تجربة خضير الشكرجي التشكيلية واقعية شعبية مستمدة من النسغ الأنساني

 

أن المتتبع لأعمال الفنان – خضير الشكرجي – المولود عام 1937 والذي يعد من أحد جيل الستينيات للأجيال الحركة التشكيلية في العراق, يلاحظ في بعض أعماله الأخيرة, وخاصة قبيل رحيله عام 2003 عودة الى أعماله السابقة, والتي شاهدتها في المعرض الدائم لمركز بغداد للفنون, وهي أعمال تجريدية يدخل فيها الحرف العربي يشكل خطوطا مستقيمة أفقية, أو عمودية, تكاد تكون غير منفصلة عن التكوينات الأخرى, زيادة على وجود مربعات مضافة, أو أمتداد للنقاط وبأحجام توازي الخطوط التكوينية للعمل كما يضع الفنان دوائر أومثلثات بشكل شفاف لتشكل عمقا للتكوينات الرئيسة للعمل, أن الأشكال الهندسية التي أستخدمها الفنان تشكل نسقا متماثلا في أغلب الأحيان أي بشكل – سيميتري – وتبدوا بعض الخطوط الملونة المتجاورة أشبه بجزء من البسط الشعبية وبشكل عام, أن تلك الأيحاءات التشكيلية المختزلة, هي مفردات شرقية محلية تحديدا, يلتزم الفنان بشكل ملفت للنظر بالأسس التشكيلية للعمل الفني, فهو يحافط على ضوابط التوازن الشكلي والا شكلي للعناصر والخطوط مقابل المساحة, وكذلك التباينات اللونية, ويركز على هيمنة الكتلة المركزية للعمل ويجعلها في منتصف اللوحة وبذلك أجد أن الفنان – خضير الشكرجي – برغم أسلوبه التجريدي في هذا النمط من الأعمال, والذي يقتضي التحرك بايقاعات حرة,

الا أن الفنان التزم بضوابط الموازنات العلمية, الأكاديمية, له, والتماثل بشكل يشكل الصفة السائدة للعمل حتى في الأجزاء الرئيسة للعمل, أذ يضع مساحات داكنة على الأركان الأساسية في الأعلى, ومساحات فاتحة متقابلة في أسفل العمل, ولمعالجة هذا التواترالرتيب, عمد الفنان الى تغيير أتجاه الحركة للخطوط الملونة الى خطوط مائلة من الأعلى أشبه بزخات المطر, تقابلها خطوط لتشكل زاوية 45 درجة معها, في هذه الأعمال, والتي لا يكثر فيها أنتاجه الفني عبر حياته الفنية, تعد هي أساسا لمنطلقاته الاحقة لأعماله الواقعية الشعبية, والتي سأتطرق لها, أقول في هذه الأعمال التي نبعث منها المدرسة التجريدية المتمثلة بالفنان – موندريان – وكذلك – كاندنسكي – فالكتل المزدحمة ذات الحسابات الهندسية والمتراكبة على بعض أجزائها لم تعد تخنق العمل الفني للعمل, أذ ترك فضاءات مناسبة تتنفس من خلالها لتشكل نسقا جماليا رائعا, واذا كانت منابع هذه المدرسة أوربية المنشاء, فعند خضير الشكرجي, تشعر كأنها نبعت من الشرق, لاسيما بتكويناتها الحروفية والمفردات الشعبية, وهذا مايخالف بعض الأعمال التجريدية التي نشاهدها لدى البعض, برغم أدخال مفردات شرقية قسريا.

الفنان الشكرجي يستخدم مساحات لونية بضبابية شفافة, أشبه بالألوان المائية, والتي تضيف أنعكاسا جماليا للكتل نتيجة أثر عمقه الفضائي, هذه الأعمال ليست هي التي عرف بها – الشكرجي – فهي كما قلت كانت البدايات, ويعود لها بين الفينة والأخرى, كحنين ذاتي, أو تداعيات لخلجات النفس التواقة لعفوية الأنجاز, وبذلك أستنتج – أن هذه الأعمال تحديدا, برغم قلتها, هي أكثر مصداقية لنوازع الفنان الداخلية. لكن مالذي دعا الفنان للتحول الى الأسلوب الذي سنتكلم عنه ؟ وقبل الأجابة على هذا السؤال, أوضح أن هذا الأتجاه الذي يمكن تسميته بالواقعية الشعبية, وهي أمتدادات للفنان – فائق حسن – في الموضوعات, وللأجابة على ذلك, أرى أن الفنان يعتقد ان الأبقاء على المناخ التجريدي سيبعده عن الألتزام بواقعه الأجتماعي, وبطرح واقعي مباشر من جهة, والأبتعاد عن الأتجاه التجريدي الذي يأخذ صفة المنابع الغربية, أو غموض الطروحات المحلية فيها. ومن جهة أخرى, قد يحقق شخصيته, أو هويته لغرض التمييز الأسلوبي, كان ممن أولع بالواقعية الشعبية من رسامي الخمسينيات, كل من – حميد المحل و – فاضل عباس – ورسول علوان – ثم تابعهم فيما بعد – نجيب يونس و- ضرار القدو – فالتعبير عن الواقع الشعبي, كان له أمتداد, وهو جزء من المهنة التي أضطلع بها جيل- فكان الفنان العراقي في هذه المرحلة يحاول أن يستلهم الفن الشعبي موضوعيا وتقنيا وجماليا دون أن يكون للواقع الأجتماعي نفسه من أمتياز يختلف عن سواه من العناصر الفنية – ويضيف – آل سعيد – وهكذا يبدوا لنا أن – الواقعية الشعبية – كانت قوام النسغ الأنساني في الفن العراقي ونقطة التحول فيه نحو النزعة الأجتماعية,

وأنها لم تكن غريبة على معظم الأساليب الحديثة التي التزمها الفنان العراقي الواقعية الشعبية, الا أن – الشكرجي قد تناول الواقع الشعبي العراقي بواقعية فائق حسن – كمشهد واقعي أجتماعي – وبمناخات أنطباعية مختزلة التفاصيل, أذ ركز على الأجواء الفلكلورية, والتي تحتل موضوعة النسوة, العنصر الأهم في أعماله هذه والتي تبدوا فيها النساء في جلسة بغدادية, أفياء فنارات الشناشيل وأروقتها الباردة, نساؤه تبدو عليهن السعادة وألسمر لتحمل أحداهن – سنجاري – دف للغناء – أو مايشبه ذلك كدلالة على وجود ما يستدعي الى خلق مناخ أحتفالي بهم, وهي من العادات الأجتماعية الشعبية. الفنان – الشكرجي – يبعد عن شخوصه علامات الحزن والمعاناة والأسى, كما جسده بعض الفنانين في أعمالهم التي تحمل هما – دراماتيكيا – مملوءا بالأشجان والالم. أذا في أعمال – الشكرجي – الجوانب المشرقة للأنسان, والتي يريد أن يرضي بها جمهور متذوقي أعماله – الفلكلورية – ويبدوا أن ذلك قد أنتهجه من أشتغل في هذا الجانب الفلكلوري مثل – ناجي السنجري – ستار لقمان – اوانيس بدروز – وغيرهم.. ومن الملاحظ أن الفنان يختار نساؤه من اللأعمال الشبابية تحديدا, ونساء فقط, أن هذا النمط من الأختيار, قد يضعف حالة التنوع للرؤية البصرية الباحثة عن قضية تشترك بها تنوعات النوع, وهي أشبه بوحدات ذات الأيقاع الرتيب, والذي يستمر بحركة مستمرة دون حافات أشبه بالزخرفة ذات الأيقاع الاستاتيكي. أرى أن الأمساك بزمام الواقعية الأجتماعية كي يحقق أبعادها المتكاملة أن تتمسك بمحورين رئيسين هما: الألتزام بتسجيل زوايا الواقع التوثيقي بسياق الحرية الأسلوبية, زيادة على المحورالثاني الذي يقتضي الأرتباط بثيمة محركة للواقع في داخله بتنوع الحدث الشكلي على الأقل أن لم يكن جوهريا والشكل هنا تنوع مفردة الموضوع في العمل الواحد, وبشكل عام, أن – الشكرجي – كان يسعى مخلصا الى تحقيق القيمة الجمالية التي تسوغ قبول العمل ذوقيا, وقد عالج سأم التكرار في المفردة الآدمية بتنوع اللون وأتجاه الحركة نسبيا, فالهدف الجمالي: هو التركيز على ملامحه حد المبالغة,

فنلاحظ وجوه النسوة عيونا واسعة كحيلة بأنف دقيق وبفم صغير أشبه بفم السمكة. أن هذه الملامح هي تعبير عن لغة فلكلورية شعبية مستقاة من واقع محكي عن أمثولة المقاييس الجمالية. فهي أذا تعبير عن أعراف مثالية متداولة أكثر من محاكاة واقعية مرئية, وقد تجسد ذلك في أغلب الأعمال التي سارت بركاب هذا النمط أبتاداءا من جواد سليم في بغدادياته ومرورا بنزار سليم لوحة – خدري الجاي – وأنتهاءا بمجموعة الفنانين الذين تناولوا هذا النوع من العمل والذي ورد ذكرهم في سياق الحديث, ولو تأملنا مليا في هذه الأعمال من جانب آخر لأستنتجنا, أن الأشتغال على هذه المقاييس الجمالية هي أيضا مرتبطة بواقع زماني قد مضى وأرتبط بمرحلة بعينها, أذ تبدلت بعدها بعض أمثولة المفاهيم الجمالية, فالأذرع النسائية الممتلئة القصيرة والمنتهية بأطراف دقيقة والأرجل كذلك. أقول لم يعد ذلك المعيار ينفع عند البغداديات الآن للتطلع الى القامات الممشوقة والاذرع النحيفة .. لذلك فأعمال – الشكرجي – أيضا في هذا الجانب, كانت تؤشر التزاما وثائقيا أمينا لميثلوجيا منفتحة, وهي أنعكاس لواقع تسجيلي يحمل في طياته مرجعيات واقعية رمزية لذلك الواقع لأجل غير مسمى, وفي الوحدة النسائية هنالك براءة وعذوبة وشجن بجانب السعادة التي ذكرتها.

البناء التكويني

في أعمال – خضير الشكرجي – رتابة في توزيع وحداته الشكلية والتي تأخذ جانب الأعلان التزيني الجمالي التشويقي, وأقصد في هذه الأعمال الفلكلورية تحديدا, أي بأستثناء أعماله السابقة التي نوهت عنها في بداية الحديث أن هذه النتيجة هي بلاشك محصلة بديهية لغياب القضية الأنسانية, أو الأجتماعية, فالمجتمع الأنساني دوما لم يكن في سعادة, أن طبيعة التكوين الفكري لمشروع العمل وجديته, لم يكن ينعكس على التوزيع الشكلي على وحدات العناصر وأسسها التشكيلية, فالهدف هنا ساكن لايتطلب تبدلات في صيغ تفكيك الصروح البنائية التكوين وتداخلاتها المنوعة والمتصارعة بسياق جدلي.

ولذلك بقي البناء بسيطا يتكيء على وحدانية الفكرة,أذ أعتمد الفنان على توزيع وحداته المتشابهة – النسوة – بشكل متقارب,لا يحتل العمل تكوينا رئيسا,أما في اللون فقد أستخدمه بكثافة في الملابس والخلفيات, أما الوجوه فتبدوا عليها ألوان ضئيلة باردة يختفي وضوح الملامح تحت بهرجة المناخ العام للعمل الا أن الخلفيات أقل وحدة في الموضوعات الرئيسة للعمل في التلوين, وقد أدخل مفردات شرقية شيء من البسط,أدخل مفردات شرقية شيء من البسط الفلكلوري, أواني البيت,عدة الشاي, وغيرها, لتضيف الى العمل أبعاده الواقعي, ونلاحظ كثيرا مايستخدم مربعات متجاورة لتشكل تماثلا ذا أيقاع سيميتري, وبحركة ستاتيكية ثابتة تتوائم مع موضوع العمل التزيني.

لا تعليقات

اترك رد