مقتل الذّئب


 

حينما تقدّمت بالذئب السنّ وبدت عليه علامات الهرم آثر السلامة على عطب المغامرة وترك العناد وهجر التصميم وآمن بمحدودية قدرات الجسد الفاني. وقرر أن يلزم بيته ينتظر فيه ما تجود به الأقدار من مستساغ الطّعام. لزم الذّئب بيته وجعل يقرض ما تبقى له من زاد راكمه طوال سني الشباب والكهولة قبل أن يهجم عليه العجز هجمة واحدة وتداهمه الشيخوخة كما داهم الزمهرير الأرض في هذا الشتاء الميّت.

وفي آخر غزواته, وبعد ظفره بآخر صيد له وهو الصيد الذي كان هزيلا بائسا لا يثير الشهية, عوى في وجه الريح الباردة والظلمة الدّامسة العابسة في وجه القفر. وحينما أمسك الذئب بالصيد وهصره بفكّيه تذكّر صيده الأوّل وقد اختاره قويا سريعا يافعا مقبلا على الدنيا غير مدبر فحكم فيه رغبته وشرهه وربما جوعه ولم يفلته وماذا يفعل وقد وضعته الأقدار في طريق ذئب فتيّ قويّ مقبل على الدنيا غير مدبر؟ وفي نهاية تلك الغزوة الختامية عوى في فؤاد ذلك الوادي الرهيب وقد أوحشته الظلمة وآلمته الريح الباردة الجافة فاجتمع إليه خلق كثير يحملون بنادق وسيوفا وأقواسا وحرابا. وقالوا له في صوت واحد:” لبيك يا زعيم…والله لو أمرتنا أن نطير مع هذه الريح لهبت بنا العاصفة على أعدائك ولجئناك بالغنيمة التي تحمد وجئناك بالملوك مصفدين.” ثمّ انقلبوا ذئابا.

أطرق الذئب في الأرض وأشار إلى صيده الهزيل وقد مات قبل ان يضرّسه بناب وقبل أن يخلله بمخلب. وجعل يقلبه على حنبيه ويرفع رأسه ويلقيه ثمّ نحّاه جانبا مشيرا إلى أحد الرجال أن يأخذه فانطلقت إليه الأيدي تمزقه والأنياب والأضراس تقطّعه. وهرّت الذئاب تذود عما وقع بين مخالبها بينما ظلّ الذئب الشيخ يمضغ الذّكريات لا يجد منها إلا برد السكينة في قلبه ونفسه.وحبّدا ذلك قوتا للقلوب المهاجرة.

اقتربت منه أم الذئاب وجعلت تمسح رأسها على فروته الشيباء وهي تقول له:” عندك مثل هؤلاء الأشاوس وتهاب الجوع؟ أرأيت كيف لبوا النّداء في الليلة العاصفة الظلماء؟” لكنه تجاهلها وواصل يفتش في لياليه القديمة عن ليلة تشبه هذه. وتمنى لو أنّ نبوءة تكون قد ولدت منذ زمان وتعلن اللحظةَ عن نفسها فتكون معجزة الوداع. وتملكه اليأس حينما أيقن أن المعجزة الوحيدة التي يصدّقها هؤلاء هي اللحم الطازج والدماء الساخنة وحفلات العواء في الليالي المكدودة المكدرة بالريح العقيم. والتفت إلى أم الذئاب ليقول لها:” هو ذا…”ثم تدارك أمره فأمسك عن الكلام وأشاح عنها ببصره ولم يجبها حينما انتبهت إليه وسألته عن المعنى.

وانتهت الوليمة البائسة وحملت الريح التي جففت بقع الدم على الرمال بعض ما بقي من صوف و طمرت الفرث واجتمع الذئاب حول شيخهم وجعلوا يتجشّأون ويخلّلون الأنياب بما وقع تحت مخالبهم من أعواد وبقايا عظام ثم رأوا أن أفضل ما يمكن أن يقابلوا به إحسان شيخهم ومعروفه أن ينطلقوا في حفل عواء جماعيّ يروّحون به عن الذئب العجوز ويجدّدون له الولاء . فعوى الأرقط حتى استفزّ الريح فازدادت نفورا وعتوا ودفعته حتى كادت تذهب به من بين صحبه و كادت تذهب بالشجر من أصوله. وعوى الأغبر وأمعن في ملاحقة شجن الظلمة حتى أحرجها فأطبقت على نفسها فلم تعد ترى ذاتها فأصابها الجنون. وعوى ذو العيون وتأبط شرّا والأعور وقشلة عشواء وذئب غريب مازال لم يكمل مع الجماعة أسبوعا. وعوت أم الذئاب في النهاية لتشكر الجميع ولتطمئنهم على شيخهم وكانت قد أخذت بيده لتدخله البيت الصّغير في أعلى الوادى فبكى الذئاب وهرّوا ونشجوا وتعانقوا يغالبون الحزن ويواسون بعضهم وأخذ ت منهم الحيرة مأخذا. فقال الثأثاء البليد “مسحور” وقال منافقهم:”مغدور” وقال حكيمهم :”مظلوم فأنصفوه”. وقالوا وقالوا وقالوا…

ولم يتعجلوا التفرّق فالليل مازال في وسطه وعزموا على الثبات إلى الصباح زمن احتجاب الذئاب الكريمة التي تعرف الأصول. ولما رأت أم الذئاب وسيدتهم إصرارهم وخافت من نكثهم عهد الذئب الأوّل مع الليل. اقترحت على الذئب العجوز أن يخرج ليفرّقهم. لكنه أبى وقال لها لا يخرج سيّد نذر لليل صوما. لكن خذي إليهم هذه الخريطة ففيها كل ما يبحثون عنه وخذى منهم ميثاقا غليظا ألا يغلّوا غنيمة ولا يسرقوا متاع بعضهم ولا يركب ذئب منهم حليلة أخيه وقولي لهم إن في الخريطة مصائد كثيرة لو التزمتم بأيام صيدها ومواقيته لملئت بيوتكم مؤنة تكفيكم وتكفي أولادكم وأحفادكم. قولي لهم إني عائد إليهم في كل شتاء في أحلك لياليه وأشدّها زمهريرا وأعتاها ريحا. فإذا اجتمعت هذه الثلاثة فاجعلوا لي في صيدكم نصيبا وأقيموا لي عكّاظيات العواء فإني مع نجمة الشمال أجيء ومع بداية اشتعال حريق الفجر أذهب.طوفي بالخريطة عليهم وليبايعوا أشرسهم وأقواهم وأقربهم مني نسبا .

خرجت السيدة الأولى أم الذئاب بالخريطة. وتركت شيخ الذّئاب يئنّ من الأوجاع التي استبدت به وشغلته عن التذكّر .خرجت السيدة ويا للمفاجأة…لا ذئب أمام البيت. نظرت إلى السماء فلا أثر لنجمة الشمال. فأين ذهب القوم؟ وحينما همّت بالعودة إلى شيخ الذئاب في عزلته سمعت هرجا ومرجا وصياحا وبارودا ورصاصا يطلق ورأت رجال المخابرات يطوّقون البيت البائس وقد صار أنقاضا ونظر إلى الخريطة تستفتيهافإذا هي معمّدة بالدّم .فعوت كما تعوي الذئاب المذعورة وجرت في كل الاتجاهات ثم أسلمت جسدها المنهوك للارض.

لا تعليقات

اترك رد