أطلقوا سراح الحياة


 

“إحمي نصوصك فقد يقتلعون ضروسك”

الحياة تدعُونا والطبيعة تشكونا ممّا فعلته قسوتنا بها وتهوّرنا ونرجسيّتُنا فامسحوا عنها ضباب الحياة كي تتضح الرؤية وانطلق في السّفر حتّى ولو كنت وحيدا مثل قارب هيمنغواي وإن اِستطعت فاجعل كامل حياتك فجرا لأنّ موتا طائشا ظلّ الطريق إليك وأجّلك؟

مازلت تسكن الجملة ويساومك الثغر على قبلة… خمسون عاما تجارب طواحين الجهل كدنكيشوت وتكتب بحبر القلم فلا أنت مللت ولا ملّ الزمن…وتتواصل عبر مواقع التّواصل وقد حجب الخوف والإكراه خياناتك على الورق…تكتُب وتُكبَت.

ولم يعد قلبك يكتفي بحبّة اسبرين محمّلا بالخيبات… تعانقنا رغم أنف الجغرافيا وأسطورة الممكن والمستحيل وغياب الدّليل (أنت يا وطنا غارقا في التّفاهات حيث لا دواء يُباع في صيدليات النسيان ليضفي على حياتك معنى فقدتَهُ في مقاعد التّدريس وأنت وحدك طبيبٌ رئيس لتقول لهم على هذه الأرض ما يستحق الحياة.)

عندما كتب سارتر كتابة الغثيان “La nausée” كان يدرك أن لا شيء يُمتع في هذه الحياة ولا الرغبة في أن لا تكون شيئا… ترى ما لا يبصره الآخرون وتدّعي الجنون فرارا من وعي مزيّف يحتمي بالحصون…فتفزع وتتلولب وتتقرفص وتتخشّب.

تشتّم روائح نتنة من عرق وضراط من جسم قلق عابرنزق… من جسد فارقته الّدماء، من مشهد طفل لا يملك ثمن الحذاء، من وجه فنان منسيّ في الغناء… عندما صار الأمام وراء، وصرنا ندّعي المعرفة ونحن في الأصل أغبياء…

عن أيّ حياة نحيا ونتكلّم؟ …

نحيا في صندوق، في قمقم، داخل برميل أو مصيبة ونجلس على مؤخّرتنا ننتظر أن تتحقّق أحلامنا الصّغرى وأوهامنا الكبرى ولا نقدر على الكلام!

أقول للحياة شكرا.. شكرا على رئة فيها الهواء تسمّم… شكرا على أمّة يُهان فيها المعلّم، شكرا إن فاه الفم بالضيق والتّبرّم… عن عاطلين يُربُّون الأمل…وعن حكومة أُصيبت بالصّمم…

لماذا نهمل أنفسنا ونبتعد عنها رويدا رويدا كمريض بالفصام. كأسير معتقل ينتظر الأجل… ينتصر عليك الآخرون ضحايا ومذنبون شياطين ومرسلون، لا ترتّب أيّ شيء في فوضى الحوّاس. ترفع صوتك ولا معنى للسّلام.

تراوغ النّهاية فتصاب بأوهام البداية… هذا الفتى ما أجمله سبحان من قد صوّره!…

هو الآن كهل يتلذّذ الجماع ويعيش في مجتمع الضّباع، رهينة من رهائن الكرة الأرضيّة لا يعرف كيف يملأ نقصان حياته وقد تغيّرت المخيّلة وصارت الحياة احتمالا.

هل كان الفيلسوف اليوناني “ديوجانس” على حق حين اِختار الاستقرار في داره في برميل أو حين اِختار أبو العلاء المعرّي رهين المحبسين أن يرتهن في بيته طيلة أربعين عاما أو لمّا رأى النيسابوري قطّا يحمل الطّعام إلى قطّ أعمى فعاف الدنيا وسكن غرفة حتى مات بسقوط جدارها عليه…

هل سيسقط الجدار علينا جميعا؟

هل كان محمود درويش يراهن على الواقعي فيحتمي بمخيّلته هربا من الطوفان من واقع شقيّ عصيّ؟

أيّتها السّماء التي تظلّلنا، هل يطلع الهلال عند الزّوال؟ وهل نحن أعداء أنفسنا عندما نثور على واقع نحن أسباب النقمة عليه وحين نمرض بأيدينا ونصدأ بقلوبنا ونفكّر بالجانب السفليّ فينا؟

سنشنق على صليب الشعب يوما عندما نترك جلّادنا وقاتلنا يتيه مَرَحًا مختا لا أمامنا… موت على الصليب وشكّ في القريب وفي الحبيب…والفساد يريد إسقاط الشعب… شعب يرفل في التّفاهات والإجازات بينما يقتل الإنسان كلّ ثانية بالجوع ومن جرّاء حوادث الطّرقات.

لا تُجفّف قميصك ولا أوراقك النّقدية التي تبلّلت حتّى لا تتّهم بغسيل الأموال وتبييض الفساد… دينار واحد… قطرة من دماء لنقاوم هذا الغلاء. ليعرف الأطفال طريقهم إلى المدرسة كي لا تتبدّد مثلى قطرة قطرة ويستشهد فيك الصوت وهو يقاتل الصّدى…

أمّا الشّرفاء فقد ذهبت بهم الحرب وتاهوا في دروب السّفر. فحذار يا نفسي أن تغتصب قرية السّد قدرتك على الجري وعلى الصّياح بأعلى صوتك: لم أنسك أيّتها الحياة إنّما أردت منك حياة تليق بك…! فتعاليْ لنفتح قبوا نقطف منه حلم شهيد بالعودة…بالنصر والأرض والزّيتون. أرانا نتقمّص كلّ هؤلاء لم نقل بعد كلمتنا وقال الخوف كل ما لديه وخلّفنا في حالة وجوم أمام عتاوة الموج وجرس القيامة.

فيا أيّها القابضون على جمر أحلامنا، فكّوا عنكم قيْد أوهامنا وانتصروا للحياة ولا تكونوا شعوبا بلهاء ميّتة بالحياة راضية بالغلاء لاهثة وراء شعارات…

بدأناها مدمنين وأنهيناها شحّاذين كخليط من عجين فأطلقوا سراح الحياة وفكّوا قيْد أسْراكم…واللّه لا يضيع أجر المحسنين…

لا تعليقات

اترك رد