ليس دفاعا عن العلمانية، بل محو سوء فهم


 

بعد ان نشرت مقالتي السابقه على الصدى نت والمعنونة ” العلمانيه نظام دوله وليس ايمان فردي ” وجدت ان هناك الكثير لم يقال في تلك المقالة. فانا بطبعي اميل الى الاختصار وليس السرد الانشائي، ولان السرد الانشائي “وحسب قناعتي ايضا ” يقتل جوهر الموضوع عبر تعريض القارئ الى الملل عبر الخوض في تفاصيل التفاصيل، كما وانه ، اي السرد الانشائي، يضعف المقدرة العقلية للقارء على الاستنتاج غير العاطفي او غيرالمقاد . الا ان ما استنتجته من تجربتي هذه ان الاختصار قد يقوم مقام ما يشبه ما تتبعه الجامعات العراقية لطلبتها من مختصرات في الماده فيضعف ايضا المحاججة لتلك الماده.

السبب الاخر الذي دعاني لكتابة هذه المقاله هو ندوة تلفزيونية لبعض من قدموا انفسهم على انهم مدنيون و ” استنكفوا ” وصفهم علمانيين لان وحسب وصف بعضهم ان العلمانية خلقت دكتاتورية واستبداد في بعض البلدان مثل ستالين و صدام حسين و كوبا حسب تعبيرهم .

لندخـــــــــــــــل حلبــــــــة الســــــجال.

عرفت العلمانيه بانها نظام دوله قائم على الحيادية بين الاديان وشبهت ذلك ب الا ادريه في موقفها من الاديان فهي لا تفضل دين او مذهب معين على اخر وهي لا تتبع في قوانينها شريعة مشتقة من هذا ام ذلك من المذاهب فهي، اي الدولة العلمانية، ليست برتستانتيه ولا كاثوليكيه، ليست شيعية ولا سنية. فالدولة لا تُحاسب يوم الاخره على تنفيذها لاصول دين معين وهي ليس لها ادراك معين كي تؤمن او لا تؤمن ولا يمكنها ان تمتلك دينا معينا ينتقل اليها عبر الجينات بالولاده من اباء ينتمون الى دين معين . والاديان هي معتقدات او مجموعة معتقدات بشريه ولا يمكن اطلاقا ان توجد خارج النطاق البشري، الا في هلوسات البعض .

و الدولة العلمانية واكبت الحداثة، ضمن بحث الانسان عن حلول لمشاكل قائمة ضمن مجتمعات متعددة ومتنوعة المعتقدات. هذه المجتمعات خاضت حروب دمويه هائله وقدمت الاف من البشر ضحية لفرض دين او مذهب محدد واحد على الجميع كما حدث في اوربا ضمن مرحلة انفكاكها من سطوة رجل الدين على الدوله.

هــــل كان ستالين و صــــدام علمانيين ؟

ان طرح هذه الاشكاليه بهذا الشكل يدل على عدم فهم فاضح للعلمانيه. فكما قلنا في المقالة السابقه واعدناها هنا ان العلمانية ليس لها علاقة بمعتقدات الاشخاص لانها نظام دوله قائم على حيادية الدولة تجاه الاديان جميعها.

ولكن ومن اجل تركيز و تمركز النقاش ساتناول الدلالات نفسها كما وردت رغم اختلافي الجوهري مع شكل الطرح فـ هل كان ستالين علمانيا ؟ ستالين اضطهد الكنيسه باقسى الانواع لا بل منع على الافراد الاحتفاض بصور وتماثيل ما يعتبرونه مقدسات فكانت هناك تجارة سوداء مخفية لهذه الاشياء فكيف نقيس هنا حيادية الدولة مع العسف الموجه ضد الدين؟. اين يمكن ان نجد حيادية الدولة من الاديان وهي تعاديها ؟

لنعيد نفس السؤال القياسي على صدام حسين . قانون الاحوال الشخصية العراقي لم يبتعد عن الدين اطلاقا. ففي الميراث مثلا يحق للمراة نصف ما يحق للرجل وشهادة المراة نصف شهادة الرجل . صحيح في قانون الاحوال الشخصيه هناك قوانين تعتبر جيده و افضل من سابقتها لكنها مستمده من تشريعات اخرى، بمعنى اننا نقيس جودتها او تقدميتها بالمقارنة مع تشريعات اخرى . ودعني اضيف قبل ان انتقل ما الموقف من زواج القاصرات و جريمة الشرف في القوانين العراقيه؟

مناهج التعليم هل ابتعدت عن تفاسير مذهب معين في مادة الدين وما يدرس يعتبر ضمن المقدسات .

هــــــــل يعوض توصيف مدنيه عن توصيف علمانيه ؟

بشغف كبير يتناول البعض مفردة المدنيه وكانها “الراجيته ” لحل مشكله اقناع الجمهور العراقي الناخب بان ينتخب المدني بدل الاسلام السياسي .العلمانيه متلازمه للديموقراطيه حيث لا يمكن وجود ديموقراطيه دون علمانيه. انتقلت العلمانية الى الولايات المتحدة مع الاوربيين وشرع الدستور على ضوء ذلك وسقط نظام العبيد ، كنظام اجتماعي-اقتصادي، بعد الحرب الاهلية الامريكيه، ولكن على صعيد الحقوق المدنيه للفرد لم تكن هناك مساواة . فالاسود لا يحق له دخول مدارس البيض، ولا يحق له نوادي و مطاعم البيض، ولا يحق له الجلوس في المقاعد الامامية في الحافلات لانها مخصصة للبيض . هنا ظهرت الحركة المدنية والتي قادها القس مارتن لوثر كنغ و استقطبت ملايين الناس من السود و البيض المطالبة بحقوق مدنية متساوية لجميع مواطني الولايات المتحدة. هذه المطاليب المدنيه ظهرت ضمن الدولة العلمانية وهي ليست بديلا عنها.

اذن فان المدنيه هي جزئيه في النظام الاشمل الا وهو العلماني، فوظيفة العلمانيه تحديداً هي فصل الدين عن سياسة الحكومه ويمكن على سبيل المثال خلق حركة مدنيه واسعه تطالب بحقوق الاقليات او حقوق المراة في المساواة في الاجر، فهذه حقوق مدنيه، اما الموقف من الدين فلا يمكن تسميته حقوق مدنيه لانه سياسة البناء الفوقي للدوله وليس البناء التحتي

لا تعليقات

اترك رد