الإعلان الديني بين التوظيف والإستغلال


 

قال فولتير “إذا أردت أن تتحدث معي فعليك أن تضبط مصطلحاتك أولا”. وهكذا، فإن الحوار والجدل والنقاش حول أي قضية في المجتمع يجب أن يقوم أولا على تحديد المعنى والمفهوم والمصطلح المراد النقاش حوله للتوصل الي نتيجة محددة أو حل لإشكالية معينة. ولعل أكثر المشاكل والأزمات التي نتعايش معها اليوم في مجتمعاتنا العربية هي قضية ومسألة ومصطلح “العادات والتقاليد”. فقد أرتكزت العديد من المظاهر الاجتماعية، ودخل الكثير من السلوكيات والأخلاق والوصايات من باب العادات والتقاليد ولم تخرج منه أبدا، بل وصلت الي درجة التقديس والعبادة والأسطورة الغيبية. وهنا تحديدا، تم مؤخرا إثارة قضايا الحجاب والسفور والتدين ضمن منطق وأسوار العادات والتقاليد في غالبية مجتمعاتنا العربية. ولن يمكننا فهم تلك المعضلة الا من خلال الجدل الهيغلي. فالجدل عند هيغل هو مبدأ كل حركة وحياة، بل يمتد ليشمل أيضا كل الأشياء الطبيعية والإنسانية ، فهو التطور المنطقي للفكر أو الحقيقة من خلال الانتقال من الفكرة ونقيضها إلى المركب من هذه المتقابلات.

فما هي العادات والتقاليد؟؟ وكيف تكونت خلال التاريخ؟؟ وهل هي نتاج الأديان أم الثقافات البشرية وحضارة كل مجتمع؟؟ .. فمصطلح “العادة” بالمعني اللغوي العربي هو كل ما أعتيد حتى صار يفعل من غير جهد، وأصبح يتكرر على نهج واحد .. وفي اللغة الإنجليزية “العادة” هي نمط السلوك المكتسب بالتكرار أو التعود أو الإستعمال المتكرر. بينما “التقاليد” تعني لغويا العادات المتوارثة التي يقلد فيها الخلف السلف ويتقبلها المجتمع عموما دون أي دوافع أخرى لرفضها.

لا شك أن لكل مجتمع على وجه الأرض عادات وتقاليد خاصة به تتعلق بالملبس والطعام والسكن والتواصل واللغة والزواج والشرف، وأيضا بالثوابت الدينية والاجتماعية والسياسية وتكون كمثل الموروث المجتمعي المتناقل من جيل إلى آخر، وتتميز وتختلف من شعب إلى شعب، وفق تقاليد وحضارة البلد. وتعتبر التقاليد والعادات الخاصة بالعرب، متجانسة ومتشابهة فيما بينها، بحيث قلما نجد اختلافا جوهريا فيما بينها، رغم تعدد الدول العربية واختلافها لغويا وتاريخيا وجغرافيا، إلا أنها مرتبطة فيما بينها وفق طرق ممارسة العادات في أغلب التقاليد العربية.

لكن ما يميز مجتمعاتنا العربية، أن العادات والتقاليد تمتد إلى الدين الإسلامي دين الدولة «الأغلبية»، وأيضا نجد أن كل المقيمين غير المسلمين على دولنا العربية محافظين على تلك الثوابت الموروثة من العادات والتقاليد، خوفا من العقاب لمخالفتها وليس حبا في تراثها ونسقها الثقافي، كمثل عدم الإفطار في نهار رمضان ولبس النساء غير المسلمات للحجاب عند زيارة الأماكن الدينية أو المؤسسات الدينية. ومن خصوصيات المجتمع العربي أيضا دون المجتمعات الأخرى أنه مجتمع موروثه الثقافي محافظ جدا والنصيب الأكبر منه دائما يتخذ من ثوابت الدين الإسلامي منطلقا له، فيرفض كل ما يمس أو يخدش الآداب العامة أو الحياء البشري وثوابت الإسلام، ويكون العقاب غالبا لمخالفة العادات والتقاليد هو السجن والغرامة والتعزير وغيرها من الأحكام المهينة لكرامة الإنسان.

لكن ما يهمنا اليوم في هذا المقال هو مناقشة بقاء الكثير من العادات والتقاليد والاعتقادات التي كانت راسخة في المجتمع نتيجة ظروفها واسبابها الموجبة في حينه لحد اليوم ، وتتمسك بها مجتمعاتنا العربية لفترات وعهود متلاحقة لوجود العوائق والخلل في التقدم الطبيعي في كافة مجالات الحياة ، اي عدم التكافؤ والتساوي بين مستوى تطور الشعوب وما يجب ان يجلبها معه من المتغيرات على ارض الواقع سواء كانت مادية تخص البنى التحتية من النواحي الاقتصادية او فكرية وثقافية وسياسية وفي العقلية العامة للمجتمع. وما أقصده هنا، هو الحملات الدينية التي تقوم بها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية حول مسألة الحجاب والصلاة والصيام وغيرها من الطقوس والشعائر الدينية.

وحتى نبدأ بشكل أفضل واعتمادا على الجدل الهيغلي للوصول الي الحقيقة ونقيضها، حريا بنا الإنطلاق من أن مفهوم ومصطلح “الحجاب” لم يأتي أبدا متفقا عليه، بقدر ما لازمته تفسيرات وتأويلات مختلفة ومتشعبة طالت جميع المذاهب الإسلامية اعتمادا على تأويل عدد من النصوص الدينية، سواء في القرآن أو أحاديث النبي محمد. ولنا في حادثة الخليفة عمر بن الخطاب في نهره لإمرأة جارية لبست الحجاب وأرغمها على خلعه حتى لا تتشبه بالحرائر

دليلا على وجود الاختلاف في تفسير معنى وشرعية ومفهوم الحجاب. فقد جاء فى كتاب طبقات إبن سعد الجزء السابع ص 127 أن “عمر بن الخطاب أمير المؤمنين كان يطوف فى المدينة فإذا رأى أمة محجبة ضربها بدرته الشهيرة حتى يسقط الحجاب عن رأسها ويقول: فيم الإماء يتشبهن بالحرائر”، وقال أنس “مرت بعمر بن الخطاب جارية متقنعة فعلاها بالدرة وقال يا لكاع أتتشبهين بالحرائر ألقى القناع. فالحجاب كما هو شكلا ومفهوما عبارة عن زي تقليدي متوارث من قبل زمن القرآن ولم ينزل به أي قانون إلهي، سواء في التوراة أو الإنجيل أو القرآن. وفي بعض الأماكن في العالم فإن الرجال هم الذين يرتدون الحجاب بينما النساء من نفس القبيلة لا يرتدون الحجاب كما نرى في قبائل الطوارق في شمال افريقيا.

ورغم هذا أصبح الحجاب والنقاب اليوم في مجتمعاتنا العربية ، الشعار الإسلامي الوحيد المعرف للمرأة المسلمة، وهو إلى جانب انه شعار ورمز تمييزي يقمع المرأة جسديا ، إلا أنه لا يفهم إلا ضمن إطار نظام المجتمع الإسلامي الذي جاء بهذا الفرض كهوية وعادة وتقليد ديني موروث مثل الطعام وغيره من العادات والتقاليد، وكأسلوب آخر من أساليب السيطرة الذكورية على المرأة في المجتمعات العربية والإسلامية. وفي هذا الصدد قال فرانسوا غوتيه، الأستاذ في علم اجتماع الأديان في جامعة فريبورغ في سويسرا، “أن الحجاب أصبح وسيلة لتأكيد الهوية في عصر العولمة”. وشرح أن “العودة الي الحجاب اليوم ليست عودة ولكنها بالأحرى رؤية جديدة لما هو ديني. ففي أواخر القرن التاسع عشر وحتى سنة 1980، كانت النساء في البلاد الإسلامية لا ترتدين الحجاب، لأن الحجاب لم يكن مرتبطاً بالدين وإنما بالعادات والتقاليد. فكان من الضروري أن تتحرر لكي تصبح دولا متقدمة. وخلال الثمانينيات، دفعت العولمة الجانب الديني ليصبح مرئياً بشكل أكبر. فنحن لا نستهلك بضائع، وإنما رموز للهوية لإظهار انتمائنا لمجتمعات لم تعد وطنية وإنما عالمية. وبالتالي يجب إذا عرض هذه الرموز في الأماكن العامة ليتم التعرّف علينا. ولهذا السبب صار الحجاب مهماً، كما هو الحال بالنسبة للبضائع الحلال. يجب أن يعيش المسلم كمسلم، أن يكون مرئياً. ولم يعد يُحتفظ بالدين، ليس فقط الإسلام، في الحياة الخاصة، بل يجب إشهاره.”

ولم يحدث هذا الأمر، إي إرغام الحجاب بكونه أحد العادات والتقاليد المقدسة، إلا بعد هيمنة وصعود التيارات الإسلامية وفرضها للتمظهرات الدينية برعاية الأنظمة العربية لمواجهة التيارات العلمانية والمد الديمقراطي ومطالبة الشعوب بالحريات وحقوق الإنسان، بالإضافة الي جهل وتخلف مجتمعاتنا وتراجعها علميا وحضاريا وأخلاقيا وهي البيئة المناسبة لنمو حالات النكوص الديني. فكان أن أصبح الحجاب ذو دلالة على اكتمال الإيمان، بينما السفور هو النقيض للإيمان ويدعو الي الفجور والإنحلال كما جاء في خطبة الجمعة لوزارة الأوقاف الإسلامية في الكويت مؤخرا.

وبناء عليه، أصبح الإعلان الديني للحجاب وغيره من الطقوس والشعائر الدينية، في مفهومه التجاري أحد أوجه استغلال الدين لزيادة عدد الأتباع وهذا ما نراه في الدعايات الدينية في الدول الغربية، وثانيا لتأكيد الهوية الدينية للمجتمع، وخصوصا في المجتمعات العربية والإسلامية التي لا تزال دولا دينية بحسب مواد الدستور ونظام الحكم وهوية الشعوب.

إن تغيير النظرة الي إستغلال الدين في الإعلانات التجارية التمييزية ينبع من تمييز العادات والتقاليد البالية التي بقت لحد اليوم تجدد الافكار والعقليات الظلامية والرجعية ، وبهذه العملية، وبتجسيد الفلسفة الحقيقية للدولة العلمانية يمكن ازالة الرواسب وتنظيف المجتمع من العوائق الاجتماعية الماضوية امام تقدم مجتمعاتنا، وبها، أي العلمانية، يمكن مواجهة التحديات وتصفية الوضع الاجتماعي من الموروثات السلبية ، حتى يكون تقدم المجتمع عاملا حاسما وصحيح التوجه والأفكار.

لا تعليقات

اترك رد