(( العدل غاية منشودة ))

 

لقد أرقت العدالة الاجتماعية البشر على مر العصور ، وكانت ولا زالت غاية يتعارك من أجلها الناس ، وتشكل أساساً لاحترابات دامية من أجل إحقاق الحق ومساواة الناس في الحياة والحرية والعيش الكريم .

فاللامساواة قاعدة يعتاش عليها الجبابرة والمتسلطون وتستند على مداميك الأنظمة القهرية التي أوغلت في الحط من شأن الإنسان وقيمه الحميدة .. فالعدالة الاجتماعية قيمة إنسانية تتساوق مع النظم العادلة والفاضلة ، فهي نقيض للأنظمة العبودية والقمعية ، تتقاطع مع مبادئ الاسترقاق والإهانة البشرية .إن العيش في كنف أنظمة استبدادية ظالمة لفترة زمنية مديدة يؤدي بالبعض للاستسلام والرضوخ للواقع الكئيب ، ولا يرى البعض بصيصاً من النور في نهاية النفق .

يقول بطل رواية (( عصفور من الشرق )) للمبدع توفيق الحكيم : ” لن يذهب الرق من الوجود .. ولكل عصر رقه وعبيده “.

فالعدالة والمساواة غاية تطمح إليها المجتمعات الإنسانية ، إلا أن التنطع في فهمها وتطبيقها بتعسف قد أضر كثيراً بمعانيها السامية . فجان جاك روسو (1712- 1778م ) ، كان يطمح إلى العدالة والمساواة في المجتمعات إلا أنه كان يعتقد أن الثقافة والفنون تولدان عدم المساواة بين الناس في الأذواق والمواهب ، وهذا ما ذهب إليه البابوفيون في الثورة الفرنسية ( 1789م ) ، حيث صرخوا : لتنته كل الفنون ، إذا كانت تولد عدم المساواة بين البشر ، ولم يقدروا العمل الذهني ، وكانوا يعتقدون أن العمل الفكري غير مفيد للمجتمعات ومجدوا العمل العضلي .

فلا تعني العدالة والمساواة أن يتساوى الناس في المأكل والمشرب والملبس وفي الثورة والملكية ، أو مساواة الناس في الأذواق والمواهب والملكات والقدرات الذهنية والإبداعية ، وإنما يقصد بذلك ، مساواة الناس في الحقوق والواجبات في إطار الأنظمة والقوانين العادلة ، أما مساواة الناس الاقتصادية فهي غير معقولة ومدمرة لكيان المجتمع ومضرة بمبدأ العدالة الاجتماعية ، وتصب لفائدة الكسالى وغير المبدعين وتدمر روح العمل والإبداع وتحبط المقتدرين والنشيطين والنابهين

فغاية العدالة الاجتماعية هي الحفاظ على كرامة الإنسان من الانحطاط والمهانة ، والذود عن القيم الإنسانية الرفيعة من التخلخل والانكسار والتقزم ، فكرامة الإنسان هي عنوان لكرامة الأوطان والأمم ، عنوان للرفعة والسمو في المجتمعات . ومن أجل العدالة الاجتماعية لا بد من محاربة الفقر والفساد ، وتوطيد دعائم دولة الحق والقانون ، ومساواة الناس في الحقوق والواجبات .

فلا بد أن يتساوى الناس : ” أمام القانون في اللجوء إلى المحاكم ، وفي الحرية الشخصية والأمان ، والعيش الكريم ، وفي حرية التنقل ، وبناء الأسرة ، تملك ، و حرية التعبير والفكر والعقيدة وإقامة الشعائر الدينية ،والمشاركة في إدارة شؤون المجتمع ، وفي تقلد الوظائف حسب الكفاءة والموهبة ، وفي حق التملك والتصويت والانتخاب وتحمل المسؤوليات المدنية والسياسية والاجتماعية والعلمية ، والأجر المتساوي في العمل المتساوي ،وفي الراحة والعمل ، وأوقات الفراغ ، والصحة والتعليم والثقافة ، وفي إنشاء التجمعات والأحزاب ” ،هذا ما نص عليه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان 1948م .

فالعدالة الاجتماعية ند قوي للقهر والإذلال، وضد العقليات التسلطية و الاستبدادية و التآمرية ، وضد الظلم ، فالظلم على حد تعبير المفكر العربي الشهير عبد الرحمن ابن خلدون (1332- 1406م ) ، ” مؤذن بخراب العمران ” .

ويقال أن أحد الولاة طلب مالاً من الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز لبناء سور للمدينة يقيها العدوان والتهجم والغزوات ، فأجاب الخليفة العادل (( ماذا تنفع حصنها بالعدل ونق طريقها من الظلم )) .

العدالة الاجتماعية لا يمكن أن يضبط إيقاعها إلا في مجتمع عادل قد ألف المدينة والهدوء وتأصلت فيه روح المحبة والتسامح والخير العام ، وأنخرط في تناغم اجتماعي وأخلاقي واقتصادي وحياتي للعمل المبدع وللكسب المشروع ، ففي المجتمعات العادلة تتغير جغرافية العقل وعلاقات القوة لفائدة الإنسان ، وينعم بهدوء مرفوقاً بعدالة لا تغرد خارج سرب الأنظمة والقوانين العادلة ، وإنما تتعايش في كنفها بنفس أليف ووديع .. فالعدالة الاجتماعية غاية منشودة تصبو إليها كل الأمم وينشدها الأخيار في كل بقاع الأرض .

لا تعليقات

اترك رد