” الانسحاب الأمريكي المزعوم من سورية وتداعياته “

 

لم تكن الولايات المتحدة في يوم من الأيام واضحة في سياساتها تجاه أصدقائها وأعدائها وألد أعدائها فهي تعمل على التناقضات على الساحة الدولية لكسب ما يمكنها كسبه من الآخرين مهما كان موقعهم على الخارطة العالمية .وفي هذا السياق يقول ناجي العلي ، الذي يعد بحق أفضل مبدع في رسم الكاريكاتير منذ القرن الثامن عشر: ” من رأى منكم أحداً يثق بأمريكا فليقاومه بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وإن لم يستطع فبهذا وهذا أضعف الإيمان، وهنا يشير إلى البندقية”. وفي نفس السياق ، نجد التباين والتناقض أحيانا في سياسات الولايات المتحدة الرسمية ويقفز رئيسها السيد دونالد ترامب قفزات نوعية تشبه إلى حد بعيد قفزات فيليكس باومغارتنر الفضائية التاريخية لدرجة أن إدارته تستغرب تصرف الرئيس وتندهش لها.

منذ أيام أعلن الرئيس ترامب أن الولايات المتحدة “ستسحب قواتها من سورية ” وهذا التصريح وضع الإدارة الأمريكية ومسؤولي الأمن الوطني في ارباك شديد وأعلنوا صراحة أن خطوة الرئيس بسحب القوات لا تحطم فقط مصداقية الولايات المتحدة تجاه خلفائها ولكنها تزيد من حدة الصراع والحرب القائمة على سورية . وقد فاخر الرئيس ترامب منذ تسلمه مفاتيح البيت الأبيض مرارا وتكرارا بحربه المزعومة ضد تنظيم الدولة الاسلامية في العراق والشام ليقول أخيرا أنه يريد الانسحاب من سورية الذي دخلتها قواته غازية ومن دون إذن وتنسيق مع الحكومة السورية . يجدر بالذكر أن تصريح الرئيس أثار الكثير من الحيرة والإرباك في الدوائر العسكرية الأمريكية الذي دفعها لتحذير الرئيس من المضي قدما في قرار الانسحاب من سورية . قال الرئيس في حديثة أمام داعميه خارج منطقة كليفلاند الأمريكية أثناء حديثه عن البنية التحتية : ” نحن ندمر الجحيم الذي ابتدعه تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام . وسنخرج من سورية قريبا جدا ونترك للأخرين مسألة الاهتمام بهذا البلد .” ثم أضاف الرئيس في حديثه : ” سوف نستولي على الخلافة المزعومة كما يسمونها والتي يسمونها أحيانا أرضا ننتمي إليها وسنكون بها.”

الانسحاب الأمريكي من سورية يعني انتصارا لروسيا

ردد مسؤولون أمريكيون عبارات ” لم نسمع أي تفاصيل من مكتب الرئيس في البيت الأبيض ” وقالوا أن سياسة الولايات المتحدة لم تتغير وسوف يستمرون في محاربة داعش. بينما فسر مسؤول أخر ملاحظات الرئيس قائلا : ” الرئيس يعلق على موضوعات كثيرة ، وأنا افترض أنه يقصد أن الولايات المتحدة على وشك الانتصار على داعش وأن الرئيس يريد أن يقول بلاغيا أن الخطوة التالية ستكون الانسحاب من سورية . ”

وقد عُقد اجتماع في مجلس الأمن الوطني يوم الثلاثاء الفائت لمناقشة خطة إدارة ترامب لمحاربة داعش في سورية وفق ما أفاد به مصدر عالي المستوى في الإدارة الأمريكية في تصريح لشبكة سي إن إن الإخبارية . وخلص المجتمعون إلى أن أي قرار للرئيس ترامب بسحب القوات من سورية يكون مخالفا للتقييم العسكري وهذا ما أجبر مجلس الأمن الوطني على إعادة دراسة تأثير الانسحاب من سورية وعواقبه المحتملة وفق ما أفاد به مصدر أخر عالي المستوى لشبكة سي إن إن الأمريكية .

من يخسر بسبب الانسحاب الأمريكي المزعوم ؟

تعلن الولايات المتحدة أنها تمتلك حوالي 2000 جندي على الأرض في سورية يقدمون كل أنواع الدعم الفني واللوجستي لقوات سورية الديمقراطية المدعومة أمريكيا والتي تحارب داعش. يقال أن هذه القوات تتألف من 50% من تشكيلاتها من العرب و50 % من الكرد السوريين ولكن ينفرد الأكراد بقيادة هذه القوات.

ويبدو أن رغبة الرئيس ترامب المعلنة في سحب القوات من سورية لها حساباتها التكتيكية التي ترفع من منسوب المخاوف لدى الأكراد المدعومين أمريكيا وتقوي الحكومة السورية التي تعتبر هذه القوات محتلة لأرض سورية كما تعزز من نفوذ إيران وتركيا في المنطقة التي هي في حالة صراع مع حلفاء الولايات المتحدة .

من جانب آخر ، يصرح ديفيد أديسنيك مدير معهد الأبحاث السياسية في الدفاع عن الديمقراطيات : ” لقد فعلت الولايات المتحدة الكثير لحلفائها الأكراد والفرق الأخرى التي تحارب الدولة السورية وفي الميدان لا تسمح الولايات المتحدة لأحد بالمساس بحلفائها وهذا الدعم الأمريكي هو الذي يمنع هذه القوات المختلفة من عقد صفقة صلح وتسوية مع الحكومة السورية .”

وقد أعاق الحضور الأمريكي على الأرض السورية قوات الحكومة السورية وحلفائها الروس من محاولة استعادة حقول النفط والمناطق الأخرى التي يسيطر
عليها الأكراد ولو لم تكن القوات الأمريكية متواجدة على الأرض لاستطاعت القوات الحكومية السورية استعادة مناطق واسعة في الجزيرة السورية .

هناك مواقع أخرى مثل منبج والتنف السورية أعاق فيها الوجود الأمريكي تقدم القوات الحكومية السورية على الأرض ومنعها من الوصول إلى الحدود كما منع الوجود الأمريكي تقدم القوات التركية نحو منبج السورية . وهذا الدعم غير المحدود الذي تقدمه القوات الأمريكية لقوات سورية الديمقراطية هو الذي حماها من الخصوم وأمن لها الغطاء الجوي ومن دون هذا الدعم ستسقط قوات سورية الديمقراطية كما سقطت قوات أخرى موالية لواشنطن .

يعتقد خبراء أمريكيون أن الانسحاب المزعوم للقوات الأمريكية من سورية قد يساعد داعش على العودة إلى الوجود . الأمر الذي سيزيد من حدة الصراع بين القوات المتحاربة على الأرض ويتسبب في حالة عارمة من الفوضى في المنطقة يصعب ضبطها والمستفيد الوحيد في هذه الحالة هم داعش وأعوانه وتركيا التي ستتمدد في الشمال السوري وتنهي وجود قوات سورية الديمقراطية في المنطقة كما فعلت في عفرين السورية . وتشير التقارير الاستخباراتية الأمريكية إلى أن داعش يعيد تشكيل نفسه في كثير من المناطق التي خسرها وأن النشاطات العسكرية التركية في الشمال السوري ساعدت في نمو داعش لأنها حرفت انتباه القوات الكردية عن محاربته في أكثر من منطقة .

يقول الكولونيل روب ماننغ الناطق باسم البنتاغون أن الولايات المتحدة لازالت تناقش التدخل التركي في عفرين السورية وأنها تدرس تداعيات هذا التدخل وأثره السلبي في محاربة داعش وهزيمته على الأرض وأنها ترغب في إنهاء الاعتداء التركي على الأكراد وأن الظروف مهيأة لداعش لإعادة تشكيل نفسه في شرق سورية . كما أشارت وزارة الخارجية الأمريكية إلى أن داعش يعيد تشكيل نفسه في المناطق الشرقية وأن خطره لا يزال قائما . تقول هيثر ناوريت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأمريكية : ” الحرب التي تجري في غرب سورية وتحديدا في عفرين السورية صرفت النظر عن محاربة داعش وقدمت الفرصة السانحة لداعش لإعادة تجميع نفسه في أكثر من منطقة من سورية . ” كما حذر قادة كبار في الإدارة الأمريكية خلال الأسابيع القليلة الماضية من أن الحملة العسكرية التركية ضد القوات الكردية في عفرين والتي بدأت في 20 كانون الثاني قد تؤثر سلبا على الحرب ضد داعش وتساعد الإرهابيين في إعادة تشكيل صفوفهم والأتراك يعتبرون القوات الكردية المدعومة من الولايات المتحدة قوات إرهابية يجب محاربتها . أمام هذا التعقيد في الصورة تشعر الحكومة السورية بالراحة نوعا ما بسبب تقاتل الخصوم في أكثر من منطقة .

التدخل الروسي في سورية ساعد حليف روسيا الشرق أوسطي على الصمود في وجه أعتى هجوم تتعرض له سورية في تاريخها الطويل حيث تعرضت سورية لأبشع نوع من حروب الإبادة الجماعية والتدمير المنظم والممنهج والقتل على الهوية بهدف زرع الخوف والإرهاب في نفوس الناس وخاصة الأقليات . وفي ذات الوقت ساعد التدخل الأمريكي المباشر في تطويل الحرب ورعاية المنظمات الإرهابية المعتدلة والمتطرفة على حد سواء وقدم لهم الدعم المادي والمعنوي وهناك قرائن دالة على أن الولايات المتحدة هي الراعي الوحيد لتنظيم داعش وقد ظهر ذلك على لسان الرئيس الأمريكي ووزير خارجيته ووزير دفاعه وفي تحقيقات الكونغرس الأمريكي وخاصة التوضيح الذي قدمه وزير الدفاع الأمريكي السابق حين قال :” لا ندري أين تذهب الأموال والأسلحة التي نقدمها للمعارضة السورية ” وفي مكان أخر قال : ” صرفنا 500 مليون دولار حتى الآن على المعارضة السورية ولم نستطع أن نصنع بهذا المبلغ /5/ معارضين معتدلين .” القوتان العظيمتان تتدخلان في الساحة السورية في رقصة فلامينكو تتناغمان في رقصة فريدة مستعارة من ملاهي لندن العريقة ” ممنوع اللمس” وفي هذا السياق يتجنب كل فريق الاشتباك مع الفريق الآخر وحافظا على الحد الأدنى من قنوات الاتصال بينهما رغم وقوع بعض الضحايا في غارات متعمدة على مواقع الفريق الآخر . وفي حال انسحاب القوات الأمريكية سيحدث فراغ يحاول كل فريق أن يسبق الآخر على الحلول محله وبالتالي ستسارع روسيا والقوات الحكومية السورية وحلفائهما على استعادة كل الأراضي التي تقع تحت سيطرة ونفوذ القوات الأمريكية وستحدث المصالحات الوطنية وفق ما يحدث حاليا على الساحة السورية .

من جانب أخر ، تعاقب الولايات المتحدة روسيا على سلوكها في سورية وأوكرانيا والقرم وإيران وكوريا الشمالية بينما يراهن الرئيس ترامب علنا على حكمة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين . تقول أنجيلا ستانت ، مديرة مركز الدراسات الأوراسية والروسية وأوروبا الشرقية في جامعة جورج تاون الأمريكية لشبكة سي إن إن الإخبارية الأمريكية : ” إذا انسحبت الولايات المتحدة من سورية ، ستكون يد روسيا حرة ومطلقة في سورية وسوف تتلاشى أي مقاومة للرئيس الأسد وحكومة دمشق .وأسأل نفسي إن كان الرئيس ترامب جادا في حديثه لأن مغادرة الولايات المتحدة المنطقة يعني زيادة نفوذ روسيا بشكل غير محدود ” . وأضافت ستانت قائلة أن انسحاب القوات الأمريكية سيساعد إيران ويشعرها بالارتياح في تدخلها في العراق وسورية ولبنان . وتابعت قائلة أن سحب القوات الأمريكية من قاعدة التنف العسكرية سوف يفيد إيران وروسيا وحكومة دمشق في تأسيس طريق سريع للتبادل التجاري والاقتصادي والعسكري والنفطي بين إيران والعراق وسورية ولبنان وستقوم الحكومة السورية باستعادة منابع النفط التي خسرتها في الحرب وبالتالي استعادة سورية لعافيتها وسيكون وضع الولايات كمن يجدع أنفه من وجهه بيده .

الساحة السورية شديدة التعقيد والاهتياج تحت الرماد يتأجج يوما بعد يوم والدولة السورية بمساعدة حلفائها تستعيد عافيتها وستعمل على استعادة الأراضي المحتلة من الولايات المتحدة وحلفائها الأكراد والأتراك بشتى الوسائل ويبدو أن بوادر المقاومة الشعبية للاحتلال تلوح في الأفق كما حدث في الرقة مؤخرا . والقوات الأمريكية ستكون هدفا للمقاومة الشعبية السورية وستنسحب إن عاجلا أو آجلا .

يتقن الشرق فنون الشك والغيرة المختلفة والمتنوعة بينما يتقن الغرب فنون الاحتيال والرياء وحب المال وفي هذا السياق نكتشف أن بريطانيا هي عقل الولايات المتحدة وقلبها حتى اليوم وليست سياسة السيدة تيريزا مي إلا جزءا من مسرحية دولية كبرى بدأت في شمال أفريقيا لتمتد إلى سورية في حرب بالوكالة يدفع ثمنها شعب بريء لا يفقه شيئا من قواعد اللعبة الدولية ” لعبة الأمم” .

لا تعليقات

اترك رد