الشائعات وتحديات الامن القومي


 

أن ما يدور من أحداث مؤخرًا ضد مصر يعد من أشد المخاطر التي تهدد الأمن القومي الداخلي، فهي أكبر الدول العربية على المستوى الاستراتيجي والعسكري، ما يجعل المسئولية أكبر تجاه ما يدور ضد الوطن العربي من مؤامرات دنيئة تستهدف زعزعة أمن واستقرار بلادنا الغالية.

الشائعات هي التي تنقل عن طريق الأفراد والصحف والمجلات والإذاعة والتلفزيون أو أجهزة الإعلام الأخرى قد تكون سليمة تحمل آمالاً طيبة للمستقبل وقد تكون مدمرة تحمل الكراهية مستخدمة في ذلك أنسب الظروف لظهورها، والشائعة تمس أحداثاً كالحرب والكوارث وارتفاع الأسعار أو علاقات سياسية أو اقتصادية وقد تمس أشخاصاً أو جماعات… إلخ.

مستهدفة شيئاً معنوياً أطلق عليه الحرب المعنوية أو الحرب النفسية، وفي الواقع إن الشائعات بأنواعها المختلفة رقطاء تنفث سمومها في المجتمع وإذا لم يتكاتف كل أفراد الشعب في مقاومتها ودرئها بكل عنف فإنها تقضي على الروح المعنوية التي هي أساس كل نجاح.

يحتل الأمن مكاناً بارزاً بين ألمهتمين والمسؤولين والمواطنين في المجتمع المعاصر، لاتصاله بالحياة اليومية بما يوفره من طمأنينة النفوس وسلامة التصرف والتعامل. كما يعتبر الأمن نعمة من نعم الله عز وجل التي منَّ بها على عباده المؤمنين، فقد قال تعالى: (فليعبدوا رب هذا البيت، الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف)

وقال رسول الله صلي الله علية وسلم “من أصبح منكم آمناً في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا “.

ولقد رددت كلمة الأمن كثيراً خلال الفترة الماضية في جميع أنحاء العالم منذ أن انتشر الإرهاب وأعمال العنف عند الدول. والأمن بمعناه المباشرة هو أحد أنواع الأمن وليس كلها، فقد بدأنا نسمع كثيراً عن أنوع الأمن مثل: الأمن النفسي (ارتباط وثيق بالشعور والإحساس)، والأمن الغذائي (توافر الغذاء وعلاقته بقضية تحقق الأمن)، الأمن الاجتماعي (توفر الطمأنينة والرفاهية والتغلب على المرض والجهل والاعتداء على النفس)، الأمن الثقافي والفكري (عدم وجود أي عوامل خارجية وغزو فكري)، الأمن الاقتصادي (ثبات في الدخل واستقرار مادي)، الأمن المائي (توفر المياه). وهكذا.

والأمن مسئولية الجميع، لقوله تعالى: (من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا) وهو ما يعني توحيد الأمة في مقاومة العدوان على فرد واحد، فضلاً عن العدوان على الجماعة.

يُثار موضوع الأمن القومي في حالة تفكك الدول الكبرى وخاصة الفيدرالية إلى دول قومية مستقلة ذات سيادة. التوسع في مفهوم المصلحة القومية ليشمل مسألة ضمان الرفاهية بما يعنيه ذلك من تأمين لمصادر الموارد، ومن ثم برز مفهوم الأمن القومي كتعبير عن كل من الرفاهية من ناحية، ومحاولة ضمان مصادرها الخارجية من ناحية أخرى، وحماية الترتيبات الداخلية التي تدفع إلى زيادة معدل الرفاهية من ناحية ثالثة.

ازدياد معدل العنف وتصاعد حدة الصراعات المباشرة والتي قد تتطور إلى حروب، ومن ثم سار الاهتمام بالأمن القومي في موجات ارتبطت بتزايد الصراعات على المستويين الإقليمي والدولي.

ازدياد الشعور لدى دول الجنوب بنوعين من التهديدات المتصلة بأمنها القومي. فمن ناحية، تُعد الديون الخارجية المستحقة عليها تهديداً لأمنها السياسي والاقتصادي، وتحد بالضرورة من حرية اتخاذ القرارات الاستراتيجية.

ومن ناحية أخرى، تخشى الدول الصغرى من احتمالات قيام الدول الكبرى بإساءة توظيف المنظمات الدولية وعلى رأسها الأمم المتحدة ليس فقط لتحقيق مصالحها، ولكن للإضرار بمصالح الدول الصغرى وأمنها القومي.

تزايد الإحساس بالقلق والتوتر الداخلي والذي يمكن أن يتحول إلى مظاهر عديدة من عدم الاستقرار وعدم الأمن في الدول الصغرى، فلا تزال تلك الدول تعاني من مشكلات كبرى في عملية الإنتاج وكذلك عملية التوزيع.

يُثار الاهتمام بظاهرة الأمن القومي عند التحول من نظام الدولة القومية إلى نظام أوسع وأكثر شمولاً كالنظام الفيدرالي، أو التجمعات الاقتصادية الدولية. تبدأ مثل هذه السباقات عادة بقيام دولة بتقوية قوتها العسكرية لأغراض دفاعية من أجل أن تشعر أنها أكثر أمناً.

ويؤدي هذا الفعل بالدول المجاورة إلى أن تشعر بأنها مهددة، وترد على ذلك بأن تزيد من قدراتها العسكرية، مما يجعل الدولة الأولى تشعر أنها أقل أمناً فيستمر السباق. أدى ذلك إلى بروز الحاجة إلى صياغة تعريف أوسع للأمن القومي يتضمن الأبعاد الاقتصادية والدبلوماسية والاجتماعية، بالإضافة إلى البعد العسكري.

أنه على الرغم من أن الأمن مرتبط مباشرة بالقيم، فإنه ليس قيمة في حد ذاته، وإنما موقف يسمح لدولة ما بالحفاظ على قيمها،

وبالتالي فإن الأفعال التي تجعل أمة ما أكثر أمناً ولكنها تحط من قيمها لا نفع لها. ومن الصعب قياس الأمن بأي طريقة موضوعية،

ولذلك فإن الأمن يصبح تقييماً مبنياً على مفاهيم لا تتعلق بالقوة والضعف، وإنما أيضاً بالقدرات والنوايا الخاصة بالتهديدات المدركة. ويقود عدم الثقة بشأن المستوى الحقيقي للتهديد إلى التخطيط للبديل الأسوأ بسبب النتائج القاسية للفشل الأمني، وحتى إذا كانت المفاهيم دقيقة، فإن الأمر يتحدى القياس المطلق، لأنه موقف نسبي.

فالأمن يتم قياسه نسبة إلى التهديدات القائمة والمحتملة، ولأنه من غير الممكن تحقيق أمن مطلق ضد كل التهديدات المحتملة، فيجب تحديد مستويات عدم الأمن التي يمكن أن تكون مقبولة.

وأخيراً، فمن المهم إدراك أن الأمن القومي ليس موقفاً جامداً يوجد في فراغ، وإنما يتم تحديده في ضوء كل من البيئتين الدولية والمحلية، وكل منهما يتغير بشكل دائم.

عوامل انتشار الفتنة

يمكن ببساطة عزو ظهور الإشاعة إلى انعدام المعلومات، ومن هنا تروج الشائعات وكأنها حقائق. والشائعات وسيلة بدائية جداً لنشر القصص عن طريق انتقالها من فم إلى فم حتى تكون إشاعة بين الناس كأنها حقيقة مستخدمة أساليبها السيئة. إلخ.

ومن عوامل نقل الإشاعة عن طريق الصحافة أو الإذاعة أو مختلف أجهزة الإعلام أو وسائل الاتصال الأخرى ولها أشكال أخرى مثل الثرثرة والهمس والنكات والدعاية والقذف والتقولات والتنبؤ بالأحداث المقبلة.

أثر الإشاعة على الأمن

الإشاعة سلوك عدواني ضد المجتمع وتعبير عن بعض العقد النفسية المترسبة في العقل الباطن وهذا السلوك العدواني قد ينجم عنه أفعال مباشرة وقد يتحول إلى نوع من الشذوذ في القول والعمل ولعل أبرز أنواع الشائعات هي ما يتعلّق بأمن الناس لأنه يتركهم في دوامة القلق ويؤثر على مجرى حياتهم وخاصة الوضع الاقتصادي والاجتماعي والأمني. وخاصة عندما يفتقد الناس إلى الإدراك والوعي وثوابت الاستقرار كالأمن والدين والقيم. وتعتبر الإشاعة من أخطر الأسلحة المدمرة للمجتمعات أو الأشخاص وتعتبر الإشاعة عصب الحروب النفسية وسلاحها للنيل من الروح المعنوية للشعوب.

أثر الإشاعة على المجتمع

الهدف من الإشاعة دائماً هو عقل الإنسان وقلبه ونفسه وليس جسده أي أنها تتجه إلى معنوياته لا ممتلكاته حيث إن ميدانها هو الشخصية وتستهدف إشاعة الفكر والعقيدة والروح لتحطيم معنويات الأعداء سواء مدنيين أو عسكريين على السواء.

ففي القرآن الكريم نهى الله رسوله الكريم عن مطاوعة من يتصف بهذه الصفة الذميمة بقوله تعالى: {ولا تطع كل حلاف مهين هماز مشاء بنميم}

التخطيط لمكافحة الشائعات:

في عصرنا الحاضر يقوم الإعلام بدور محاربة الشائعات والرد عليها ومحاصرتها ثم القضاء بالحقائق. وتحارب الشائعات بأربعة طرق:

٭ تدعيم الثقة بالقوات المسلحة برفع مستوى الوعي وأخذ الحذر والحيطة من شائعات العدو.

٭ اشتراك أكبر عدد من القادة والمقاتلين في حملة التصدي ضد الشائعات وعن طريق وسائل الإعلام لإظهار الهدف والغرض الحقيقي لبث سموم الشائعات المغرضة بين الناس وبالأخص أفراد وضباط القوات العسكرية.

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (استعينوا على قضاء حوائجكم بالصبر والكتمان). وكان صلى الله عليه وسلم من أهم الأساليب التي حصن بها أصحابه من الإشاعات الضارة أسلوب ربط المجتمع الداخلي. وتغيير أسلوب الشائعات لدحضها وقتلها في مهدها قبل أن تؤثر في الناس.

إن النفس الإنسانية على مر العهود والقرون جبلت على حب الجديد. فنرى أن غالبية الناس تستمع إلى الأحاديث اليومية لتعرف ما الجديد إما بالإنصات أو بالمشاركة فيه. ربما يكون هذا الحديث زائفاً أو صحيحاً أو خليطاً من هذا وذاك. المهم أنه كلام أو ر واية أو قصة …الخ

تتناقله أفواه الناس دون أن يعرفوا بدقة مصدر هذا الكلام، فيتداول العامة هذا الحديث الذي إن كان يحوي نسبة عالية من الصحة فسيصبح تقريباً خاوياً من الصحة نتيجة تداوله وإضافة وتحريف الناس له.

هذا الكلام المحرف المزيف هو ما يسمى بالشائعة. فالشائعة مرض خطير تفشى في جميع اﻟﻤﺠتمعات أياً كان مستوى تعليمها. هذه الشائعات مؤداها زعزعة اﻟﻤﺠتمع سواء كان ثقافياً أو اجتماعياً أو أمنياً أو سياسياً …الخ. لا شك بأن تأثير الشائعة غير محدود على الرأي العام وخاصة إذا كان يتقبل الشائعات بشكل كبير. الأدهى والأمر إذا كان تسريب الشائعة عن طريق مصدر معادي سواء من خارج الوطن أو داخله. لأنه في الغالب تكون الشائعة مدروسة قبل إطلاقها ويسهل أيضاً انتشارها ولكن يصعب علاجها وأضرارها أكبر لو أن مطلقها شخص عادي لا يقصد من ورائها الضرر بأنواعه المختلفة (أمني، سياسي، اقتصادي، اجتماعي…الخ).

اتضح أن الشائعة تتطور بتطور العصر ومروج الشائعة اليوم لا يقل خطورة عن مروج المخدرات، فكلاهما مروجان يستهدفان قتل النفس التي حرم الله قتلها إلا بالحق.

والشائعة أسلوب قذر تستخدمه الدول في حربها النفسية ضد من عادت من الدول. ونجد في المراجع العلمية أن الألمان والأمريكان في عصرنا هذا هم أرباب وصناع الشائعة. ولهذا تكافح الشائعة وتفند ويقضى عليها بالحقائق وحرية الرأي وبوسائل الإعلام.

ومن ثم فالشائعات من الأسباب الرئيسية في إضاعة الأمن والأمان في المجتمع، علاوة على تفريق وحدة المجتمع، فهي مطلب الفاسدين الذين يهدفون إلى إسقاط المؤسسات وضياع الأمم، وانتشار القتل، وقطع الطرق، وتضييع الحقوق.

ولذا على الأمة أن تفطن لمثل هذا المرض الخطير حتى لا يضيع أمنها، وحتى لا تُراق دماء أبنائها. تظهر حرب الشائعات في وقت الأزمات، وفي الفترات التي تسبق الانتخابات. وتعد أسلحة تلك الحروب واحدا من أخطر الأسلحة، التي ظهرت بعد ثورة الـ 30 يونيو، ويصنفها البعض من أقوى وسائل التدمير المعنوي والمادي، لأنها تستهدف النظم الحاكمة، واستقرار المجتمع. وتظهر خطورة تلك الحرب في الوقت الراهن في تغير وسائلها. ففي الماضي، كانت تستند إلى أخبار من مجلات، أو صحف صفر، أو إذاعة، أو تلفاز.

أما اليوم، فقد تطورت الوسائل، وأصبحت أكثر سرعة في التداول عبر مواقع التواصل الاجتماعي (الفيس بوك، وتوتير، وانستجرام). تسبب الاختلاف بين الأفراد أو الجماعات، أو بين الأحزاب وبعضها، أو بين قوى سياسية والسلطة، في زيادة معدل استخدام الشائعات، طلبًا للانتصار على الخصم.

فهذا الاستخدام لجأت إليه أخيرا بعض الأحزاب السياسية، وبعض المرشحين في الانتخابات الرئاسية، والتشريعية، أو المحلية في المنطقة العربية لتغيير توجهات الناخبين.

لقد عرّف لتشارلز اندال الشائعة بأنها عبارة عن رواية تناقلتها الأفواه دون أن ترتكز على مصدر موثوق يؤكد صحتها. وعرّفها جيمس دريفر بأنها عبارة عن قصة غير متحقق منها في المجتمع، ويزعم فيها حدوث واقعة معينة.

وأشار ليون فستنجر في نظرية التنافر المعرفي إلى قوله إن استقبال الأفراد، أو الجماعة لمعلومات غامضة، أو غير كافية، أو غير مناسبة، أو متناقضة تخلق لديهم حالة من مظاهر سوء الإدراك والفهم لمجريات الأحداث، مسببة حالة من الارتباك والفوضى.

أن هناك 53 ألف شائعة تم إطلاقها داخل مصر خلال 60 يوما، وتحديدا في شهري سبتمبر وأكتوبر الماضيين، وذلك من خلال وسائل مختلفة، كانت النسبة الأكبر منها عبر السوشيال ميديا. أنها حصيلة التواصل مع أجهزة حكومية للكشف عن كمّ الشائعات التي تطال الدولة المصرية، ومدى تأثيرها، ووسائل انتشارها، أن بعض وسائل الإعلام نقلت نسبة تصل إلى 30% من هذه الشائعات على أنها أخبار حقيقية، دون تأكد من صحتها.

إن الشائعات أصبحت تُطلق الآن في مصر دون أي مردود قوى لوقف تأثيرها الذي يصيب الشارع بالإحباط والاكتئاب في كثير من الأحيان، بل ويؤثر على سير الحياة الطبيعية للمواطنين، فمثلا خرجت خلال الشهرين الماضيين شائعة تتحدث عن زيادة سعر الدواء، ما أثر على سعر البيع للجمهور لاحقا.

أن الفترة الأخيرة شهدت خروج “شائعات تتحدث عن زيادة سعر المنتجات البترولية خلال ديسمبر، وأخرى تتحدث عن زيادتها في يناير، إلا أن وزير البترول أكد أنه لا زيادة في أسعار المنتجات البترولية حتى يونيو المقبل أن هناك مواقع إلكترونية وصفحات يديرها نصابون ولا علاقة لهم بالإعلام، يبثون من خلالها شائعات تطال المجتمع المصري، وللأسف أصبحوا يحققون انتشارا هائلا في كل محافظات مصر.

الشائعات هي العدو الخفي الذي يواجه المجتمع فيؤثر على آراءه وأفكاره واتجاهاته وسلوكه، ومن المعروف أن الشائعات تجد بيئة خصبة لانتشارها في وقت الأزمات وفي الظروف الغامضة وفي أوقات التحول السياسي أو الاجتماعي، وما يساعد على انتشار الشائعات هو التعتيم الإعلامي أو غموض في قضية ما أو تضليل متعمد أو كذبا معتاد على السنة المسؤولين وفي وسائل الإعلام.

ثلاث مراحل لتنتج شائعة. تمر الشائعة قبل ظهورها بثلاث مراحل أساسية، تبدأ بإدراك الحدث من جانب شخص أو مجموعة أو منظمة طبقاً لأهمية الحدث وتأثيره المتوقع على المجتمع، ثم مرحلة التنقيح والإضافة للخبر ليتلاءم مع ثقافة المجتمع واتجاهاته، وتأتى المرحلة الأخيرة بإطلاق الشائعة ونشرها بطريقة سهلة الاستيعاب ومتوافقة مع القيم السائدة في المجتمع، ويتحقق انتشار الشائعة باكتمال طرفي المعادلة الأساسية

(انتشار الشائعة يساوى أهمية الموضوع المتصل بالشائعة مضروبا في مدى الغموض حوله)، أي أن الشائعة تصبح أكثر انتشاراً كلما ازداد أهمية الموضوع وازداد حجم الغموض وقلة المعلومات حوله، وهذه المعادلة يعتمد عليها خبراء الشائعات في العالم، كما هناك عوامل أخري تساعد على انتشار الشائعة منها على سبيل المثال، مدى موائمة الشائعة مع معتقدات الناس وثقافتهم ومشاعرهم،

ولابد أن يكون موضوع الشائعات ذا صلة بجانب هام يثير فضول الناس وبالتالي فهم ينشرونها بدون قصد من خلال بحثهم عن حقيقتها، كذلك ضرورة وجود فراغ نفسي واجتماعي يجعل الناس يسرعون في تقبل الشائعات.

ولعل سؤال يطرح نفسه لماذا يطلق البعض الشائعات؟ هناك ثمة دوافع رئيسية لإطلاق الشائعات وانتشارها، أولها هو العدوان تجاه شخص أو مؤسسة، بغرض تشويه سمعته أو إبعاد الناس عنه، وثانيهما هو إطلاق شائعة للتنبؤ، حيث تشير الشائعة إلى احتمالات مستقبلية يعتقد مروج الشائعة في قرب حدوثها، وهو يهيئ الناس والظروف لاستقبالها، وثالثهما هو شائعة بالونه الاختبار، وتكون الشائعة بهدف قياس رد فعل معين يقدر له الحدوث فعلاً في القريب، فان استفزت الناس يتم نفي الشائعة.

أنواع الشائعات المختلفة. ويمكن تصنيف الشائعات طبقاً لنوعها كالتالي:

الشائعة الأمل وتنتشر في الأوساط التي تتمنى صحة هذه الشائعة،

أما النوع الثاني فهو شائعة الخوف وتنتشر في أجواء التهديدات المولدة للمخاوف وتستهدف إثارة القلق في المجتمع خاصة في أوقات الأزمات التي يكون فيها المجتمع مهيأ لتقبل مثل هذه الشائعات، وذلك لدفع الخائفين إلى التسليم،

ونأتى للنوع الثالث وهو شائعة الخيانة وتنتشر بصفة خاصة في أوقات الحروب والأزمات المصيرية وهي أخطر أنواع الشائعات لتعبيرها الصريح عن مشاعر الكراهية ضد فئة معينة أو قائد معين وتدفع البعض لاستخدام العنف للتنفيس عن هذه المشاعر.

مصر تمتلك تاريخ حافل من الشائعات السياسية.

ونحن كمصريين لدينا تاريخ حافل من الشائعات سواء كان من أطلقها الحكومة أو بعض أفراد الشعب، بعضها كان يحمل توظيفاً سياسيا أو دينا أو حتى ترفيهياً، فمن مقولة الإذاعة إبان حرب 67 بأن مصر على أعتاب تل أبيب إلى ترويج شائعة وضع الفنان عادل إمام صورته على الجنيه في التسعينات أو حتى ترويج أن أحداث الحادي عشر من سبتمبر ذكرت في القران، كانت جميعها شائعات العامل المشترك فيها تصديقها من قبل فئات كبيرة من الشعب.

ويمكننا أن نقول إن مصر عاشت خلال الفترة الماضية خاصة بعد ثورة ال 25 من يناير انقسامات واتهامات وتكفير بسبب شائعات رددتها وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، لم يكذبها أبطالها بل حاولوا إثارة الغموض أكثر ليكونوا دائما في بقعة الضوء، وللأسف الشديد لعبت المنظومة الاعلامية في مصر دوراً كبيراً في انتشار الشائعات فعملت على اثارة الفكرة وليس أهميتها،

وأتاحت الفرصة لكل من يدعي أنه خبير للحديث في أمور دقيقة وخطيرة، مما خلق حالة من الفوضى الإعلامية، وهو ما أهل المجتمع لقبول أي نموذج من الشائعات في ظل انعدام الشفافية من قبل الحكومة، وغياب المعلومات الكاملة حول الأحداث، ووجود تردي اقتصادي وأمني، وغياب الرؤية المستقبلية من قبل صناع القرار.

التوظيف السياسي للشائعات بعد ثورة يناير ثروة مبارك 70 مليار: انتشرت مع بداية اندلاع ثورة 25 يناير شائعات أن ثروة مبارك 70 مليار جنيه، وكانت المعلومة قد خرجت من جريدة “الجارديان” البريطانية على لسان بعض خبراء الاقتصاد، وهو كان عامل قوي لإثارة العديد من افراد الشعب الذي يعاني من بطالة وفقر ضد الرئيس الأسبق حسنى مبارك، ولعبت وسائل الإعلام المرئية ومواقع التواصل الاجتماعي دوراً بارزاً في نشر وتغذية هذه الشائعة.

تمويل أجنبي لمعتصمي ميدان التحرير: لعبت الجرائد القومية والتليفزيون الرسمي دوراً هام في ترويج معلومة أن معتصمي ميدان التحرير ضد مبارك يتقاضون أموالاً نظير الاعتصام “50” دولاراً ويحصلون على وجبات “كنتاكي”، وهو ما أدى لمهاجمتهم من بعض المواطنين في البداية وتحفز البعض ضدهم واتهامهم بالخيانة والعمالة.

إفلاس مصر، والغاء المادة الثانية من الدستور: لعبت شائعة إفلاس مصر بعد ثلاث شهور دوراً هاماً في توجيه الناخبين قبل استفتاء 19 مارس 2011 للموافقة على التعديلات الدستورية من أجل دفع عجلة الاستقرار، كذلك قيام التيار الإسلامي بترويج شائعة أنه في حالة التصويت بلا فسوف يتم إلغاء المادة الثانية ومن ثم إلغاء الديانة الإسلامية من مصر.

إعلان التعبئة العامة: في 18 نوفمبر 2011 انتشرت شائعة قوية عن إعلان التعبئة العامة وتفويض القوات المسلحة للمشير طنطاوي القائد العام ورئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة في ذلك الوقت بمهام وسلطات رئيس الجمهورية، وهو ما أدى إلى إثارة الذعر لدى العديد من المواطنين الذي كانوا يخشون على مسار الثورة ويطالبون بانتخابات رئاسية نزيهة.

وفاة مبارك: لعشرات المرات يظهر خبر وفاة مبارك على القنوات الفضائية ومواقع التواصل الاجتماعي ووكالات الأنباء قبل أن يتم نفي الخبر بعد ذلك، وفي كل مرة يظهر خبر وفاة مبارك يظهر معه موجة من التعاطف وأخرى من الهجوم.

بيع الأهرام وسيناء: ترددت كثيرا الشائعات حول بيع الرئيس الاسبق محمد مرسي لسيناء وقناة السويس وبيع الأهرامات والتنازل عن حلايب وشلاتين وكلها أمور ثبت عدم صدقها ولكن تناول الإعلام بكافة أشكاله هذه الشائعات على أنها حقيقة، مما كان له تأثير كبير على زيادة شعور الخيانة والعمالة الذي كان يشعر به المواطن تجاه نظام الإخوان.

زواج القاصرات: شائعة تضمين دستور 2012 لمادة جديدة تقضى بزواج القاصرات في سن 9 سنوات، وهو ما تناولته وسائل الإعلام بشيء من عدم التأكد من المعلومة، ليستقبل المجتمع هذه والمنظمات الحقوقية الشائعة بشيء من الانفعال والتوتر، إلى الحد الذي تخوف البعض من وجود نوايا داخل التأسيسية لوضع مواد بالدستور الجديد ستؤدى إلى تجارة الرقيق.

مقتل المشير السيسي: انتشر بقوة بعد فض اعتصام رابعة شائعة مقتل المشير عبد الفتاح السيسي وان من يظهر الآن هو البديل وهذه من ضمن الشائعات التي تناولها تحالف الشرعية، وساعدت تلك الشائعة في رفع الروح المعنوية للمتظاهرين ضد النظام في ذلك الوقت.

أخونة البيت الأبيض: من الشائعات الطريفة هي ترويج البعض عن ـن شقيق الرئيس الأمريكي باراك أوباما عضو في جماعة الإخوان المسلمين، وبالرغم من عدم واقعية المعلومة إلا أنها لاقت قبولا كبيرا وأصبحت إحدى المبررات لدعم الإدارة الامريكية لموقف جماعة الإخوان في مصر.

انشقاق الجيش المصري: كما كان للجيش المصري نصيب من تلك الشائعات حيت انتشرت شائعة بوجود انشقاقات في الجيش المصري عقب فض اعتصامي رابعة والنهضة، وبالرغم من عدم وقوع أفراد القوات المسلحة في مثل هذا الفخ، إلا أن الأمر انعكس بالسلب على العديد من المواطنين واصابهم بتخوفات من وصول الوضع في مصر إلى حالة نزاع مسلح. جهاد النكاح: انتشرت بالتزامن مع اعتصام رابعة شائعة أن هناك حالة من ممارسة الجنس داخل الاعتصام تحت مسمي جهاد النكاح، وهو ما اثار حفيظة الكثير من المواطنين والذين يرون مثل هذه الافعال ضد ثقافة وتقاليد المجتمع.

سلاح الكنائس: انتشرت شائعات كثيرة خلال السنوات الماضية بأن الأقباط يقومون بتخزين الأسلحة داخل الكنائس، وفتحت هذه الشائعة باباً كبيراً للجدل في المجتمع وسط تأكيد ونفي ومطالبات من البعض بخضوع الكنائس للتفتيش، إلا أن مع واقعة اقتحام وحرق 100 كنيسة عقب فض اعتصام رابعة لم تظهر قطعة سلاح واحدة داخل أي كنيسة.

السيسي هارب من التجنيد: هذه ليست مزحة ولكنها شائعة انتشرت بقوة على مواقع التواصل الاجتماعي بعد إطلاق إحدى الصفحات الإخبارية لخبر مفاده أن وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي هارب من التجنيد وسيتم محاكمته عسكرياً.

شائعات من التاريخ المصري… نعم أنا ديمقراطي. الجواب الذي أطاح بالمفكر والفيلسوف أحمد لطفي السيد أمام منافسة في الانتخابات النيابية عام 1913، فاستخدم منافسه شائعة مفادها أن الديمقراطية تعنى الكفر وأنها تسمح للمرأة من الزواج من أربعة رجال أسوة بالرجل، وهي الشائعة التي لاقت رواجا كبيرا بين الناخبين في قرية أحمد لطفي السيد الملقب برائد الاستنارة.

الأسلحة الفاسدة: مازل حتى الآن هناك من يصدق الشائعات المرتبطة بعلاقة الملك فاروق بصفقة الاسلحة الفاسدة، التي كانت تنفجر في وجه الجنود، وربطها بهزيمة الجيش العربي في حرب فلسطين عام 1948، وهو ما نفته التحقيقات التي اعقبت ثورة يوليو والتي أكدت ان الاسلحة لم تكن فاسدة وان كان بعضها كان قديما لا يتواكب مع تسليح اسرائيل.

إسقاط 43 طائرة للعدو والجيش العربي يزحف إلى تل أبيب: لعبت الصحف المصرية دراً بارزاً في ترويج شائعات تقدم مصر في حرب 67 على اسرائيل، وهو الامر الذي اكتشف الشعب زيفه بعد ايام قليله.

المطار السري: بعد نكسة 67 انتشرت شائعه بوجود مطار سري على طريق القاهرة اسكندرية الزراعي وسط الزراعات، وبرغم خطورة تلك المعلومة في ذلك الوقت الا ان الشائعة ظلت تنتشر حتى اصبحت احدى المحطات يطلق عليها محطة المطار السري.

وفاة جمال عبد الناصر: عقب وفاة الرئيس جمال عبد الناصر وحتى الآن انتشرت العديد من الشائعات حول أسباب الوفاة فبرغم تأكيد أطباء الرئيس الراحل ابتلاءه بكثير من الأمراض قبل وفاته مثل السكر والضغط والقلب وانسداد في الشرايين، إلا أن هنا مازال مقتنع أن عبد الناصر قد تعرض لعملية اغتيال عن طريق سموم معينة تم وضعها في عصاه الشخصية.

مصر غير مستعدة للحرب: شائعة لاقت رواجاً كبيراً بين أفراد الشعب المصري قبل حرب 73 اتضح بعد ذلك أنها كانت جزء من خطة الخداع الاستراتيجي في مواجهة إسرائيل.

السادات وعمر خورشيد: بعد تردد بعض الشائعات عن علاقة سرية بين ابنة الرئيس السادات وعازف الجيتار عمر خورشد، توفي الأخير في حادث سيارة، ليفتح باباً أكبر للشائعات عن ضلوع الرئيس السادات في الحادث.

اغتيال السادات: عقب اغتيال السادات انتشرت شائعات داخل أوساط الاقباط بأن عملية اغتيال السادات ومعه الأنبا صموئيل هي عقاب إلهي لما فعله السادات مع البابا شنودة الثالث، وعقاب لغضب البابا على موافقة صموئيل على عضوية اللجنة الخماسية التي أطلقها السادات لإدارة الكنيسة.

شائعات دينية تلقي قبولاً في المجتمع المصري. ظهور العذراء مريم: كثيرا ما تترد معلومات عن ظهور السيدة العذراء مريم فوق أحد الكنائس وهو ما يؤدي إلى تجمهر العديد من المواطنين سواء أقباط او مسلمين لمتابعة هذا التجلي الذي يعد أمرا روحانياً لهم، ولكن في الغالب تكون تلك المعلومة كاذبة وقد حدث ذلك عشرات المرات خلال السنوات الماضية كان آخرهم في يناير الماضي في محافظة المنيا.

هبوط سيدنا جبريل: خرج الشيخ أحمد عبد الهادي على منصة رابعة العدوية ليخبر المعتصمين أن أحد الصالحين أبلغه برؤية سيدنا جبريل يهبط على مسجد رابعة ليثبت المصلين، ولاقت الشائعة ترحابا واسعا من المعتصمين بالميدان.

ظهور المسيخ الدجال: يومياً تتناقل مواقع التواصل الاجتماعي أخباراً عن ظهور المسيح الدجال في أماكن مختلفة بالعالم ويتناقل الخبر مائات الآلاف من رواد المواقع، كان آخرها منذ شهر انتشار مقطع فيديو لطفل بعين واحدة “تحت عنوان ظهور المسيخ الدجال بإسرائيل”، وتبين بعد ذلك أن الطفل من مدينة عراقية يعاني من تشوهات خلقية.

شائعات علمية. الفضائيون بنو الأهرامات: اختلفت النظريات الهندسية والميكانيكية حول طريقة بناء الأهرامات، ولكن أغرب الأقوال التي يمكن أن تسمعها هي أن الفضائيون هم من بنوا الأهرامات وللأسف هي شائعة منتشرة بقوة في العديد من الأوساط.

الجزر يقوي النظر: برغم فوائد الجزر واحتوائه على فيتامين A إلا أنه لا يمثل أي إضافة في حاسة البصر، والفكرة كلها تكمن في مزحة أطلقها الإنجليز عام 1935 فبعد استخدام الرادار، تكبد الألمان خسائر فادحة في عدد الطائرات، مما أثار التساؤل عن سبب ذلك، ومن أجل التمويه على اختراعهم الجديد أشاع القادة الإنجليز أن ضباطهم يتناولون الجزر من أجل رفعة كفاءاتهم البصرية، وانتشرت شائعة الجزر يقوي النظر.

نهاية العالم: في 2012 انتشر خبر عبر بعض المواقع والصحف عن توقعات وكالة “ناسا” بأن عاصفة شمسية ستدمر الأرض يوم 21 سبتمبر من نفس العام، وانتشر الخبر بصورة واسعة عبر جميع وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تنفي ناسا تلك الشائعة.

وأطلقت شائعة أن الرئيس نيكسون أثناء لقائه بالرئيس ماو قام بسرقة فنجان الشاي الأثري دون أن يراه الرئيس ماو، ولكن الحراس أبلغوا رئيس الحرس الذي قام بدوره بدعوة الرئيس نيكسون إلى إحدى عروض السيرك وأثناء العرض قام الساحر بفقرة استبدل خلالها الفنجان المسروق الموجود بحقيبة نيكسون بآخر مزيف.

عقب إعدام الرئيس صدام حسين انتشرت بالعراق العديد من الشائعات التي تفيد بأن الرئيس صدام حسين لم يعدم ومازال على قيد الحياة.

خلاصة القول… إن المجتمع الذي لا تكون فيه حرية لتداول المعلومات وشفافية بين الحاكم والمواطنين يكون بيئة خصبة لتنمو فيه الشائعة، كما أن عدم تصديق الشائعة يتوقف بشكل كبير على درجة وعي الإنسان والتأكد من صحة المعلومات قبل الانزلاق في فخ الشائعات التي تعمق الخلافات في المجتمع، كذلك التحلي بالتفكير المنطقي والنقدي عن سماع أي خبر أو معلومة.

الإعلام يقع على عاتقه دوراً كبيرا كونه أحد الأدوات التي تشكل ثقافة المجتمع ووعيه، فوسائل الإعلام يجب عليها ممارسة دورها الطبيعي وهو عرض الحقائق والتأكد منها، وإشاعة الثقة بين المواطنين، وتحصينه ضد الشائعات.

الحكومة يجب أن تعتمد على مبدأ الشفافية كونه هو الوحيد القادر على إنقاذها من فخ الشائعات التي تطالها وأن تصارح المجتمع دائما بحقيقة الأمور حتى وإن كانت صادمة لآن ذلك من شأنه أن يجعل المجتمع أكثر ثقة في نفسه وفي الحكومة.

مما سبق، يكون من الضروري على مؤسسات تلك الدول ومواطنيها فهم الدوافع النفسية والثقافية التي تفرز هذه الشائعات المتواصلة، التي تدفع البلاد إلى حالة من القلق، وعدم الاستقرار، وبلبلة الرأي العام. ولابد من البحث عن حلول لمكافحة الميليشيات الإلكترونية عن طريق هيئة رقابية على مواقع التواصل الاجتماعي، ومكافحة الشائعات، ووضع قانون يجرم ترويج شائعات لها الأثر في تقييم الأنظمة السياسية الحاكمة.

لا تعليقات

اترك رد