فلسفة برغسون من منظور فني


 

فلسفة برغسون من منظور فني
قراءة وتأويل لثلاث لوحات للدكتورة فوزية ضيف الله

ماذا يمكن للوحة فنية أن تقول؟ ولماذا يختار الفنان هذا النمط من التعبير لكي يقول أشياء قد تُفهم وقد لا تُفهم، وكثيرًا ما يُساء فهمها؟ وهل كل لوحة فنية تقول شيئًا ما بالضرورة؟ ألا وجود للوحات تعبر عن الصمت؟ أليست اللوحة والتعبير الفني بالرسم بمثابة تمرد على القول وثورة في وجه التعبير اللفظي والمفاهيمي؟

إنها أسئلة وإشكالات عميقة وشائكة لطالما طُرحت، ولا زالت تُطرح. وسوف لن يدرك قيمتها وحجم صعوبتها إلا من حَيّره سؤال التعبير، وآلمه عجز اللغة، وضَيَّقت عليه قيود العقل والمنطق؛ أي من عاش تجربة السؤال والتفكير فلسفيًّا، وتذوق طعم ذلك فنيًّا وإبداعيًّا.

ونحن هنا إزاء محاولة من هذا القبيل، تروم من خلالها الدكتورة فوزية ضيف الله أن تجمع بين الفلسفة والفن، أو لنقل، بتعبير أدق، أن تتذوق فنيًّا عملًا فلسفيًّا ينتمي إلى نوع من الفلسفة اللاعقلية المنفلتة من التعبير نفسه، وهي فلسفة حدسية حيوية وخلاقة للفيلسوف الفرنسي المعاصر هنري برغسون Henri Bergson. لذلك فالفنانة هنا، وهذا مما لا شك فيه، سوف لن تزعم أنها قَرَّبَت هذه الفلسفة تقريبًا دقيقًا ومباشرًا.

إن محاولتنا التأويلية هذه عبارة عن تجربة شخصية، مُعَبَّرٌ عنها باللغة، لكي تُصور لنا تجربة شخصية أخرى، تُعبر بحدسٍ فنيٍّ عن تجربة أولى هي تجربة الحدس الفلسفي، وبالضبط حدس الديمومة.

أرادت صاحبة اللوحة أن تقربنا من فلسفة برغسون، فاعتمدت على إحدى قواعد منهجه وهي التعبير بالصورة الحدسية عوض التصور العقلي وعوض اللغة أيضًا، ولو أَردتُ أن أكون وفيًّا لهذا المنهج أيضًا لما نطقت بأية كلمة، ولكنني مع ذلك سأتحدث وأقول ما يلي:


إن اللوحات التي أمامنا جد غنية بالمفاهيم والصور والرموز والكلمات، ولو أمكنها أن تنطق لباحت لنا بالكثير من الأسرار والمعاني. وعندما نتحدث عن المعنى أي le sens فإنه يفيد الاتجاه أيضًا. قد يكون هذا الاتجاه معقدًا ومتشابكًا، إلا أن أصله بسيط جدًّا، إنه أصلٌ على شكل قطرة أو دفقة، أو لنقل بلغة سارتر أنها قفزة وارتماءة في المجهول. إننا نحس بالألوان كما لو أنها كائنات حية تجاور بعضها، كُلُّها وعيٌ وشعورٌ، بل إن للون هنا ذاكرة، وأكاد أقول أن كل لوحة عبارة عن تاريخ وسيرة حياة، ابتدأت لحظة انسياب القطرة الأولى من الألوان.

ما يميز هذه القطرات، أو لنقل النقط غير الثابتة، في اللوحات هو أنها لم تظل ساكنة أو جامدة. إنها تبعث في نفس الرائي شعورًا بالاندفاع والاتساع والتدفق، لتصبح القطرة الواحدة قطرات متعددة، وهذا هو معنى خَلقُ الذات بالذات la création de soi par soi. إن صاحبة اللوحة، هنا، لم تكن لديها أدنى فكرة عما ستؤول إليه لوحاتها، فلم تضع أي تصور قبلي للأشكال أو الصور أو الخطوط؛ بل تركت المجال مفتوحًا لتلقائيتها، ولو طلبنا منها إعادة الرسم من جديد لرسمت رسومًا غير هذه التي نراها الآن. لذلك، ودون مبالغة، فمثل هذا النوع من التشكيل يضعنا أمام عمل فني يرسم ذاته بذاته. وما تأويلي هذا، وما قد يعقبه من تأويلات أخرى، إلا استكمال للإبداع المستمر لكل لوحة. فالرسام يبدع، ومن يتذوق فعله الفني تذوقًا جماليًّا يُبدع ويخلق هو أيضًا.
تنم النظرة الأولى للوحات عن وجود اتجاهات متشابكة ومتباعدة ومختلفة، لكنها، رغم تباعدها، تتكامل وتنسجم لتشكل لنا كُلًّا مُتناغمًا هو اللوحة وهو الحياة أيضًا. وهذه الاتجاهات المتباعدة هي وليدة سَوْرة حيوية وخلاقة un élan vital et créateur تتمثل هنا في الحس الجمالي والإبداعي، وفي تلك الطاقة الجوانية الخلاقة للفنانة صاحبة اللوحات.

تنفلت اللوحات من قيود المفهوم وسلطة اللغة، وترتمي بين أحضان الصورة والرمز، في كبد ديمومةِ وصيرورةِ وانسيابيةِ الحركةِ التي لا مواضع ثابتة لها في اللوحات. إننا نرى حركة دون أن نكترث لأجسام متحركة. فالخطوط هنا مُنْسَابة ومتدفقة، بدايتها في نهايتها ونهايتها في بدايتها، لا تحدها أية رؤوس أو زوايا، والسبب ببساطة أننا في حضرة عمل فني حدسي، ولسنا أمام رسم لشكل هندسي يحكمه منطق عقلي.

 

هناك دوائر وتموجات وانحناءات، كما توجد خطوط ملتوية تطغى عليها بعض الفوضوية. ونرى في ذلك تعبيرًا عن كثرة اتجاهات وخطوط التطور التي تشهدها الحياة، والتي لا يبرز منها إلا اثنين فقط؛ الغريزة والعقل. ولو شئنا أن نُعَيّن العقل في كل لوحة من اللوحات لقلنا أنه ذلك الإطار المربع الشكل الذي يحيط بها. بل ويحدها ويمنعها من التطور والتدفق على نحو مستمر ومتصل. أما الغريزة، التي قد تستحيل حدسًا، فتتموقع في قلب اللوحة، أي أنها هي الحياة والوجود.

إن حياة من يبدع ووجوده والطبيعة المحيطة به، هي العناصر التي تدفعه إلى العمل الفني الخلاق، ويبدو لنا أن هذه المكونات مُكَبَّلة ومُطوقة بهذا الإطار المسمى عقلًا، وبهذه اللغة التي نعبر بها عما ينفلت من التعبير، والتي حصرت هذا الإبداع في مجرد اسم هو اللوحة أو Tableau أو ما شئنا من المسميات، التي ليست إلا أسماء سميناها بعقولنا وألسننا، ولا تفيد من المعنى إلا الظاهر والمظهر فقط. في حين أن العمق أو الجوهر يعاش فعلًا وتجربة؛ أولًا من قِبل الفنان المبدع. وثانيًّا من لدن العين القادرة على أن تنظر نظرة بسيطة وحدسية ومباشرة وذوقية لما تم إبداعه.

تنطوي هذا اللوحات على نوع من السيلان والتدفق؛ إذ أن اللون يغمر اللوحة كليًّا، وفي صيغة قطرات سرعان ما تتدفق. إن هذا التقطير، أو لنقل بلغة أفلوطين هذا الفيض، هو انبثاق عن الأصل الأول، تلك القطرة الأولى التي سيفيض منها الوجود؛ والنتيجة هي أننا إزاء المعنى البرغسوني للخلق. فالفنانة هنا تخلق ذاتها من خلال هذه اللوحات، وتتقاطر مع تقطيرها للألوان، وتتدفق طاقتها الروحية في صيغة صور ورموز عصية عن التشكل

سوف لن أبالغ إذا قلت أن كل لوحة ترسم لنا معالم مختلفة ومتنوعة من الوجود، أي أننا في حضرة لوحات ممتلئة، موجودة وموجدة، لا تترك أي مجال للعدم أو الفراغ. وفي ذلك ترجمة فنية لتعبير باشلار الذي قال بأن فلسفة برغسون هي فلسفة الامتلاء، وهذه اللوحات هي الأخرى تجسيد للكينونة والحياة والحركة.

وفي الأخير يمكنني أن أقول، بلسان جون فال J. Wahl، أن هذه اللوحات لاكانطية، أو أنها ضد كانط. فلا مكان للمنطق الهندسي العقلي والخطي فيها. كل ما هنالك العديد من الانفلاتات، على مستوى اللون والشكل والرمز، وبالتالي فكل نظرة يمكنها أن تستشف بعدًا من أبعاد الوجود المُعَبَّر عنه، وكلما كانت النظرة بسيطة ونافذة إلا واستطاعت أن تدخل في نوع من التعاطف والمشاركة الوجدانية مع هذا العمل الفني ومع صاحبه أيضًا.

المقال السابقسكريبال والحرب الدبلوماسية
المقال التالى(( العدل غاية منشودة ))
مادي أنوار: طالب باحث في الدكتوراه بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بنمسيك، جامعة الحسن الثاني بالدرالبيضاء، يحضر دكتوراه في موضوع ''الدين بين العقل واللاعقل في فلسفة برغسون''. باحث مهتم بالفلسفة والتصوف وفلسفة الدين والعلوم الإنسانية، شارك في العديد من الندوات والملتقيات الوطنية والدولية، كما له العد....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد