الحضارة وأسباب النهضة


 

رؤية تأصيلية للمستقبل

يطرح ” ول ديورانت ” أبعادا متعددة في تعريفه للحضارة ، يسعى من خلالها إلى تقديم شمولية ، بوصفه صاحب موسوعة ” قصة الحضارة ” في العالم . ويجعل من هذا التعريف أول ما يفتتح به موسوعته، لتكون إطلالته أكثر شمولا ، وأعمق في التحليل وهو يقرأ حضارات التاريخ ، حيث يرى أنها : ” نظام اجتماعي يعين الإنسان على الزيادة من إنتاجه الثقافي. وإنما تتألف الحضارة من عناصر أربعة ؛ الموارد الاقتصادية ، العقائد الخلقية ، النظم السياسية، متابعة العلوم والفنون ، وهي تبدأ حيث ينتهي الاضطراب والقلق ؛ لأنه ما أمن الإنسان من الخوف ، تحررت في نفسه دوافع التطلع وعوامل الإبداع والإنشاء ، وبعدئذ لا تنفك الحوافز الطبيعية تستنهضه للمضي في طريقه إلى فهم الحياة وازدهارها .

يشمل التعريف السابق ، عدة أبعاد ؛ وقد انطلق ” ديورانت ” في من البعد الاجتماعي ليكون أساسا لباقي الجوانب ، وهذا منطقي ، فلا حضارة دون تجمع بشري ، يكون بينهم مشتركات لغوية وثقافية ، وهي مشتركات تنشأ بحكم العيش في المكان الواحد (الموقع الجغرافي المشترك ) .

فالتجمعات البشرية تتنج أمورا عدة في الجانب الاقتصادي ، وهذا ناتج عن ازدهار التجارة ، وتبادل البضائع ، والمنافع المشتركة ، وتزداد الوحدة بين هذه التجمعات البشرية إذا سادت بينهم عقيدة / دين واحد ، حيث تنبع التصورات الخاصة للكون ، وتكون القيم الخلقية من منبع واحد ، ثم وجود نظام سياسي يقوم بتنظيم العلاقة بين الحاكم والمحكومين، ويقيم أجهزة الحكم : الشرطة ، القضاء ، الجيش ، بيت المال … إلخ ، وهذا من شأنه الإبداع في مجالات العلوم والفنون ، يبدأ بالتعرف على جهود السابقين ومنتوجات الأمم والحضارات السابقة ، ومن ثم ترجمته ، وتدوينه ، ثم الإضافة عليه بالإبداع والابتكار من خلال روح الجماعة ورؤى مبدعيها .

صحيح أن التعريف السابق شامل لكثير من العوامل التي تسبب قيام الحضارات في مجتمعات بعينها ، ولكنها لا تقيم حضارة في مجتمعات أخرى بها نفس هذه العوامل ، ونقصد بالحضارة هنا : الإضافات الإبداعية والعلمية في مختلف المجالات التي تساهم في الرقي الإنساني عامة ، التي يمكن أن تصنع ثقافة مجتمعية، كما هو الحال في مجتمعات الزنوج في وسط أفريقيا ، حيث تتوافر فيها جلّ العوامل السابقة ، ولكنها لم تصنع حضارة بالمعنى العام للمصطلح .

والعكس صحيح أيضا ، فقد يتوافر عامل أو عاملين من مجمل العوامل السابقة ( في تعريف ديورانت ) ، وتصنع حضارات كبيرة ، ذات إضافات علمية وفنية مهمة، مثل حضارة ” اليابان ” الآن ، حيث نرى شحا في الموارد الاقتصادية ونقصا في الخامات ومصادر الطاقة ، وضيقا في الرقعة المكانية ؛ فهي عبارة عن مجموعة جزر في المحيط الهادي، إلا أنها صنعت حضارة كبيرة ، ميّزتها وسط الحضارة الحديثة ، لأنها امتلكت روح الجماعة التي انعكست في الحياة الجمعية، وهذا لا يعني تغييبا لدور الفرد ، وإنما كل ياباني له دور مرسوم في الجماعة ، يقوم به ؛ وفق ما تكلفه به الجماعة ، لذا فإن من أبرز ما يميز الشخصية اليابانية هو البساطة التي تعني إنكار الذات لصالح الجماعة ، وعندما عزمت الجماعة اليابانية على النهوص كان الفرد تابعا لها ، حدث ذلك مرتين في العصر الحديث ، في عصر ” الإحياء الميجي ” عام 1868م لبناء دولة صناعية ، ثم عام 1945م عقب الهزيمة في الحرب العالمية الثانية ، وفي العصرين ، وبعد ربع قرن ، تحقق حلم الميجي حيث أصبحت اليابان ندا للغرب ولها مساهماتها الحضارية المميزة .

وهذا ما يسميه ديورانت ” العوامل النفسية الدقيقة ” المحفزة على الحضارة ، ويحدده بعدة مظاهر : النظام السياسي الذي يمنع الفوضى ، والأمان النفسي من الموت والضرائب، والروابط الأخلاقية الناشئة من العقائد الدينية ، مع الحرص على التربية لكي تنتقل الثقافة بين الأجيال .

فالعوامل النفسية الدقيقة تساهم في صياغة روح الجماعة ، ولكن من المهم أن تتحلى الجماعة ذاتها بالرغبة في صنع الحضارة ، ووجود شعور لدى نخبتها بأهمية اللحاق بحضارات الأمم الأخرى ، ثم الإضافة عليها .

فمن الممكن أن تكون العوامل كلها متوافرة – بما فيها العوامل النفسية – ولكن الشعب في خور وصعف ، والنخبة في ترف وتكاسل ، والسلطة لا تخطط للنهضة.

فهناك ظروف مواتية وأخرى غير مواتية لقيام الحضارات ونموها ، فكثيرة هي الحضارات التي قامت ثم توقفت مكانها ، لأن الظروف التي قامت فيها تغيرت ، أو لم تسمح بمزيد من التقدم ، أو لأن الجماعة / المجتمع ، لم يجد ما يحفزه على متابعة التقدم، ينطبق هذا على المجتمعات البدائية ( في أفريقيا مثلا ) ، وعلى الحضارات التي قطعت شوطا في الحضارة مثل الحضارة الإسلامية بسبب سوء النظام المالي والإداري ،الذي يعقب تدهورا اقتصاديا واجتماعيا ، ثم بالضرورة معنويا.

ومن هنا يأتي أهمية رأي عالم الحضارات ” كلود دلماس ” والذي يغوص في الذات الإنسانية في تعريف الحضارة فيقرر أنها: ” تربية الضمير ، واستعمال الثقافة والعقل في البحث عن الأفضل ” ، فرقيُّ الذات الإنسانية وتنمية الضمير الفردي هدف الحضارة الأساسي ، وبالتالي يكون التقييم الحقيقي للحضارة من خلال أبنائها ، فلا يستقيم أن نرى أمما تتباهى في البنيان ، وتُسفل في الإنسان ، وهذا ما نجده في حضارات عدة في التاريخ حيث وجدنا تقدما هائلا في جوانب مادية وعقلية وفلسفية، وانحدارا في البعد الروحي والقيمي .

في ضوء ذلك ، يربط العالم والمؤرخ ” لنتون ” مفهوم الحضارة بمدى استجابات الأفراد للتقدم الحضري ، فيقرر في تعريفه للحضارة أنها : مجموعة منظمة من الاستجابات التي تعلمها الأفراد ، وأصبحت من مميزات المجتمع .

فالاستجابات تعني : السلوكيات والقيم والرؤى والعلوم التي يكتسبها أبناء الحضارة، وتبدو في حياتهم ؛ فهو يقيس الحضارة من خلال سلوك أفرادها، فالشعوب الهمجية بالطبع لا تحمل حضارة .

وإذا نظرنا إلى الحضارة العربية الإسلامية ، نجد أنها مختلفة الرؤية للحضارة لأنها تنبثق من تصورات الإسلام ونظرته الشاملة للكون والحياة وشؤون الناس ، وهي نظرة تتجاوز الإطار الديني الذي يحصر الإسلام في العبادات وأداء الطاعات ، إلى التربية الشاملة للفرد ، وجعله إيجابيا في حياته الدنيوية ، ساعيا للخير ، وعمارة

الكون ، ناشدا مرضاة الله وجناته في الآخرة ،ويمكن إيجاز هذه الرؤية في هذا التعريف : ” إنها القيم والأخلاق والعقيدة الخلاقة ، والخصائص الإنسانية العليا ؛ التي ينفرد بها الإنسان عن الحيوان ، وتكون دافعا له إلى تسخير ما خلق الله فيما أمر به .

ويلاحظ في هذا التعريف أنه ينطلق من تصورات الإسلام الكلية ، الذي جعل غاية المسلم نيل رضا الله في الدنيا ، والفوز بجناته في الآخرة ، عملا بقوله تعالى : ]قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ[( سورة الأنعام ، الآيتان : 162 ، 163) .

ولا يتأتى رضا الله – سبحانه وتعالى – إلا بالتزام المؤمن مجموعة من القيم والأخلاقيات والسلوكيات ، تسمو بنفسه الإنسانية إلى مدارج عليا ، فتتوحد ذاته مع رسالته الربانية ، ويتخلص من أدران الشهوات الحيوانية ، فلا ينظر إلا إلى عمارة الأرض باستغلال خيراتها حق الاستغلال ، ونشر القيم العليا بين الناس ، وأهمها الإيمان بالله ، والعدالة ، والمساواة بين الناس . وبهذا ، فإن هذه الرؤية تجمع ما بين الاتجاه الروحي الذي يرى الحضارة أساسها بناء الفرد والرقي بمداركه ، والسمو بقيمه ورؤاه وسلوكياته ، وما بين الاتجاه المادي الذي يقيس الحضارة بمدى استثمار الإنسان لخيرات الطبيعة من حوله ، وهو استثمار لا يهدف للنفع الفردي أو المجتمعي فقط ، وإنما المسلم مأمور بذلك ؛ تحقيقا لمفهوم الخلافة على الأرض الذي يجعل المسلم العابد خليفة لله على الأرض ؛ فيعمرها ، ويحسن استغلال ثرواتها. لذا ، فإن المنطلق الديني هو أساس الرؤية الحضارية الإسلامية ، وهو الذي يتجاوز المنطلقات العديدة التي توجد في حضارات أخرى ولكنها لا تحقق مقاييس الإسلام .

لا تعليقات

اترك رد