العدوان الأمريكي المحتمل على سورية وخياراته

 

يبدو أن الولايات المتحدة وحلف الناتو وربيبتهم اسرائيل قد ولدوا في الجحيم ولهذا السبب اعتادوا عليه وعلى أساليب الحياة في جهنم ، ويندر أن يمر يوم من دون فبركة الأخبار الكاذبة والمضللة عن خصومهم المفترضين وخاصة في المناطق الساخنة وفي مقدمتها سورية . وفي هذا السياق تأتي حكاية السلاح الكيماوي السوري المزعوم واشتباه استخدامه في دوما السورية وفي ذات السياق تأتي الغارات الإسرائيلية على مطار التيفور العسكري شرق حمص وفي ذات السياق أيضا تأتي جلسات مجلس الأمن المحمومة والتباكي على المواطنين السوريين والشعور بالشفقة عليهم والحقيقة المطلقة التي تكمن خلف هذه الافتراءات هو التغطية الاعلامية على هزيمة الإرهابيين في الغوطة الشرقية واكتشاف أن حكاية سجن التوبة كذبة كبيرة ليس لها أساس ولا تمتلك تلك المجموعات الإرهابية المسلحة أصلا ثقافة الأسير والمحافظة على أرواح المدنيين وممتلكاتهم .

التهمة جاهزة دوما على طاولة الغرب وجحيمه الاستعماري البغيض :” يشتبه مرة أخرى استخدام الأسلحة الكيماوية في سورية وعلى ما يبدو من قبل القوات الحكومية ” فيهرع طبالو الحرب إلى دق النواقيس ورن أجراس الكنائس ومؤخرا التحق التكبير بهم لمعاقبة الحكومة السورية وتقويض صمودها في وجه الإرهاب . التهمة جاهزة بدون أدلة ولجان التحقيق الوخيمة تذكرنا بالعراق الجريح . وصارت سورية أشهر دولة على وجه الكرة الأرضية فقد اجتمع بسببها يوم أمس الأول مجلس الأمن ثلاث مرات ويبدو أن المناقشات التي حدثت في مجلس الأمن تشي بالطريقة التي يعتزم فيها حلف الناتو وعلى رأسه الولايات المتحدة لمقاربة أكذوبة الأسلحة الكيماوية . تناقش الإدارة الأمريكية على أعلى المستويات احتمال توجيه ضربات عقابية للحكومة السورية بتهمة ملفقة قد تكون محدودة كما حدث في مطار الشعيرات أو بالوكالة الاسرائيلية كما حدث في مطار التيفور منذ يومين . ولا تستطيع الحكومة السورية وحلفائها إلا أن تضع أسوأ الخيارات على الطاولة لأن مخالب الولايات المتحدة العسكرية ليست أقل توحشا من مخالبها السياسية . الثابت الوحيد هو أن هناك شيئا غريبا حول هذه الحادثة لم يتغير كثيرا بين إدارتي أوباما وترامب. أثناء إدارة ترامب تم حل مشكلة الأسلحة الكيماوية السورية وتأكدت المنظمة الدولية من خلو سورية الحكومة السورية من تلك الأسلحة وأصدروا صك البراءة لتأتي إدارة ترامب وتنقلب على كل الاتفاقيات الدولية المعقودة بهذا الشأن .

تشتبه الإدارة الأمريكية مرة أخرى في استخدام الأسلحة الكيماوية في سورية وتتهم الحكومة السورية زورا وبهتانا بأنها استخدمت السلاح الكيماوي في دوما وتقوم بجمع الأدلة الظرفية التي تفتقر إلى الوثائق أو التحقيقات على الأرض مرة أخرى ويستجيب العديد من القادة الأمريكيين لا سيما في واشنطن لدعوات للقيام بشيء ما ضد الحكومة السورية . ومرة أخرى ، فإن الغارات الجوية العقابية ضد الحكومة السورية هي الخيار الأكثر مناقشة وترجيحا في دوائر صنع القرار في الولايات المتحدة .

هذه المناقشات حول سورية تكشف الطريقة التي يعتزم المشاركون بها في كثير من الأحيان استخدامها ويستطيع المتابع العادي للسياسة الأمريكية أن يتنبأ مسبقا برد الفعل. إن الأمريكيين الذين يصلون في كثير من الأحيان إلى نفس سياسة الغارات الجوية المحدودة يخبروننا كثيراً عن سبب صعوبة وتعقيد المشكلة السورية.

وخلال الحرب على سورية وقبل أن تقوم سورية بتسليم ترسانتها الكيميائية لم تدخل الأسلحة الكيميائية كسلاح وازن بيد الحكومة السورية في محاربة الإرهابين على مختلف الجبهات لأسباب أخلاقية وقانونية يعرفها كل متعمق بالسياسة الدولية وقد استغل الإرهاب المدعوم من الغرب عزوف الحكومة السورية عن استخدام الأسلحة المحرمة دوليا ليمارسوا هذا الدور البشع ويلصقوه بالحكومة السورية بهدف استجرار المزيد من التدخل الدولي في الحرب على سورية

في عام 2017 نفذ الرئيس ترامب ضربات صاروخية ضد الحكومة السورية وأرسل 59 صاروخا مجنحا لتسقط على مطار الشعيرات العسكري بتهمة السلاح الكيماوي أيضا وهو يعلم علم اليقين أن المجموعات الإرهابية المسلحة هي التي تنفذ مثل هذه الأعمال المشينة . قام الرئيس ترامب بضربات تأديبية من النوع الذي طلب منه بالضبط. و لم يتغير شيء واضح في سورية ، ولكن من الغريب أيضا أنه لم يتغير الكثير في الولايات المتحدة، حيث يظل الاعتقاد بفعالية الضربات المحدودة ثابتًا أكثر من أي وقت مضى.

يقول البروفيسور مارك لينش ، أستاذ الدراسات الشرق أوسطية في جامعة جورج واشنطن على تويتر : ” لم يكن هناك أدنى فائدة أو صلة بأن ما فعله الرئيس ترامب عندما قصف مطار الشعيرات العام الفائت بأن هذا سيؤثر على مجرى الأحداث في سورية وفق الأسطورة الكونية التي عملت عليها إدارة الرئيس أوباما عام 2013. ” الحكومة السورية وقائدها الرئيس بشار الأسد أقوياء بما يكفي لردع العدوان وتخطي أثاره.

في الواقع ، يتصاعد الضغط للقيام بمجموعة أخرى من هذه الضربات ، ويبدو الأمر كما لو أن السيد ترامب قد ينفذها مرة أخرى. إن ما قد يواجهه الأمريكيون – سواء أرادوا ذلك أم لا – هو حقيقة مفادها أن بعض المشاكل لا يمكن حلها من خلال نوع من الحلول البائسة التي اعتادوا عليها في فترة قصيرة من الهيمنة الأمريكية العالمية بعد الحرب الباردة. إنه من المستحيل أن يكون هناك ما هو أبعد من الحل الأمريكي السهل ، لذلك يجب أن تكون المشكلة أن الرئيس ترامب وإدارته يفتقدان إلى الإرادة أو العزيمة الصحيحة لرؤية القرار الصائب من خلاله. وعلى الحكومة الأمريكية أن تتخذ القرار الصائب والشجاع وتعترف أن الرئيس الأسد وحكومته هي القوة صاحبة الكلمة الأخيرة على الأرض وسيثبت التاريخ هذه الفرضية لأن السوريين هم أبناء الشمس.

تقول ايما المحللة السياسية في معهد كاتو في معرض حديثها عن الهجوم الكيماوي المزعوم: ” بالنسبة لأولئك الذين يؤيدون الرد العسكري أريد أن أسألهم سؤالا بسيطا : هل يمكن لأي ضربة عسكرية لسورية أن تمنع تكرار حدوث مثل هذا الهجوم ؟ وما الفائدة من توجيه الضربات العسكرية للحكومة السورية طالما أن كل الاتهامات غير مدعومة بوثائق واثباتات عن حدوث الهجوم؟ ” .

وحتى نفهم الموقف الأمريكي ، علينا أن نقسم الرد الأمريكي إلى ثلاثة احتمالات ممكنة والتي قد تؤثر على أسلوب حل المشكلات العالقة في بنية الحرب السورية :

الخيار رقم /1/ :

يمكن تسمية هذا الخيار على أنه نوع من الضربات المحدودة والعقابية التي تم الضغط على السيد أوباما لتنفيذها والتي نفذها السيد ترامب خلال العام الماضي 2017. ويهدف هذا الإجراء إلى معاقبة سورية عقوبات شكلية بسيطة أو إرسال رسالة مفادها أنه لن يتم التسامح مع استخدام الأسلحة الكيميائية في المستقبل. في الوقت نفسه ، من المفترض تجنب أي خطر لتغيير مسار الحرب والذي قد يؤدي إلى اتجاهات غير متوقعة – مثل توريط الولايات المتحدة في صراع أكبر أو انهيار الحكومة السورية التي يمكن بدوره أن ينشر الفوضى التي من شأنها أن تعرض ملايين الأرواح للخطر.

لكن الجهود السابقة في هذا النوع من الضربات فشل لأسباب متعددة يمكن أن نلخصها بما يلي :

1- ليس هناك أدنى دليل على ارتكاب الحكومة السورية هذا الهجوم

2- وقوع الهجمات الكيماوية في مناطق خارج سيطرة الدولة السورية

3- يتم اعتماد تقارير المجموعات الإرهابية المسلحة وحلفائها مثل ” الخوذ البيض ” .

4- صعوبة اثبات حدوث مثل هذه الهجمات لأنها تتم بغموض وتعتمد على فيديوهات وصور في معظمها تخدم اجندات أعداء الدولة السورية .

5- لا تمتلك الدولة السورية امكانية وقف مثل هذه الهجمات لأنها تتم في مناطق لا يمكن للمحققين الحياديين الوصول إليها والتأكد منها ومن مرتكبها.

ولا يمكن أن نتجاهل الحقيقة الراسخة بأن الجهات التي تقوم بمعاقبة الحكومة السورية هي جهات حليفة للمجموعات الإرهابية المسلحة وبالتالي تعتمد في أحكامها وقراراتها على تقارير تأتي من جهة واحدة هي الجهات الإرهابية والمتمردين على السلطة الرسمية والمدعومين من الغرب والولايات المتحدة وهنا نميل إلى اعتبار أن الأصيل يحارب الدولة السورية عن الوكيل ولهذا السبب نجد الأزمات المفتعلة عند كل هزيمة للمجموعات الإرهابية أمام الحكومة السورية الوطنية لنجد التدخل المباشر من الإدارة الأمريكية وعدوان الكيان الإسرائيلي.

وفي حال حدوث مثل هذه الضربات يمكن التعويض السريع لكل الخسائر التي تتعرض لها الحكومة السورية بمساعدة الحلفاء ولهذا السبب لا فائدة ترجى من هذه الضربات بل على العكس تسيء لصورة الولايات المتحدة ولا تؤثر في الحكومة السورية ولا تثبت مصداقية حدوث هذه الهجمات أو ايقافها .

الخيار رقم/2/:

يدخل الخيار الثاني في إطار السياسيات التي اتبعها الرئيس باراك أوباما وهو القيام بعمليات تسليح غير محدود للمجموعات المسلحة المناهضة للحكومة السورية لزيادة الضغط علىها وتحقيق المزيد من التدخل الأمريكي على الأرض السورية.

لقد قدم الرئيس باراك أوباما بشكل غير محدود صواريخ تاو المضادة للدبابات والدروع والتي كان لها الأثر الكبير في تقدم المجموعات الإرهابية المسلحة على الأرض السورية ثم ذهبت هذه الأسلحة للمنظمات المتشددة في سورية مثل داعش وجبهة النصرة . وقام الرئيس الأسد وحلفائه الروس بتصعيد الحرب على المجموعات الإرهابية المسلحة وزيادة الثقل العسكري على المسلحين . وفي كل مرة كانت الولايات المتحدة تقدم المال والسلاح يحدث من جانب الحكومة السورية تصعيد قوي في الحرب على الإرهابيين بحيث تم دحر الإرهابيين على الأرض رغم التسليح والدعم الأمريكي غير المحدود الأمر الذي اضطر الإدارة الأمريكية إلى الدخول بشكل مباشر على الأرض في التنفف والجزيرة السورية ومناطق سيطرة الأكراد.

الخيار رقم /3/:

وهو الخيار الذي قد تقوم به الولايات المتحدة بشكل يفوق قدرة سورية وروسيا وإيران وقوى المقاومة المختلفة على تحمله وهذا يعني تدخلا أمريكيا أطلسيا غربيا مشتركا كاملا أو ضربات جوية أو صاروخية تهدد وجود الحكومة السورية . وفي حال حدث هذا الخيار تكون الإدارة الأمريكية أمام خيارين خطرين للغاية . الأول : خطر سقوط الحكومة السورية ودخول البلاد في حالة من الفوضى الشديدة التي قد تستمر عقودا طويلة من الزمن يصعب ضبطها والسيطرة عليها في المدى المنظور والثاني: خطر الاشتباك مع الجانب الروسي الذي قد ينحدر نحو الصراع المباشر بين القوتين العظيمتين والدخول في صراع طويل الأجل وتهديد استقرار أوروبا والشرق الأوسط وتعريض العالم لخطر الانزلاق نحو حرب نووية . تتابع أشفورد قائلة : ” هناك خطوط حمر في المسألة السورية . سقوط الحكومة السورية يعني تسعيرا غير قابل للسيطرة في الحرب السورية ولهذا السبب سيكون أقصى ما يمكن أن يفعله الرئيس ترامب هو ضربات عقابية لا طائل منها إلا تحصيل المزيد من الأموال من دول الخليج العربي وخاصة قطر والسعودية والايحاء للرأي العام الأمريكي بأن الرئيس يفعل ما يقول. ”

وإذا كانت هذه الضربات فاشلة لا طائل منها فلماذا تحدث؟

تقول العالمتان سارة كريب وسارة ماكسي الاختصاصيتان في العلوم السياسية في جامعة كورنيل وجامعة بنسلفانيا : ” يشعر الأمريكيون بالالتزام الأخلاقي مع حلفائهم وتقديم نوع من الدعم العسكري المساند شكليا . وهذا يقود الإدارة الأمريكية لممارسة سياسات متناقضة على الساحة السورية .” حاليا تقوم الإدارة الأمريكية بمراجعة المنافع التي تحققت من ضرباتها السابقة لكنها لم تتخذ قرارا بشأن الإجراء المناسب.

الخيار البديل عن كل ما سبق وفق الدوائر الأمريكية هو القيام بضربات محدودة ترفع من معنويات الحلفاء لكن رفع المعنويات مصلح مطاط لا فائدة منه وليس له أي معنى ثابت . وتناقش دوائر السياسة الأمريكية الخيارات المتاحة ويبدو أن مصطلح ” الضربات المحدودة ” له معنى قوي لدى الولايات المتحدة وتشدد عليه .وفي هذا السياق وللخروج من نفق السياسات المتعجلة والتصريحات المتسرعة وحفظا لماء الوجه ستقوم الولايات المتحدة بتوجيه ضربات لمطارات عسكرية فارغة بحيث تقول نفذنا عملا عسكريا ضد الحكومة السورية لن يكون منه أي جدوى للإدارة الأمريكية ولن يؤثر كثيرا على الحكومة السورية وإلا سنكون ندفع بمستقبل البشرية نحو المجهول- آخر حرب عالمية كونية بعدها ستعود البشرية نحو نقطة الصفر والحياة في الكهوف والبدء من جديد.

لا تعليقات

اترك رد