انكسار مسيرة التمدن وتمظهراتها في الدراما وقوانينها

 

مرّ بمعالجتنا السابقة معنى ولادة المسرح وتجسيده بنيوياً حركة النهوض والتقدم وأنوارهما ومن ثمَّ اطلعنا على دور المسرح في تعزيز خطى دمقرطة الحياة وأنسنتها بوصفه أحد أبرز أدوات الفعل الحضاري لانطلاقة دولة المدينة والتمدن ومنجزها الحضاري. كما أشرنا بخاتمة التناول إلى حقيقة أن حركة الزمن بقدر ارتباطها بالمنجز البشري تمضي بالتواءات ومنعرجات بعضها تمثل تراجعاً عن المنجز الحضاري.. وهنا تظهر أدوات تلك التراجعات وطابع كل منها في الاشتغال. ولربما لم تعالج بعض مناهج الفلسفة التنويرية التقدمية حالات الانكسار بوقفات واضحة إلا أن الأمر لا يخلو من أرضية لمنطق تحليل تلك الوقائع وإيجاد وسائل معالجتها ومعاودة مسيرة التقدم الإنساني…

وبقدر تعلق الأمر بالدراما وتجسيدها المسرحي، فإنها بعد العهدين الأغريقي والروماني انحرفت عن خط السير الأول؛ بالإشارة إلى الدور البنيوي لمهام التمدين. وهكذا، رصدنا ظاهرة هبوطه الفكري والفني لحقبة زمنية غير قصيرة، امتدت لاحقاً لعهد القرون الوسطى وظلاميات ما فرضه الكهنوت الديني من نهج أدعى لتجسيد منطق الخرافة وخطابها منه إلى أي خطاب يحاول الخروج من دائرة الظلاميات المغلقة..

هذا يؤكد أنّ الدراما وخطابها وتمظهراتها لا تكون إلا في إطار بنيوي لخطى التمدين والتحضر، وهي تكون هناك حيث مهامها التي تمارس الجهد بالتضافر مع الأدوات المدنية الأخرى بصورة تكاملية بنيوية. وهذا ما جعل الانكسار الحضاري يلقي بظلاله على الدراما بصورة فرّغتها من محتواها المعبر عن وظيفتها وهو ما نجده عادة في الخطة العامة لكل عمل درامي. فظهرت حبكات وحكايا عادة ما اختلطت باستدعاء الخرافة ومنطقها.

لكنَّ مجمل الانكسار الذي طاول مسيرة التمدن، لم يستطع أنْ يشمل بتأثيراته السلبية طابع وجود الدراما وبنيتها التي تفردت بالجمع بين الغنائي والملحمي \ الذاتي والموضوعي وهو الأمر الذي ظل يحمل هويته المخصوصة وطابعها التناقضي مع الانحدار والانهيار في المسار الحضاري من حضارة نعرفها بوقائع الولادات في سومر وأثينا وفي الصين والبيرو إلى عالم قروسطي نعرف من تحكم به وإلى أيّ أفق قاده..

إلا أن المسرح وفن الدراما فيه عاود دوره الحيوي بانغماسه في حومة المعركة الحديثة؛ فأصبح بمثابة ندوة تتمظهر وتتجسد فيها أعمق المناقشات في مختلف القضايا والشؤون الإنسانية بقدرات بنيوية ملموسة، مثلما جرى في ولادته المتلائمة مع ولادة دولة المدينة، إنه هنا قرين عصر النهضة وتركيبة المجتمع والعمق الحضاري له التي باتت أكثر تعقيداً من الولادة المدنية الأولى.

وهكذا وبعد أنْ شهدنا كيف انحدر المسرح بمستوياته يوم حلق بعيداً، في التحامه بأوهام وخرافات وخطابها، شهدنا عودة المسرح من جديد ليزدهر بإعادة ارتباطه بواقع الإنسان من خلال معالجته موضوعات الحياة اليومية والقضايا الإنسانية؛ ابتداءً من تفصيلات حياة الإنسان البسيطة وأموره الفردية حتى قضايا عصره وهمومه الشاملة الكبيرة، مثل قضايا الحرب والسلام والأمراض والأزمات الاجتماعية والاقتصادية والمفاهيم الفلسفية الكبرى.. بلى، لقد عاود المسرح ليكون الرديف والأداة المعبرة عن مجتمع اليوم المتخم بالمشاكل والصراعات الحادة وليصير هذا المجتمع الجديد وقوانين الحركة فيه هو مادة الدراما. حيث باتت وضعية المجتمع المعاصر الغنية بالتصادمات هي المادة الأساس لبنية الفن الدرامي المتطابقة مع خطابه وهويته…

وإذا كانت تلك هي الحال في عصر النهضة وما تلاه، فإنَّنا في يومنا هذا، نجابه تفاقماً أكثر للانقسام والتصادم بين عالمين متناحرين، حيث عالم قوى الخير والتقدم بالضد من عالم قوى الشر والاستغلال والظلام؛ الأمر الذي يجعلنا نصف عصرنا بأنه (عصر درامي) بامتياز. وهو بالتحديد ما سيمنحنا فرص تعبير مسرحي درامي متعدد الأشكال والأجناس والأصناف تعبيراً عن عمق العلاقة البنيوية بين الواقع والتعبير الدرامي عنه بما تفرضه قوانينه من محددات..

إنَّ واقعنا يدفع يوميا بمتغيرات نوعية معقدة جديدة متأتية من ذلك الكمّ الهائل من التراكمات في مجرى الحراك البشري وهو الأمر الذي يثير جدلا مبدئيا واسعا حول إمكانات الإنسان ودوره في هذا الواقع وحول آفاق التغيرات الحتمية للتطور وما يخلقه هذا التطور من ضرورات فهم التعاقب التاريخي والجوهر الاجتماعي لأشكال الفن بوصفه نتاجا مؤثراً لعملية التطور والتغير بعمومها..

وعليَّ أنْ أؤكد أن ولادة الأجناس المتعددة للدراما اليوم لا يعكس مجرد خط الزمن المندفع إلى أمام بل يعكس أيضاً التنوع والاختلاف بين المجتمعات ومستويات تطورها أو تحجرها وانغلاقها على حالات اجترار ماضوية، مثلما مجتمعات دول نامية أو متخلفة وأخرى تحكمها خيارات الخنوع لمفاهيم مصطنعة القدسية وهي لا تمت بصلة لا لدين ولا لمذهب ولكنها بالتأكيد تعبر عن منطق الخرافة وكيف يلعب دوره في طعن مسار التقدم.

كما ينبغي أنْ أؤكد مجدداً، أنَّ الأعمال الأدبية التي تولد رديفة واقع بعينه، لا تأتي أصنافها وحدود بناها الشكلية اعتباطا أو مصادفة بل يقيناً تأتي انسجاما مع حالات الوعي البشري لذاته و\أو للعالم الموضوعي المحيط به. ولعل ذلك يُعلمنا بحقيقة التراجع بالدور المسرحي الدرامي مع حالات الانكسار لوجود تمظهرات تعبيرية أخرى بديلة تتناسب ومستوى خطاب الخرافة وما يفرزه.

و دعونا الآن، نرصد حقيقة أنّ الصراع الذي يحتدم بين النقيضين في أية مسرحية إنما يعكس أهدافا فكرية خاصة؛ فضلا عن المهمة الجمالية التي قد تقع أحيانا في ميدان التسلية حصراً عند بعض من يقرأ الأمور سطحياً.. ومن الطبيعي أن يكون لهذا الصراع الذي تجسده الدراما \ المسرحية دلالةً اجتماعيةً تمثل موقف مبدع العمل الدرامي إزاء الواقع فيما تمثل رموزه صراع الفئات الاجتماعية في المرحلة المعنية.

ويمكننا بناء على تلك الحقيقة الشاملة بقانون وجودها، يمكننا أن نفترض أنّ كل معالم ومفردات الإبداعات الأدبية الفنية اليوم، تحث الخطى نحو الدراما وقوانينها، بوصفها النموذج الجمالي الأمثل لعصرنا؛ ذلك أنّ التناسب الجديد بين القوى الاجتماعية في تركيبة كل مجتمع إنساني بوجوده الوطني وانسجاماً مع طابع عصرنا الذي اتسم بالمجابهة التاريخية بين الشعوب من جهة والنظم المختلفة، هذا التناسب أخذ ينعكس ويتجسد تدريجا في جميع الأجزاء المكونة لمضمون الأدب وبناه وأصنافه الشكلية.

وهكذا على سبيل المثال لا الحصر وجدنا استجابة الآداب والفنون لقوانين الوضعية التاريخية الجديدة وآليات حركتها، ولطابع المجتمعات ومستويات ما وصلت إليه من درجة نمو أو تطور راهنياً.. وهي استجابة تتم بإعادة بناء الشخصية على وفق سماتها المعاصرة وبوساطة توظيف طرق جديدة لمعالجة موضوعات العصر الحديث الأمر الذي فرض تحولا واسعا وشاملا في الأشكال الصنفية وأجناس الأعمال الإبداعية الجمالية كافة.

وعليه فإنَّ الغوص في دراسة هذه المسائل كليا وجميعاً، لا يسمح بالتغلغل في القوانين البنائية للدراما فحسب بل يسمح أيضا بتناول الأساس الفكري والجوهر المضموني لها.. وكذلك الكشف عن قربها العضوي من المسائل المعاصرة التي يدور حولها الجدل بين ممثلي العقائد المختلفة، حيث تطرح قوى معينة مسألة تحييد الفن والأدب بدعوى أنها يجب أن تبقى مجرد قيم شكلية صرفة لا تعكس أكثر من الانفعالات والأحاسيس الذاتية للفنان والأديب وهو الأمر المعلن تحت شعار “الفن للفن” أي ما يتعارض مع البعد الموضوعي المختزن في بنية الدراما كما مرَّ معنا التوصل إليه وإقراره.

غير أن هذه القوى التي تتحدث عن الشكلانية والجمالية إنَّما تبحث عن عناصر الجمال في الجميل شكلا بحركة تسطيح وتفريغ له من كل مضمون تجريدي أو مخصوص؛ ما يجعله أي العمل الدرامي أمرا عابرا طارئا بلا قيمة أو ارتباط بجدلية ما يعالج وهو ما قد يخلق ازدواجية الموقف مرة و\أو يخلق في مرات أخرى ثنائيات سلبية تثير البلادة والتعطل وترسخ السلبية وتمكنها من إرادة المرء فتعطلها عن الفعل وتبقيها بدوائر رد الفعل لحظة يكون عندها الشكل الفني والأدبي غاية بذاته حيث التسطيح والفراغ الذي يتخيل بعضهم أن الإبهار وتنوعات الإنتاج الشكلي قد تملأ فراغه وتعوض سطحيته..

وربما طابق هذا تعبير هايدجار الذي يرى أنّ المهمة الأساس هي العثور على جذور الأدب في “الزمن المجرد” أي في اللازمان.. بصيغة أخرى في أضغاث الحلم وأوهامه أو في منطقة تقع خارج حدود الواقع بمعنى ما تفرضه هذه القوى من إنكار دور القيم والظروف الموضوعية ومضامينها بولادة الأعمال وأنواعها وأجناسها، ذلك الدور الفكري الجوهري الذي يظل العمل الدرامي ملتصقا بولادته بها ممتلِكاً قيمته من علاقته المباشرة به أو بمعالجته وإعادة صياغته.

وبخلاف أوهام الجميل المفرغ من العلاقة مع الواقع الذي نجم عنه، فإنَّ الجمهور (المتنوِّر أي ابن المدنية والحضارة وما وصلت إليه من مراتب) يتطلع إلى المسرح على أنَّه رمز من رموز كفاحه وأمانيه؛ حيث يهدر في مسامعنا من فوق خشبة هذا المسرح وقع الخطى الصاخبة للإنسانية وهي تتحرك على هذه الخشبة.

وفي الوقت الذي يصبح فيه الأدب والفن حاجة حضارية وهو ما برهنته المسيرة منذ أول ولادة للأنواع والأجناس الأدبية والدرامية، فإنّ الحتمية التاريخية تفسح الطريق أمام نشاطهما (أي الأدب والفن) لكن يجب ألا يجري ولو لوهلة إغفال محاولات تفريغه من محتواه من خلال العمل على دعم سيادة النزعة الشكلانية وأضرابها من صيغ أدب النظم التي تسعى لتعطيل إرادة الإنسان وضخ السلبية واللاأبالية فيه ما يتيح لها استمرار اشتغالاتها الاستغلالية التي تحطم إنسانية الإنسان في الواقع مثلما تفرز أدوات المناورة معه وشل إرادته في خطابات جمالية فارغة طارئة تتنقل سريعاً بشكل باهت بين شكل وآخر وهو أمر يعكس إرادة طرف من أطراف الصراع الجاري بخلاف إرادة التقدم والتطور الذي تفرضه مسيرة البشرية وخط الزمن السائر إلى أمام.

ولأجل الإغناء والتفصيل أشير إلى أن نظاماً استغلاليا ظلامي الفكر كنظام الطائفية السياسية (الكليبتوقراطي) في العراق يفسح المجال لأعمال درامية سطحية مفرغة عابرة فيما يطارد ببلطجيته وعلى وفق خطط ممنهجة، يطارد أيَّ وجود للعمل المسرحي الحقيقي.. فيفرض حصاراً على أي شكل للدعم المالي وعلى توفير دور العرض المسرحي وعلى فرص اشتغال العاملين المبدعين فيه ومنع طبع الأعمال أو نشرها أو تقديم أية رعاية فيما يمرر ما يتفق ورؤاه مجترّاً بذلك ما وُلِد في حقب قروسطية منقرضة..

أما نحن الذين استوعبنا طابع العلاقة بين الفني الجمالي والواقعي الحياتي فلا يمكن أنْ نغفل تلك الوحدة العضوية بين الشكل والمضمون حيث صورة المضمون لا تنفصل بأي حال عن دلالته وما تنتجه من أداءات تنويرية تتدفق أمواهاً هادرة بمجرى التغيير والتقدم..

وكلّ عمل إنَّما يعبّر فضلا عن معالمه الفنية الشكلية عن وجهة نظر هي التي تهب هذا العمل الفني في مجموعه الوحدة والانسجام والتعبير عن هويته وبنيته بسلامة تجسيد لما يعبر عنه من طابع العصر.. ومن دون ذلك لا يبقى ثمة هدف ولا معنى للعمل بأكمله بل تنهار شروط البناء الفني فيه تلك التي تفترضها الإشكالية التي يتناولها ويستهدف عرضها ومعالجتها…

بقي في هذه الإطلالة ضرورة القول: إنَّ شكل النوع الدرامي وحتى كل صنف فيه يقدم لنا شيئا محدداً قائما بذاته من حيث المعنى ومن حيث المدلول العام المجرد، أي ما تعنيه خطوطه البنائية. أذكّر بثيمة مسرح العبث \ اللامعقول وكيف استغل تعبيرا عن مرحلة ما بعد الحرب الكونية الثانية مثلا ثيمة الجنون.. وبالمناسبة أشير إلى أن المسرح العراقي قدم هذا الجنس الدرامي منذ العام 1949 بمنجز المبدع يوسف العاني انعكاسا لواقع الحال في بلد كالعراق.

لقد نجحت الدراما العراقية في التعبير عن واقعها الذي عالجته عبر دور الفكرة البنيوي في رسم الخطة العامة وهو ما ولَّد طاقة للاستمتاع والترفيه أي ما أوجد تعاضداً بين الشكل والمضمون مما لا يمكن لمتلقٍ أن يغفل عنه أو يقبل به…

كما أنَّ دراسة وجهَي العملية الدرامية تدخل في الممارسة النقدية الواقعة في الزمان والمكان المحددين الملموسين لا خارجهما. وهو ما يتطلب من الممارسة النقدية دراسة النصِّ دراسة تاريخية عريضة، تلك الدراسة التي تُعنى بالعصر ومعارفه ومذاهبه وبالمقاييس الأدبية والقيمية الأخلاقية بالمعنى الأوسع للمصطلح تلك السائدة في المرحلة المعينة وهو ما يفضي بنا إلى أنْ ندرك أنَّ أدبا لا ينتمي إلى الواقع ويمدّ جذور معالجاته فيه لا يكون إلا هياكل صمّاء مشوّهة لا تعبر عن حقيقة الأدب الحيّ. أضرب أمثلة في أعمال ديستويفسكي بوشكين بودلير هوغو همنغواي شكسبير وأعمال عدد مهم من كتاب العربية بمصر والعراق وبغيرهما من بلدان المنطقة..

وكخلاصة: أؤكد أنّ إدراك العلاقة الجدلية القائمة بين الشكل والمضمون ووحدتهما العضوية يكشف لنا سرّ ذلك الارتباط الحيوي العميق بين الدراما والحياة وتبادلهما التأثير والتأثر على وفق سياقات قوانين وجودهما وتطورهما.

وبهذه الخلاصة أؤكد أيضا أن هذه المعالجة تشكل فرصة لاستنطاق التطبيقات التي تقع على كاهل الدارسين وهم يطبقون القوانين العامة على الحالات المخصوصة مكانا وزمانا.. ومن هنا جاءت حال الاختزال والتركيز على المعطيات الفكرية النظرية في الغالب مع توضيحات عجلى سريعة.

مصادر:

* موسوعة نظرية الأدب الصادرة عن دار الشؤون الثقافية العامة ط2 1986 ترجمة د. جميل نصيف.

* أشلي ديوكس (الدراما) ترجمة محمد خيري, القاهرة.

لا تعليقات

اترك رد