الانتخابات العراقية القادمة : هل هي مفترق طرق ؟!


 

اود الإشارة في البدء الى ان هذه المقالة ليست عرضاً لتفاصيل المشهد الانتخابي او للقوائم المشاركة ، وقد عرضها غيري عرضاً وافياً ودقيقاً . هدفي هو الاجابة عن سؤال بشقين : هل تشكل هذه الانتخابات ونتائجه مفترق طريق في الوقف الاقليمي والدولي للعراق كما يتردد لدى بعض الاوساط ؟ وهل تمثل الانتخابات العتيدة خطوة او خطوات باتجاه مغادرة مستنقع الفساد والطائفية والانتهازية السياسية الذي وضع العراق فيه منذ عام ٢٠٠٣ ؟ ، كما اعرض وجهة نظر امريكية تقدمها خبيرة ومستشارة مهمة عملت عدة مرات على الملف العراقي في العراق والولايات المتحدة .

يبدو ان مراهنات عديدة تتوقف على نتائج الانتخابات العراقية القادمة والتي يفترض بها ان تشمل بالتغيير او التجديد كامل الطاقم السياسي من الپرلمان والحكومة ورئاسة الجمهورية . الغريب في الامر ان بعض الاطراف ومنهم اطراف امريكية واُخرى عربية ، خليجية خاصة ، أعربت عن توقعات كبيرة وتبدي املاً في ان هذه الدورة الانتخابية ستفرز توجهات جديدة على مستوى الاداء الحكومي والپرلماني وعلى مستوى توجهات العلاقات الخارجية .

شخصياً لا أتوقع الكثير ، ولكن لابد من الاعتراف بان لدى البعض من الذين يبنون الامال على نتائج الانتخابات مايبرر له التمسك بهذه الامال على خلفيات امور عدة لعل من أهمها : بدات الحكومة الحالية أعمالها منذ اربع سنوات وتنظيم الدولة يهيمن على مساحات شاسعة من البلاد بعد اندفاعته المعروفة اثر سقوط الموصل بين يديه وتوجهه بزخم كبير جنوباً وهو يستهدف العاصمة . لقد قامت الحكومة بحشد كامل إمكانات البلد مع دعم دولي وأمريكي كبير لمواجهة هذا الخطر ، وقد أفلحت في ازالته وكان الثمن كبيراٍ خاصة ان العمليات العسكرية قد ألحقت الدمار شبه الكامل بعدد من المدن الكبرى وفي مقدمتها الموصل . هذا الوضع الجديد يتطلب توظيف إمكانات هائلة لاعادة اعمار التخريب الذي وقع فضلاً عن اعادة النازحين الى مدنهم ؛ ان الإمكانيات المادية المطلوبة تتجاوز قدرات العراق في ظل تراجع موارد النفط والفساد الذي أهدر موارد البلاد ومازال ؛ وفي ظل هذا الوضع يتعين على الحكومة التوجه الى الدائنين الدوليين والممولين المحتملين وفي مقدمتهم أقطار الخليج العربي والسعودية بشكل خاص . يترتب عن ذلك ضرورة اجراء تعديلات جوهرية في اتجاهات السياسة الخارجية واعادة ترتيب علاقات العراق الاقليمية ؛ لقد حاولت حكومة العبادي إظهار مثل هذا التوجه ، وكانت زيارات قاسم الأعرجي للرياض وزيارات مقتدى الصدر لها وللإمارات العربية فضلاً عن اعادة تفعيل نشاط السفارة السعودية في بغداد مؤشرات على مثل هذا التوجه الذي يأتي مستجيباً لخطاب امريكي داعم لمثل هذه الانعطافة التي تظهر في الموقف العراقي ومايلاقيه من قبول في المحيط العربي والخليجي بوجه خاص ، بل وأعرب اكثر من طرف امريكي عن تعويله على العبادي شخصياً لقيادة البلاد في هذا التوجه الجديد ؛ لم يتردد الرجل من جانبه في الحديث عن علاقات متوازنة مع الجوار الاقليمي وان العراق ليس طرفاً في محاور الصراعات القائمة في الاقليم ولن يكون منطلقاً للهجوم على اي بلد مجاور ، وفي ذلك تطمين للإيرانيين وللخليجين على حد سواء ؛ كما عزز خطابه بزيارة بعض العواصم الاقليمية ، وكان مؤتمر المانحين الأخير في الكويت مناسبة اخرى استثمرها لتأكيد هذه التوجهات .

من المؤكد ان هذه التوجهات الجديدة ” المنتظرة ” في السياسة الخارجية العراقية هي توجهات ضرورة أملتها ظروف الدمار التي لحقت بأجزاء واسعة من البلاد وخاصة ذات الأغلبية العربية السنية ؛ الهوية الطائفية لهذا الدمار انشأت ، كما يعتقد البعض ، مصالح محددة للجوار العربي الخليجي والتزامات اخلاقية عليه لمد يد العون لاعادة اعمار هذه المناطق ، في الوقت الذي ترتب حاجات العراق لمثل هذا الدعم فتح آفاق جديدة في السياسة الخارجية العراقية لجهة التخلص من السياسات القديمة ذات البعد الواحد التي اطلقت يد ايران في التدخل وترتيب الوضع الداخلي العراقي ، ومن ابرز معالم تدخلها هذا هي المليشيات المسلحة التابعة لها والتي اصبحت جزءاً رسمياً من النسيج السياسي العسكري والأمني فضلاً عن دورها المُسلم به في تشكيل الحكومات المتعاقبة . صيغة معقدة قد اتخذها الوجود الايراني وعلى الذين يتوجهون الى العمل في الساحة العراقية ان يتعايشوا مع هذا الواقع .

هذه هي سياسة المرحلة المقبلة بغض النظر عمن سيتولى تشكيل الحكومة ، ولكن المنطق يقتضي الحفاظ على حكومة بقيادة العبادي طالما انها هي التي ابتدأت الصفحة الاولى في هذه السياسة ، وهي الأنسب لتنفيذها مع مايصدر من إشارات من دول الخليج المعنية التي لمحت الى تفضيلها التعامل مع العبادي باعتباره أفضل الخيارات المتاحة ، والاقرار بان الهوية الطائفية المفروضة على الواقع العراقي امر لاسبيل الى تغييره ولابد من قبوله طالما يفتح منافذ ولوج الى الساحة العراقية وبالامكان تحسين مركز وموقع وكلاء طائفيين قائمين ومحتملين ، فضلاً عن امكانية مد الجسور لمن يوصفون بأنهم ” شيعة معتدلون ” .

هذه السياسة ” مفروضة ” و ” ومتوافقٌ عليها ” ؛ مفروضة من طرفي الرعاية في العراق وهما ايران والولايات المتحدة لعدم توفر الرغبة او الإمكانية لدى الطرفين لتحمل نفقات اعادة الإعمار واعادة النازحين الى ديارهم ، ومتوافق عليها بينهما وبقية الاطراف الاقليمية والدولية ذات المصلحة . الخليجيون ، والسعوديون خاصة ، قد يعتبرونها فرصة مناسبة لاعادة التواصل مع اطراف عراقية عديدة أوسع نطاقاً من الحزب الاسلامي ركيزتهم البائسة خلال المرحلة السابقة ، ومن شأن ذلك تقليص النفوذ الواسع الذي تمارسه ايران وذلك في سياق خطاب رئاسي امريكي معادٍ للنفوذ الايراني في العراق والإقليم بشكل عام ؛ وهنالك اطراف دولية اخرى ومنها اوروپية تبحث عن فرصها في كيكة اعادة الإعمار واعتبار ذلك جزءاً من ستراتيجية عامة لمواجهة ” الاٍرهاب ” الذي اصبح يطال اوروپا بشكل متكرر .

هذا حساب بديهي وقد تصل درجة البداهة فيه حدود السذاجة ، ولكنه السيناريو المرجح الذي تفرضه الظروف والمعطيات على الارض والقوى ذات العلاقة .

على المستوى الداخلي فقد جرى تعديل قانون الانتخابات بما يوحي بان الحكومة العراقية ، اياً كانت ، تسير باتجاه تطبيع الاوضاع في الداخل ؛ تم اعتماد المحافظات كدوائر انتخابية واعتماد نظام القائمة المفتوحة ونظام ليغو المعدل لتوزيع المقاعد الپرلمانية بما يضمن ، وفق الاعلان الرسمي عن ذلك ، تمثيلاً اكثر عدالة وخاصة للأحزاب والكتل الصغيرة ، ولكن ذلك يتم وفق ذات الجوهر الذي أقيم عليه النظام السياسي منذ الاحتلال ثم كرس بدستور ، ولذلك فانه يصعب تصور حصول تحولات جوهرية حقيقية تعيد صياغة الواقع العراقي في اي من جوانبه الاساسية . الطبقة السياسية هي ذاتها في معظم شخوصها ، بل ويمكن القول ان بعض هذه الشخوص قد تجذرت وتمأسست بصيغة مصالح بألوان طائفية وحزبية وجهوية وحتى أسرية ، وقد نشأت تنظيمات وهيئات مجتمعية وسياسية اقرب الى المافيات منها الى هيئات المجتمع المدني ، وهي التي يفترض ان تكون تجربة عقد ونصف من العمل السياسي ” الديمقراطي التعددي ” قد ازالتها او على الأقل قلصت من فرصها ، كما يفترض ان نكون قد وصلنا الى مرحلة نرى فيها لاعبين سياسيين من الهيئات والأفراد وخاصة من فئات الشباب تقوم برفد العمل السياسي والمدني بدماء جديدة في مجتمع عرف عنه انه كان الاكثر تعليماً وتقدماً في محيطه الاقليمي .

لقد كان المجتمع العراقي قد حقق ، خلال سبعة عقود من الاستقلال سبقت الاحتلال الامريكي ، طفرات نوعية في مجالات التعليم والثقافة والفنون ، وهي ذخيرة كان يجدر بها ان تكون المعين الذي يوفر الفرصة لظهور قيادات مجتمعية مدنية اكثر انفتاحاً من الأجيال التي سبقتها بفعل اجواء ” الحرية السياسية ” التي وفرها اسقاط النظام السابق . من المؤسف فأن ماحصل هو العكس تماماً . لقد استقدم الاحتلال عدداً من الأفراد لايتجاوز عددهم وفق المعلومات المتوفرة الف شخص تم تأهيلهم تأهيلاً خاصاً في معسكرات تدريب امريكية في هنغاريا ورومانيا لادارة البلاد وفق سيناريو رسم الدستور اهم تفاصيله ؛ لقد ظل الامريكيون يدعمون هذه الفئة التي استقدموها وأطلقوا أياديها تعيث فساداً في ثروات البلاد التي أغرقوها في التزامات طويلة تجاه الدائنين الدوليين وأوقعوا خراباً واسع النطاق لن يكون اصلاحه ممكناً الا بعد عقود طويلة .

في انكفاءة الى ماقبل عهد الاستقلال تمت العودة الى اعتماد ” نظام الملل ” بتسميات مستعارة من معاجم الديمقراطية وبشكل اكثر شمولاً . هذا النظام كان سائداً في ظل الدولة الاسلامية الدينية ويتفق المراقبون ومنهم المؤرخ الكبير برنارد لويس على انه كان من أفضل ماعرفته البشرية في مجال حرية الاعتقاد وممارسة الطقوس لغير المسلمين قبل عصر التنوير . لقد غادر العراق هذا الامر منذ عهد تأسيس دولته الحديثة المستقلة ؛ في عام ١٩٢٥ تم اعتماد دستور علماني حديث للعراق المستقل وبموجبه اعتبر الشعب مجموعة المواطنين المتساوين في الحقوق والواجبات استناداً الى مواطنتهم الفردية ، فيما عاد الدستور العراقي لعام ٢٠٠٥ الذي جرى اعتماده ببركات وفضل الاحتلال ومعونته ومشورته الى اعتبار الشعب العراقي مجموعة مكونات اثنية وطائفية حددت وفق معيار مزدوج هو معيار الطائفة بالنسبة للمسلمين ، ومعيار الاثنية ” او العرقية أحياناً ” بالنسبة لعموم الشعب واختفى من لوحة توصيفات سكان البلاد صفة مواطن ، وقد حل ّ محلها تعريف يسبق هذه الصفة تُلحَقُ به كلمة مواطن لتكون بكل جلال قدرها تفريعة منه ، ووفقاً لها فقط نستطيع تحديد الموقع السياسي – الاجتماعي لاي فرد عراقي يحمل جنسية البلاد وتحديد فرصه في الحياة العامة في البلاد . امر يتنافى مع ثوابت بني عليها كيان العراق منذ تأسيسه ومنها المواطنة العراقية المتساوية التي اكتسبت معنى سياسي واجتماعي غني مفعم عكسته ثقافة وتراث حقبة كاملة من عمر البلاد الحديث بعد الاستقلال لايُنقِصُ منها نعيق من هنا او هناك من بقايا تاريخ طوته صفحات من البناء الحضاري المتمدن . لاشك ان الأنظمة الجائرة والاستبداد الذي ساد الحقبة الجمهورية قد أبطأ من هذا المسار لكنه لم يستطع ايقافه . اما مانراه اليوم في تفاصيل الحياة العامة وطريقة ادارتها او مايسمى العملية السياسية ” الديمقراطية ” فهي اشكالية مفتعلة وافتراضية ومزيفة كرسها الفساد العام الذي أقام مصالح مؤسسية ، وأحياناً قانونية دستورية ، ودعاوى عقائد مريضة وشخوص كانت تقبع في الزوايا المظلمة تم دفعها الى الواجهة لتكون هي عنوان المشهد ، ولكنها لم تجد فرصتها لتسود ولو بقوة السلاح الا بعد ان تم تشريد وإزاحة ملايين المواطنين الى خارج البلاد في المهاجر او داخلها في مخيمات النزوح ، والبلاد تعيش على هاجس حرب أهلية قد تقع لاي طارئ . مامن تجربة كهذه مقيتة مليئة برائحة الدم وملوثة به تستحق ان تدرج في سجل قيد الديمقراطيات ، بل انها عار اسود يلطخ جبين حضارة الغرب التي تقبل ان يجري كل مايجري في العراق منذ عام ٢٠٠٣ باسمها وتلغي كل مبررات الاحتلال وتوابعها .

اما على مستوى السياسة الخارجية فقد تم إلغاء دور العراق كلاعب إقليمي مبادر منذ عدوان ١٩٩١بقيادة الولايات المتحدة وحفنة من حكام العرب الذين صنعت المصالح النفطية الدولية عروشهم ومازالوا يستمدون نزغ حياة انظمتهم الفاسدة منها بشهادة ترامپ الذي اكد انهم ماكانوا ليمكثوا أسبوعين على عروشهم لولا الولايات المتحدة { ملاحظة : تبلغ الوقاحة بولي العهد السعودي ان يذهب لزيارة بيت ال بوش حيث التقى بوش الأب وابنه المسؤولين عن تدمير العراق في موعد سقوط بغداد رغم ان زيارته للولايات المتحدة كانت طويلة وكان بوسعه اختيار موعد اخر للزيارة } . لايوجد في الأفق مايشير الى دور ممكن في البيئة الحالية في الاقليم وسيظل العراق مرهوناً بمشكلاته الداخلية ، فيما تصنع سياساته الخارجية قوى النفوذ الخارجي عبر وكلائها في داخله .

كاتبة المقال الذي أقدمه هي إيمي سكاي وهي زميل اقدم في معهد جاكسون / جامعة يال . كما عملت ضمن سلطة الاحتلال الامريكي لعامي ٢٠٠٣-٢٠٠٤ كمشرف على ادارةٍ كركوك ، ثم عاودت العمل في العراق كمستشارة بمعيّة الجنرال أوديرنو للفترة ٢٠٠٧-٢٠١٠ . نشرت المقالة في مجلة فورين افيرز بعددها الصادر يوم ٥ / اپريل – نيسان / ٢٠١٨ .

لنتابع

يتوجه العراقيون في الثاني عشر من شهر مايس / مايو القدم الى انتخابات پرلمانية تاتي في لحظة مهمة . لقد تمكن الملايين من المهجرين من العودة الى منازلهم {!!} بعد الاعلان عن دحر تنظيم الدولة في كانون الاول من العام الماضي . في الموصل عاد الطلاب الى مدارسهم كما فتحت المكتبة التي دمرها التنظيم ابوابها . تبدو بغداد اكثر شعوراً بالامن من اي وقت مضى منذ الاحتلال عام ٢٠٠٣ ، كما تنشط الاعمال في مراكز التسوق وعادت المقاهي لفتح ابوابها فيما اخذت المتنزهات تضج بالعوائل .

لقد مر العراق بمثل هذه المفترقات من قبل . في عام ٢٠١٠ بدا وكأن الامور قد استتبت بعد هزيمة تنظيم القاعدة وكانت الامال عالية لدى العراقيين والامريكان بان الانتخابات التي جرت بعدها ستضع العراق على سكة جديدة في الاتجاه نحو سلام دائم . لقد تولى المالكي السلطة من خلال فرضه على الكتل السياسية رغم انه لم يفز بغالبية المقاعد الپرلمانية ، ولكن ادارةٍ اوباما رمت بكل ثقلها خلفه . لقد كانت الادارة تعتقد انذاك انه موال للامريكان وكانت تتطلع الى تجديد اتفاق الوضع الخاص للجنود الامريكيين من اجل ابقاء عدد محدود منهم بشكل دائم عندما ينتهي مفعول الاتفاق الخاص بذلك والذي كان نافذاً حتى عام ٢٠١١ . اعتقدت الادارة ان ذلك أسرع وسيلة لاقرار وجود حكومة عراقية مستقرة ، وهو امر من شأنه مساعدتها في الانتخابات النصفية التي كانت ستجري في حينها . لقد فشلت المراهنة على ذلك في حينها ولم يستطع العراق تجاوز الانقسام الطائفي ولم يتمكن العراقيون من احلال السياسة بدل العنف .

لقد جرى تشكيل الحكومة العراقية بعد قرار الانسحاب الامريكي بتأثير إيراني اكثر من التأثير الامريكي ؛ لقد قامت ايران بدعوة قادة الفصائل الشيعية الرئيسية الى طهران وضغطت عليهم من اجل التجديد لولاية ثانية للمالكي مشترطة عليه ان يعمل على اخراج كامل القوات الامريكية من العراق ، كما تم اشراك الاكراد والسنة في الحكومة وهو الامر الذي أعاد انشاء حكومة غير فاعلة حيث تحولت الوزارات الى إقطاعيات حزبية كما تم نهب موارد الدولة بين النخب الحاكمة . لقد مارس المالكي في ولايته الثانية سياسة اضطهاد اجزاء واسعة من السكان السنة الذين كان منهم من رفع الصوت بخطاب طائفي ايضاً بتأثير الحرب الأهلية السورية وزاده شحناً النزاع الاقليمي بين ايران من جهة ودوّل الخليج وتركيا من جهة ثانية { ملاحظة : تحليل ساذج للغاية وكأن الخطاب الطائفي هو مصدر نزاعات المنطقة وليس المصالح الجيوستراتيجية والتدخلات الأجنبية والدليل ان سنة المنطقة لم يكونوا يوماً معسكرات واحداً وها نحن نرى الشقة بين تركيا ودوّل الخليج فضلاً عن لغة العداء السعودي المتصاعد ضد حركة الاخوان المسلمين ، وكلاهما من اكثر القوى تأثيراً في المنطقة على المستويين الرسمي والشعبي . الخطورة في هذا التحليل انه يصدر من شخص مؤثر في القرار الامريكي حيث كانت الكاتبة تعمل مستشارة سياسية للجنرال أوديرنو الذي تولى قيادة القوات في العراق ثم قيادة المنطقة الوسطى } . لقد قادت هذه السياسات الى إيجاد الظروف والديناميات التي ادت الى ظهور تنظيم الدولة من بين رماد القاعدة مقدماً نفسه كمدافع عن السنة ضد نظام المالكي الشيعي المدعوم من قبل ايران .

يسود اوساط العراقيين امل حذرحول مستقبل بلادهم ، ولكن الجهاديين الذين مازالوا يعملون في الظل ويقومون بشحن المشاعر السنية {!!} ليسوا التحدي الوحيد امام الحكومة القادمة بل فساد الطبقة السياسية التي تولت حكم البلاد منذ سقوط صدام حسين اضافة الى نوعية نظام الحكم الذي يؤمن هذه الطبقة الحاكمة الفاسدة . هذا يمثل تهديداً لاستقرار البلاد على المدى البعيد .

المشهد السياسي

رغم ان البيئة السياسية العراقية تبدو اكثر تصدعاً عما كانت عليه في السابق فان ذات الوجوه مازالت هي المهيمنة . هنالك خمس قوائم شيعية متنافسة وهي : قائمة رئيس الوزراء الحالي حيدر العبادي وقائمة سلفه نوري المالكي الذي يترأس كتلة منفصلة في اطار حزب الدعوة الحاكم . قائمة هادي العامري زعيم منظمة بدر والذي يتحالف مع مليشيات الحشد الشعبي المدعومة من قبل ايران والتي يطلق عليها ايضاً اسم قوات التعبئة الشعبية بعد ان قامت بتحويل نفسها الى حزب سياسي ؛ هنالك ايضاً القيادات الدينية التي يمثلها مقتدى الصدر وعمار الحكيم ولكل حزبه الخاص .

اما الاكراد ، وبسبب الاستفتاء الكارثي الخاص بالاستقلال في أيلول / سبتمبر من العام الماضي ، فانهم في اضعف حالاتهم منذ سقوط صدام حسين . يبدو ان الحزبين التقليديين الرئيسيين ، وهما الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني ، في حالة من عدم الفاعلية وقد فقدا ثقة الاكراد الشباب وتتعاظم قوة الحركات المعارضة لهما . لقد فقد الحزبان السيطرة على المناطق المتنازع عليها بضمنها كركوك كما تم تخفيض حصة الاقليم من الموازنة العامة للبلاد من ١٧ الى ١٢ في المائة .

بالنسبة للسنة والجماعات العلمانية فانهم يتقدمون بثلاث قوائم يرأسها جمال الكربولي الرئيس السابق لجمعية الهلال الأحمر العراقي ، واسامة النجيفي الرئيس السابق للپرلمان وإياد علاوي رئيس الوزراء السابق الذي يتحالف مع نائب رئيس الوزراء صالح المطلگ ورئيس الپرلمان سليم الجبوري .

من الناحية النظرية فان العبادي في مركز قوي يؤهله للفوز بدورة ثانية في رئاسة الحكومة . لديه إنجاز دحر تنظيم الدولة كما توسعت قاعدته بين العراقيين العرب عندما تمكن من استرداد السيطرة على المناطق المتنازع عليها مع الاكراد كما تمكن بحذاقة من الموازنة بين ايران والولايات المتحدة ، وقام بتحسين علاقات العراق مع أقطار الخليج وحقق اختراقاً في العلاقات مع السعودية التي تعود للعب دور بناء في العراق من خلال تمويل استثمارات حكومية ودعم الشيعة المستقلين والسنة المعتدلين . من شان هذه التطورات عملت على تخفيف الطائفية التي تصاعدت بعد الاحتلال .

تواجه حملة العبادي الانتخابية بعض الصعوبات حيث تفتقر للتنظيم والابداع رغم ان الرجل يسيطر الاعلام الرسمي واجهزة الحكومة ويحظى بدعم قيادات حزب الدعوة البارزين . لم يفوت العبادي فرصة الا ووجه فيها الانتقاد لادارة المالكي الذي قاد البلاد للإفلاس ومكن تنظيم الدولة من احتلال اجزاء واسعة من البلاد . يتعين على العبادي ان يحدد الان رؤيته للإصلاح الاقتصادي واعادة بناء المؤسسات الحكومية ، خاصة وان جهوده السابقة في هذا المجال ذهبت ادراج الرياح . لقد قرعت محاولات العبادي انشاء تحالفه السياسي أجراس الانذار . لقد حاول التقرب من الحشد لغرض اضعاف المالكي وحرمانه من دعمهم . لقد فشلت المحاولة بعد ٢٤ ساعة عندما انسحب الحشد من اتفاقه مع العبادي لكن صورته قد تضررت في اعين شركائه المحتملين من المعتدلين .

من جانبه يسعى المالكي لحرمان العبادي من تسلم ولاية ثانية ولأجل ذلك أعلن مواقف مؤيدة لايران مما قد يدفع الجماعات الشيعية التي تدعمها ايران لدعمه . يلتزم كل من العبادي والمالكي بهدف ابقاء رئاسة الحكومة في اطار حزب الدعوة ويبدو ان المالكي يسعى للعب دور ” صانع ملوك ” اكثر منه السعي الى رئاسة الوزراء .

الطريق الأفضل للمضي قدماً ،

من اجل ضمان الاستقرار على المدى البعيد ينبغي على الولايات المتحدة ان تتجنب الالتزام الكارثي بدعم شخص دون اخر كما حصل عام ٢٠١٠ . ماينبغي عمله هو دعم تحالف شيعي معتدل ، يتحالف مع بعض الاكراد وأطراف سنية ، ويستطيع تشكيل الحكومة { ملاحظة : اقتراح اكثر غباءاً من الاقتراح الذي تدعو الكاتبة لصرف النظر عنه . ماذا يعني شيعي معتدل او سنى معتدل او كردي يستطيع العمل مع حكومة بغداد . من من الطبقة السياسية الحالية قادر على ان يزعم الاعتدال او يثبت ان غيره متطرف . الجميع قرب فارغة ولايمتلكون تصورات واضحة وعصابات ومافيات من اللصوص وقد تمت تجربتهم واحداً بعد الاخر وهم ذاتهم الذين قادوا البلد الى الهاوية وفق اعتراف الكاتبة في بداية المقال . هكذا تقد توصيات هؤلاء الخبراء المزعومين الى القيادات العليا } .

ان هشاشة المشهد السياسي العراقي يقدم امكانية لبناء تحالفات عابرة للطائفية { ملاحظة : غباء اخر لان الطائفية تم تأسيسها دستوريا } ، تحالف يمكنه مواجهة الفساد وتحسين اداء الحكومة والخدمات العامة { !! من هم ولماذا لم يفعلوا ذلك سابقاً ؟! } . ان الاستقرار الأمني من شانه توفير الفرصة للعراقيين للمضي قدماً الى مابعد مرحلة سياسات الهوية الى مرحلة سياسات تشخيص المشاكل ومواجهتها . ان البلاد بحاجة الى نظام بديل عن النظام الطائفي القائم حالياً لديه الإرادة لتبني إصلاحات سياسية واقتصادية { ملاحظة : مع وجود حوالى ٢٠ مليون قطعة سلاح في أيدي التنظيمات المسلحة التي منحتها الحكومة صفة الشرعية دون ان تمتلك اي قدر من السيطرة عليها } . ان هذا هو الامر الملح حالياً لان عوائد النفط ليست كافية لتغطية نفقات الميزانية العامة وتتزايد نسب البطالة بين صفوف الشباب .

ان هشاشة المشهد السياسي العراقي تفتح ايضاً الباب امام المتشددين من اتباع ايران لتأكيد نفوذهم . ففي ردهم على دعوة ترامپ إلغاء الاتفاق النووي مع ايران دعا هؤلاء الى سحب كافة القوات الامريكية من العراق رغم ان غالبية العراقيين يرفضون ان يكونوا تحت الهيمنة الايرانية او آية قوة اجنبية اخرى ؛ كما ان ايران تواجه هي نفسها تحديات خاصة : ان قوتها قد تمددت الى سوريا ، واية الله علي خامنئي يعاني من المرض كما قام الآلاف من الايرانيين هذا الشتاء بالنزول الى الشوارع احتجاز على النظام .

مازال العراقيون يعتبرون الولايات المتحدة لاعباً رئيسياً في العراق وتستطيع ان تعزز مركز بعض السياسيين عندما يتعلق الامر بأيران { ملاحظة : امريكا فعلت العكس عندما حيّدت جميع القوى العلمانية والقومية منذ بدء العملية السياسية } . يتعين على الولايات المتحدة ان تظهر دعمها لمساعدة الشيعة المعتدلين لمواجهة ضغوط ايران والعراقيين المتشددين وذلك بدفع الاكراد والسنة نحو هؤلاء المعتدلين { ملاحظة : سذاجة ؛ الجميع الذين تم إبقاؤهم في الحياة السياسية هم من الفاسدين المستعدين لمبادلة المواقف بالامتيازات . من منهم عرف بكونه صاحب موقف واضح او برنامج عمل ؟! } . يتعين على الولايات المتحدة إظهار التزامها بعيد المدى تجاه العراق ليس فقط من خلال تدريب قوات الامن فقط ولكن من خلال تنويع اقتصادها بعيداً عن النفط ودعم جهود الحكومة العراقية لتحسين علاقاتها مع الخليج وتشجيع الشركات الامريكية للاستثمار في البلاد .

لاينبغي للولايات المتحدة ان تنسحب من الاتفاق النووي الايراني . لقد أعلن الرئيس ترامپ انه سيتخذ قراره بشأن الاتفاق في الثاني عشر من الشهر القادم وهو نفس يوم الانتخابات العراقية . ان الخروج من الاتفاق سيؤدي الى تعرض القوات الامريكية في العراق لهجمات المليشيات المدعومة من قبل ايران وسوف تتصاعد مطالب القادة الشيعة بأخراج القوات الامريكية من العراق وتوحيد جهود الشيعة لمواجهة التهديد الامريكي المحتمل . هذا الوضع سيعيد مشهد عام ٢٠١٠ ؛ تدخل إيراني لتشكيل الحكومة الجديدة مع انسحاب للقوات الامريكية وبروز خطر الاٍرهاب من جديد ، وهذا سوف يعيد العراق الى المربع الاول ويشكل كارثة بالنسبة للولايات المتحدة .

لا تعليقات

اترك رد