المبدع والسياسي والميزان الأعوج

 

في أوج عطائه يرحل الروائي سعد عبد الرحيم بعد ان كرس حياته للكتابة، دون ان يتكيء على اية مؤسسة نفعية او حكومية، وقبله رحل عالم الاجتماع الفذّ فالح عبدالجبار، تبعه الصحفي العتيد جمعة الحلفي ثم الروائي المصري احمد خالد توفيق، والكثير من المبدعين الذين توسدوا صمتهم واوراقهم وانطفئوا بصمت، وكما احدث رحيل هذه النخبة الإبداعية من حزن وشعور بالخسارة والفقدان في الاوساط الثقافية،اعاد رحيل الروائي والناقد سعد محمد رحيم هذا الشعور بالخسارة والخذلان في الاوساط الثقافية فقد كان إضافة لحضوره الفاعل في الساحة الثقافية، ذو خلق نبيل وهدوء وتأمل واشتغال عميق على مشروعه الإبداعي، بعيدا عن الزيف الذي يتقنه انصاف الكتّاب وهم كثر في زمننا العربي المثقوب، وحالما انتشر خبر رحيله انبرت صفحات التواصل الاجتماعي تبكيه، وترثي خسارته، وفي غمرة هذا الرثاء والنعي الذي كان الصمت يخيم على الاوساط السياسية وهو امر لايستغربه الفرد العربي الذي اعتاد على وجود تلك الهوّة الكبير التي تفصل السياسي عن المبدع، وليس هذا الامر ما استدعاني للكتابة، لكن الفكرة المخيفة برحيل الكاتب تاركا خلفه عائلة عزلاء لم يورثها الا روايات وبضعة قصص وكتب نقدية وصور التكريمات الثقافية والجوائز التقديرية! ترى اية فاجعة ان تكون هذه التركة إرثا في مجتمع ننتظر منه ان يقرأ كتابا وهو يأكل الحصرم! هذه المعادلة التي لم تكن عادلة ذات يوم فالمبدع العربي لم يدخل ضمن اجندة البلاد فتحسب له حسابا في أولوياتها او حتى (ثانوياتها)، وتلتفت اليه كعنصر منجز يرفع اسم البلاد كما فعل هؤلاء المبدعين، في الوقت الذي نكس السياسيون اسم البلاد في اوحال التاريخ!

لم يدخل المبدع بعد في موازنة البلاد المختلة والمخلة، حتى انه لم يدخل ضمن مهرجان الانتخابات واستعراض العضلات المنتفخة بالوعود الزائفة لنجد ولو من باب (المزحة) او الإمعان في الضحك على الذقون مرشحا فضائيا يعلن عن تضامنه مع الكاتب والفنان والممثل ويضمن لهم (هامشا) في ميزانية الدولة، طبعا لايمكن ان نوازي بالطموح البلدان التي تحترم مبدعيها وتعدهم ثروة حقيقية فتعمل بقانون (التفرغ الإبداعي) الذي يوفر للمبدع دخلا معقولا شرط ان يتفرغ لمشروعه الإبداعي، ويحسب ل مصر انها طرحت مشروع هذا القانون على استحياء فتمت مواجهته بالكثير من المعارضات ، ولبعض البلدان التي تعده ضمن قوانينها الا ان وجوده لايتعدى الوجود الكمالي الذي لايجد تطبيقا على أرض الواقع، ولايزال الطموح بعيدا جدا عن توفير ضمان صحي للكاتب والفنان والصحفي اسوة بالساسة الذين يرممون خراب اجسادهم على حساب الوطن في ارقى مشافي العالم، كما ان الحديث عن تبني طباعة مؤلفات الكاتب او الفنان او تمويل مشاريعه الصغيره التي لاترتقي لمشاريع السياسيين بأرقامهاالفلكية، يعد ضربا من الخيال، .. ذلك لان المبدع لدينا بكافة اشكاله يعدّ عمله ترفا فكريا ووظيفة هامشية لاترتقي لوظيفة (السياسة) المزحومة بالسمسرة وصفقات الربح والخسارة، تلك الخسارة التي تكون دائما من نصيب المبدعين الذين لايحصدون في نهاية (خدمتهم) ومجلداتهم وجوائزهم الا على بضعة صور ورثاءات ودموع متناثرة وبضعة (لايكات) حزينة في فضاء النسيان الازرق

المقال السابقما بين الإسلام والسياسة – ج1
المقال التالىالعدوان الأمريكي المحتمل على سورية وخياراته
من مواليد العراق –1975 حاصلة على بكالوريوس في اللغة الإنكليزية من العراق / جامعة تكريت. عضو الإتحاد العام للأدباء والكتاب العراقيين قامت بتمثيل للعراق بالعديد من المؤتمرات والمحافل الدولية. حصلت على جوائز عده من اهمها جائزة دبي الثقافية للإبداع العربي في مجال الرواية و الجائزة الأولى في مسابقة و....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد