القوّة الكامنة في الحسد والغيرة


 

يشعر كلّ شخص منّا في مرحلة من عمره وخاصّة في مراحل الطّفولة بالحسد والغيرة، وذلك لأنّ الطّفل يشعر بالدّونية في حين أنّ الأكبر منه سنّاً يملك ما لا يملكه شخصيّاً. إلّا أنّ هذه الصّفة إذا ما تطوّرت وتحوّلت إلى سلوك حياتيّ، يعبّر من خلاله الإنسان عن استيائه وغضبه لما يملكه الآخرون أو لما يستمتعون به، فهنا لا يظل الحسد مجرّد صفة في الإنسان إنّما يتحوّل إلى سلوك مرضيّ، يؤرق حياته ويشعره بالقلق والاضطراب. إنّ أسباب تطوّر هذه الصّفة إلى سلوك سيّء تعود بالدّرجة الأولى إلى التّربية حيث يتمّ تغذية هذه الصّفة من خلال تصرّفات الأهل تجاه أطفالهم، الأمر الّذي ينمّي داخل الإنسان الشّعور بعدم الاكتفاء من الدّاخل حتّى لو كان يملك الدّنيا كلّها.

قد لا يظهر الحسد كسلوك اضطرابي للعلن، ولكنّ الشّخص الحسود يضمر في داخله الاستياء والغضب لرؤية الآخر يتنعّم بما لا يمتلكه هو. كما وأنّه يتمنّى دائماً أن يكون ما للآخر له، بغضّ النّظر عن أهمّية أو قيمة ما يملك الآخر. وهذا السلوك يختلف من شخص إلى آخر ويتدرّج الشّعور بالاستياء من شخص إلى آخر، إلّا أنّ محوره الأساسيّ هو الإحساس بالنّقص. وهذا الشّعور الدّائم بالنّقص يولّد في داخله رغبة ملحّة في أن يظهر أنّه الأفضل والأحسن، وإنّما سلوكه يحول بينه وبين القناعة الذّاتيّة بأنّ قيمته في ذاته وليس في ما يملك.

ونلاحظ في الأشخاص الّذين يغارون ويحسدون، عدم الإصغاء أثناء تواصلهم مع الآخر، بحيث أنّهم يريدون التحدّث عن أنفسهم وإنجازاتهم، بغضّ النّظر عن الموضوع المطروح. فهم يفكرون بما يريدون قوله وليس بما يجب أن يقال، كما يحاولون باستمرار تسليط الضّوء على أخطاء الآخر بحيث يظهرون أنّهم أصحاب معرفة وخبرة. قد لا تكون معرفتهم شخصيّة أو خبرتهم حقيقيّة، بمعنى أنّه يمكنهم اختلاق ذلك وإن اضطروا للكذب.

بالمقابل، لا نراهم يثنون على إنجازات الآخر أو يشجعونه وذلك لتثبت صورتهم كأشخاص يتمتّعون بالأفضل، وأنّ لا أحد سواهم يحقّق النّجاح. لذا يعانون في علاقاتهم من الوحدة وإن كثر الأصدقاء من حولهم، أو المعارف بمعنى أصحّ، وذلك بسبب الحذر منهم ومن غيرتهم وحسدهم.

الحسد والغيرة كصفتين طبيعيّتين في كلّ إنسان يمكن توظيفهما بشكل إيجابيّ، إذا ما حاولنا اتّخاذهما كحافز للتّقدّم والاستمراريّة والتّطوّر الإنساني فتحوّلان طاقة الإنسان لأهداف إيجابيّة في سبيل أن يحقّق النّجاحات ولكن هذه المرّة بدون إعاقة الآخر وإنّما بالاستفادة من خبراته سلبيّة كانت أم إيجابيّة بدون المزايدة عليه وبدون تحقيره. أمّا إن أصبحت هاتان الصّفتان سلوكاً منحرفاً، فإنهما تنعكسان قلقاً واضطراباً في عمق الإنسان حتّى يصبح همّه الوحيد مراقبة الآخر والسّعي بشتّى الطّرق لفرض نفسه كشخص يتمتّع بالخصائص الفضلى والمثلى. وتجدر الإشارة إلى أنّ الغيرة بمعناها الإيجابيّ (الغيرة على) هي صفة سامية في الإنسان، وتعبّر عن اهتمامه ومحبّته الوفيّة والمخلصة، كالغيرة على الوطن والعائلة والأصدقاء، والعمل…

الحسود، شخص يثير الشّفقة، فهو وإن كان في الظّاهر إنساناً طبيعيّا، فإن داخله يضج بالقلق والحزن والنّقمة والضّيق. كما أنّه شخص فارغ من داخله ويحاول أن يمتلئ من الماديّات الخارجيّة. والامتلاء من الدّاخل هو الامتلاء بالحبّ والإيمان. والإيمان هو الحبّ المرتبط بالحبّ الأسمى، الله. من يملك في قلبه الحبّ الإلهيّ، يعدّ كلّ ما حوله أقلّ قيمة ويدرك أنّ الأشياء من حوله مهما عظم ثمنها أو قلّ تبقى فانية. فيكون السّعي نحو الهدف سعياً إنسانيّاً بمعنى السّعي لتحقيق إنسانيّة الإنسان، وليس بهدف امتلاك الماديّات الّتي تفنى.

إنّ الامتلاء بالحبّ والإيمان، يولّد القناعة الحقيقيّة الّتي تجعل الإنسان يحيا الواقع كما هو، مستفيداً من أبسط الأشياء ليخلق منها نحاجاً كبيراً، فكأنّه فقير ولكنّه يملك كلّ شيء، وكانّه يحتاج ولكنّه يعطي الكثير.

لا تعليقات

اترك رد