حرب ساخنة بلا قواعد الحرب الباردة ( بوتين يعيش حالة صراع دارويني من أجل البقاء )

 

رغم أن شبح الحرب النووية كان مخيما على العالم حتى انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991، لكن كانت المواجهة بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة محكومة بمعاهدات الحد من التسلح وقواعد الاشتباك غير الرسمية.

لكن المواجهة الجديدة التي يصعب التنبؤ بتحولاتها حتى أن كونستانتين كوساتشيف رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الاتحاد الروسي بأنها حرب بلا قواعد ويتخوف من خطر حدوث خطأ في الاتصالات أو في الحسابات أو تصاعد الموقف فجأة إلى حرب ساخنة، أكبر مما كانت عليه خلال الحرب الباردة الأصلية، لكن يؤخذ على التصريح وهو صادر من شخصية سياسية من جانب موسكو وتعبر ما يحدث تهديد أو تحذير من الانجرار نحو حرب ساخنة، لكن السؤال هل بالفعل القوى متكافئة بين روسيا والولايات المتحدة، وإذا كانت القوى متكافئة لماذا أقدمت الولايات المتحدة ضرب مرتزقة روسيا قرب دير الزور راح ضحيتها 195، ولم ترد روسيا بل التزمت بضبط النفس.

لذلك نرى تصريح سيرغي لافروف وزير الخارجية الروسي يكرر ما قاله رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الاتحاد الروسي كونستانتين يقول إن الوضع الحالي أسوأ من الحرب الباردة بين الشرق والغرب بعد الحرب العالمية الثانية، وأضاف آنذاك تم الحفاظ على بعض القواعد والمظاهر، أما الآن فشركاؤنا الغربيون كما أرى الأمر ضربوا بكل الأصول عرض الحائط، ولا يزال لافروف يأمل في أن تظل روسيا منفتحة على تحسين أهداف اتفاقية هلسنكي الصادرة عام 1975 الهادفة إلى تحسين العلاقات بين الشرق والغرب، فهل ورطت الولايات المتحدة روسيا في سوريا ونقلت الصراع من أوكرانيا إلى سوريا.

خصوصا بعد قرارات طرد الدبلوماسسين بسبب تسميم جاسوس روسي سابق في بريطانيا، اتهمت موسكو واشنطن من أنها هي من ترفع لواء حرب باردة جديدة، ولم تعد استراتيجية بوتين تعتبر ترمب الورقة الرابحة في استراتيجيتها لتحسين العلاقات مع الولايات المتحدة خصوصا عن عجز ترمب عن تحقيق ما وعد به من تحسين العلاقات خصوصا بعد اعتماد عقوبات جديدة على روسيا على مضض بسبب اتهامات روسيا بالتدخل في الانتخابات الرئاسية عام 2016.

خيار بوتين إما استمالة فرنسا وألمانيا خصوصا بعدما أثنى أليكسي بوشكوف عضو مجلس الاتحاد المتخصص في السياسة الخارجية على قرار المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل دعم خط أنابيب الغاز الروسي المقترح ( نورد ستريم 2 ) وسيربط هذا الخط بين ألمانيا وروسيا، خصوصا وأن الغرب قلق من العقوبات الأميركية الجديدة على روسيا.

أو التقارب مع الصين والهند، باعتبار أن لهما حرية المناورة على المسرح العالمي، وبالفعل حذرت الصين واشنطن في منتصف عام 2017 من العقوبات على روسيا وأنها ستتصدى لها بحزم، غير أن موسكو ترى أن العلاقة مع واشنطن محورية للسياسة الخارجية الروسية، لكن تعيين ترمب مايك بومبيو وجون بولتون اللذين تعتبرهما روسيا من أكثر الصقور تشددا تجاه روسيا كما تجاه إيران في منصبين رفيعين في رسم السياسة الخارجية.

لم يعد أمام روسيا سوى إبقاء الأبواب مفتوحة والتريث لما سيحدث خصوصا وأنها ترى أن الأوربيين غير مؤهلين لقيادة العالم على عكس الأمريكيين فإنهم غير معتادين على التفكير في العواقب الدولية لأعمالهم، لكنها سترد بالمثل إذا واجهت مزيدا من التصرفات العدائية من الغرب على السواء، رغم أن معركة الغاز الروسية الأمريكية الفائز فيها أوربا.

بعد مضي سنوات على توقيع اتفاقيات مينسك لتسوية الأزمة الأوكرانية ما زال التوتر سيد الموقف، ما جعل قادة المليشيات المحلية الموالية لروسيا دفعهم للإعلان عن تأسيس دولة جديدة أطلقوا عليها اسم مالورسيا أي روسيا الصغرى، لكن رباعي النورماندي يواصل جهوده لوضع اتفاقيات مينسك على مسار التنفيذ، واندفع الرئيس الفرنسي ماكرون على أمل تفعيل دور بلاده في النزاعات الإقليمية، وأعلن عن تسوية أطلق عليها وصفة ماكرون، وعلقت روسيا آمال على هذه الوصفة للتخلص من بؤرة نزاع متاخمة لحدودها ولترتاح قليلا من عبئ العقوبات الغربية وتزيل جانبا من التعقيدات الثنائية مع أوربا والولايات المتحدة.

صراع روسيا مع الغرب ليس وليد الساعة بل هناك اتفاقية بين بريطانيا وروسيا في أغسطس عام 1907 لإيقاف الزحف الروسي على إيران، وهو جزء من العداء المدفوع بأطماع اللعبة السياسية الكبرى بين بريطانيا من جهة وروسيا وفرنسا من جهة أخرى، وذعر القيصر الروسي عند إعلان بريطانيا عزمها على تنفيذ حملة الدردنيل، حيث

تراءت لها إمكانية سقوط إسطنبول في حضن بريطانيا وما يبعدها عن تحقيق أحلامها في القسطنطينية ومضايقها غربا، وفي احتلال جنوب العراق وفصل البصرة مبدئيا، مما يعزز نفوذها في جنوب إيران خاصة.

لكن تعرضت بريطانيا لإخفاقات عسكرية عام 1915 منها فشل حملة الدردنيل وحصار قواتها في الكوت، رغم أن روسيا استنجدت من قبل بالقوات البريطانية لفتح جبهات تخفف عنها الضغط الذي وقعت فيه أمام تركيا في جبهات القوقاز وأرضروم وطرابزون.

ولكن روسيا أول من أثار تقاسم الإمبراطورية العثمانية في 1 مارس 1915 عندما توقعت أن تكون القسطنطينية تحت إدارة عالمية وطالبت بأن تكون مضايق البسفور والدردنيل ضمن حدود الإمبراطورية الروسية تبعا للأجندة التي وضعها القيصر نيقولا الأول عام 1844 وهو أول من لقب تركيا بالرجل المريض.

لكن رأت فرنسا أن روسيا تنافسها في البحر المتوسط الذي تعتبره محور سياساتها وعلى شواطئه تقع مناطق خاضعة لهيمنتها مثل الجزائر وتونس والمغرب وغربا سوريا ولبنان وفلسطين شرق، مما أجبرت وزير خارجية فرنسا الاقتراح على روسيا تأخير مناقشة سيناريوهات المخطط إلى ما بعد الحرب العالمية الأولى.

في المقابل تبنت بريطانيا استراتيجية كيتشنر بوضع فرنسا كحاجز بينها وبين روسيا، ونصح كيتشنر بريطانيا بتأسيس دولة عربية الواقعة ضمن الدولة العثمانية، وبالفعل غير كيتشنر لجنة مكونة من 18 عضوا إلى لجنة ثنائية مصغرة أوكلها إلى سايكس وعقد أول اجتماع مع بيكو بالسفارة الفرنسية بلندن في ديسمبر 1915 حتى أصبحت اللجنة باسم لجنة سايكس- بيكو واشتهرت الاتفاقية بهذا الاسم، رغم أنهما دبلوماسيين غير معروفين، وتم التوقيع عليها في بطرسبورغ عاصمة روسيا والاجتماع بوزير خارجية روسيا سيرجي سازنوف في 26 أبريل 1916 ووقع عليها السفير الروسي الكونت بيكدوف في 9 مايو 1916 وأصبحت الاتفاقية الأنجلو فرنسية الروسية نافذة المفعول.

اتفقت حكومة بريطانيا وفرنسا على أن تمتنع المطالبة بأراض أو ممتلكات الجزيرة العربية، وأنها لن تقبل ببناء قواعد بحرية في الجزر على الجانب الشرقي للبحر الأحمر، فيما يخص حصة روسيا فإنها تبودلت في بتروغراد.

الاتفاقية عقد سري أثناء الحرب العالمية الأولى التي انتهت عام 1919، تزامن فضح تلك الاتفاقية مع إعلان بلفور انتقدت الاتفاقية في مهدها من قبل مسؤولين بريطانيين خصوصا من قبل رئيس الوزراء البريطاني لويد جورج الذي تولى منصبه في 5 ديسمبر 1916 بعد تاريخ عقدها في 16 مايو 1916، يعتبرها البعض صفقة إرضاء لفرنسا بسبب أنها كانت متمرغة بوحل معركة فردان حيث كانت أعداد ضحاياها قد قاربت نصف مليون جندي، رغم ذلك فإن سياسة بريطانيا منذ القرن الثامن عشر لم تمنح منافسيها التقليديين فرنسا وروسيا أكثر من وعود، ولم ترسم حدود الأقطار العربية إلا في مؤتمر لوزان 1922.

ورثت أمريكا بريطانيا، وأميركا تتمتع بقدرة أكبر على إلحاق آلام اقتصادية بروسيا، وغالبا ما يلجأ بوتين إلى مغامرات بطولية، وكان ضم القرم في مارس 2014 واحدة من هذه الخطوات، لكن الخطوة التي استفزت موسكو انهيار الائتلاف السياسي المدعوم من روسيا الذي حكم أوكرانيا منذ منتصف العقد الأول من العقد الأول من القرن الحالي، حتى تمكن الأوكرانيين من الإطاحة بالرئيس الأوكراني، موسكو لم تحاول بناء جسور مع المجتمع الأوكراني، أو حكومة جديدة، بقدر ما كان يرى أنه بصدد تحد استراتيجي من قبل الغرب، وسعى لصفعة إلى الهيكل الأمني داخل أوربا ومن ورائه الولايات المتحدة، وأيضا داخل سوريا في سبتمبر عام 2015، رغم أن بوتين ظل لفترة معارضا سياسات التدخل التي يتبعها الغرب.

العلاقات الدولية مجال لا وجود فيه للأخلاقيات المثالية وتتسم طبيعة تنافسية واضحة، لكن واضح أن بوتين بين التنافس الدولي والصراع لكن بوتين يعيش حالة من الصراع الدارويني من أجل البقاء.

في أقل من شهر تعرضت موسكو إلى ثلاث هزات في سوريا الأولى كانت عسكرية عندما تعرضت قاعدتا حميميم الجوية وطرطوس البحرية لهجوم بطائرات مسيرة عن بعد حقق إصابات وتسبب في إخراج سبع مقاتلات من الخدمة جاء الهجوم بعد أسابيع من زيارة بوتين للقاعدة وأعلن النصر في الحرب السورية، والهزة الثانية كانت سياسية بعدما رفضت الدول الكبرى وحتى الإقليمية المؤثرة إعطاء شرعية دولية لمؤتمر سوتشي للحل، والهزة الثالثة عندما أسقطت القاذفة الروسية سو 25 من نوعية ستينغر الأمريكية ما يثير التساؤلات حول كيفية وصول هذا النوع من الصواريخ للمعارضين قلب المعادلة وهزيمة الجيش الروسي بعد 7 سنوات من احتلاله أفغانستان، عندما

قررت إدارة الرئيس الأمريكي ريغان تزويد المجاهدين بصواريخ ستينغر التي قلبت المعادلة العسكرية وأدت خروج السوفيت مهزومين من أفغانستان.

يجعل الروس من جديد أسرى التجربة الأفغانية، التي استطاع فيها الأفغان يجبر الروس على تحليق طائراتهم على ارتفاعات شاهقة ما يفقدها عامل المناورة والقدرة على ضرب أهدافها بسهولة.

حاولت الولايات المتحدة الضغط على روسيا التزامها بمعاهدة 1987 التي تنص على تدمير الصواريخ متوسطة وقصيرة المدى من 500 إلى 5500 كم وعدم إجراء تجارب عليها، واجهت أمريكا هذه الخطوة بنشر مجموعة جديدة إضافية من قواتها في بولندا، وتعزيز التواجد العسكري للناتو بشكل عام في شرق أوربا وجمهوريات البلطيق ونشر صواريخ ثاد في كوريا الجنوبية بحجة الخطر الصادر عن كوريا الشمالية، لكن موسكو اعتبرتها موجهة ضدها، وضد الصين، وهناك عملاقة البوارج الحربية الأميركية تصل إلى حيفا لتدريبات على حرب شاملة.

بوتين أعلن انتصار روسيا في حرب سوريا عندما زار قاعدة حميميم في ديسمبر 2017 كان يتذكر انهيار الاتحاد السوفيتي في عام 2008 بأنه كان أكبر كارثة جيوسياسية في القرن العشرين، رغم ذلك لقنته الولايات المتحدة درسا عندما قصفت القاعدة التي أعلن منها انتصار روسيا في سوريا ما يجعل بوتين مستعجل في إبرام اتفاق سياسي بعدما عمل تدخلها العسكري على قلب ميزان الحرب لمصلحة نظام الأسد، وجعل موسكو أهم لاعب أجنبي في سوريا، إلا أن محادثات سوتشي التي قاطعتها المعارضة السورية الرئيسية، شهدت مقاطعة مسؤولين روس من قبل بعض المشاركين، تؤكد التحديات التي يواجهها الكرملين في سوريا.

في واقع الأمر استفادت روسيا من التدخل في سوريا أن صدرت أسلحة إجمالي ما تصدره كل من ألمانيا وفرنسا وبريطانيا مجتمعة، كما يفوق التصدير الدفاعي الروسي ثلاثة أضعاف مثيله الصيني عالميا، وتود أن تثبت روسيا لأمريكا بأن تجاهلها على المستوى التكتيكي قد يكون جيدا لأمريكا غير أنه مكلف للغاية على المستوى الاستراتيجي، لكن ما عمله الغرب تعامل مع بوتين من موضع القوة باعتباره الترياق الوحيد لبوتين لوقف بطولاته ومغامراته وعليه أن يدرك أنها كلها كانت فاشلة.

بدأ الغرب لتنظيف شامل للسفارة الروسية في لندن بحيث لا يبقى جاسوس فيها، ولابد من فرض قيود مالية وقيود سفر على حلفاء بوتين في أوساط الأعمال، ومع تدابير ماي

الحذرة موضع ترحيب إلا أنه ينبغي الرد على أي تدابير انتقامية من قبل موسكو بصورة أكثر حزما، خصوصا وقد أعلن ترمب من قبل استراتيجيته في أفغانستان وخططه في زيادة عدد القوات الأمريكية بعدما أشار ترمب إلى أن الحرب في افغانستان مكلفة للغاية في الأموال والأرواح، وأشار في حملته إلى ضرورة الخروج من أفغانستان.

واليوم يحذر الرئيس ترمب روسيا الداعمة الأبرز لنظام الرئيس بشار الأسد من أن الصواريخ قادمة لضرب سوريا ردا على هجوم يعتقد أنه نفذ بالأسلحة الكيماوية واستهدف المدنيين في دوما السورية، وبحثت فرنسا وبريطانيا مع إدارة ترمب كيفية الرد على هجوم دوما، وشدد البلدان على ضرورة التحقق من المسؤول عن الهجوم.

توعد ترمب عبر تويتر قائلا تعهدت روسيا بضرب جميع الصواريخ الموجهة إلى سوريا، استعدي يا روسيا لأنها قادمة وستكون جميلة وجديدة وذكية ! عليكم ألا تكونوا شركاء للأسد لحيوان يقتل شعبه بالغاز ويتلذذ بذلك ( فيما يقال أنه في عام 2013 حاول بشار الأسد عبر وسيط بأن يقنع الملك عبد الله بأن يتدخل لإبعاد إيران عن سوريا، لكن الملك عبد الله رفض وقال لا يمكن أن أمد يدي لرئيس قتل شعبه ).

لم يكن رد روسيا سوى بأنها طلبت من أمريكا بأن توجه صواريخها نحو الإرهابيين وليس الحكومة الشرعية السورية، حيث تعارض موسكو أي ضربة غربية على حليفها المقرب الأسد وعرقلت تحرك مجلس الأمن بشأن سوريا 12 مرة.

أعاد هجوم دوما الصراع السوري إلى الواجهة على الساحة الدولية، إذ وضع واشنطن وموسكو في مواجهة إحداهما الأخرى من جديد، ومن المحتمل أن تشمل أي ضربة أصولا بحرية، بالنظر إلى الخطر الذي قد تتعرض له الطائرات من منظومات الدفاع الجوي الروسية والسورية، وترابض في البحر المتوسط المدمرة دونالد كوك التابعة للبحرية الأميركية والمزودة بصواريخ موجهة، ولن تكون على غرار ضربة الشعيرات الغير مؤثرة، والحل السياسي في سوريا يعتمد على حجم هذه الضربة.

لا تعليقات

اترك رد