البلد في تدهور مستمر و لا وجود لبادرة امل. هذا ليس مقال ندب للحظ العاثر و إنما إعلان متواضع عن رأي بالوضع الراهن. فلقد مرت خمسة عشر عام على الاحتلال الأمريكي و اسقاط النظام البعثي و لا زال الحال على ما هو عليه، و هذا النظام السياسي القائم الآن لم و لن يأتي بخير للبلد و في احسن الاحوال سوف يبقي الحال على ما هو عليه.

ما اقوله هو أنه قد مضى خمسة عشر عام من المهزلة، و سوف تبقى المهزلة قائمة الى أن نغير النظام بشكل جذري. فلا عيب في أن نكون فاشلين، العيب الحقيقي هو أننا نتظاهر بأن كل شيء على ما يرام بينما كل شيء ينهار من حولنا.

أرجو أن اكون على خطأ، لكني لا أرى ثمارا من هذه الشجرة التي لا حياة فيها. الحل هو اعادة غرس شجرة جديدة حية و قوية و مثمرة متكونة من فكر سياسي ناهض و نظام سياسي يواكب العصر.

لا تعليقات

اترك رد