الطلبة بين واقعهم التعليمي وكفاحهم من أجل غد أفضل

 

لم تكن العملية التعليمية في العراق وليدة متأخرة بل امتدت بعمق جذور وجود العراق يوم أسس أول صف تعليمي في وادي النماء ومهد التراث الإنساني ويوم شاد الجامعة المستنصرية في بغداد حاضرة التمدن ومدارس العلم في العراق الوسيط.. ثم بتمسك العراقيين بإرسال الأبناء إلى المدارس، لامتياح العلوم والمعارف وكنس الظلمة التي فرضتها قوى غاشمة طوال قرون وعقود…

وبولادة التعليم في العراق الحديث مطلع القرن الماضي؛ كانت الأمور ليست مفروشة على بساط من الورود بل خاض العراقيون صراعاً عنيفاً من أجل ترسيخ فرص افتتاح المدارس والكليات فالجامعة العراقية. وكان من بين من قاوم المدرسة منظومة الكتاتيب الملائية بوجهها السلبي وما أضمره من شرور منهجه…

لكن العصر وحراكه الذي شمل العراق شمل أيضا حركة التعليم ونمو برامجه؛ فافتُتِحت الجامعات ورُسِمت المناهج على وفق ما جاء به علماء الوطن بعد عودتهم من بعثاتهم وما قدمته تجاريبهم، حتى كان فيض اشتغالاتهم قد صار نموذجاً يُحتذى في بلدان المنطقة ويُستفاد منه..

ومع حركة وطنية وطلابية ديموقراطية ضاغطة بنضالاتها، تحققت بعض المطالب وتقدم التعليم باتجاه بات يستجيب لجوانب كثيرة من حاجات التنمية والبناء في عموم البلاد.. وبين هزيمة الأمية وتوسع حجم المدارس والجامعات كان هناك نمو إيجابي مهول لحجم الطلبة تناسب وحجم النمو السكاني..

لكن حركة الاتساع الهيكلية الجوهرية في البنية الاقتصا-اجتماعية لم تصادفها دوماً مواقف السلطة السياسية المتلائمة مع متطلباتها.. فكان هناك باستمرار محاولات تجيير الأوضاع العامة والحراك الطلابي لمصلحة النظام، وبعبور مرحلة قاسية بدأت منذ نهاية السبعينات نمر إلى مرحلة ما بعد العام 2003 وما تضمنه من متغيرات راديكالية.

إنّ العملية التعليمية لم تستطع الانطلاق لأسباب موضوعية كثيرة سواء منها طابع السلطة الجديدة ومستهدفاتها أم ظروف المؤسسة التعليمية. فانطلاقاً كانت ظروف السلطة السياسية بشقيها سلطة الاحتلال أم وريثتها سلطة الطائفية ركزت على الأوضاع الأمنية ببرامج عنفية لا تتلاءم وجوهر المشكلة وأهملت القطاعات المختلفة منها قطاع التعليم. أما المؤسسة التعليمية فإنّ آلاف المباني المدرسية والجامعية كانت أما مصابة بدمار شامل أو بتخريبات جزئية ولكنها تتطلب إصلاحاً وإعادة تأهيل وحتى يومنا هذا ما زالت آلاف المدارس على حالها من تخريب ودمار أو تعطل للمرفقات والفصول الدراسية والمختبرات خلا عن وجود مدارس الأبنية الطينية وتلك المعدّة من جريد النخيل والقصب والصفيح..

وفي إطار ما جابه العراق من هجرة العقول وسحق الطبقة الوسطى جرى اختلاق أزمة حادة في حجم الهيأة التعليمية وإداراتها فضلا عن تعطيل آلاف التدريسيين أما سياسة التعويض عن هذا النقص الفادح فجاءت بكادر غير مهيأ أو مجرد معدّ لنشر خطاب كان انتهى وانقرض عراقيا منذ عقود أقصد الملائيين الكتاتيب والروزخونية. بخلفية انتماء غالبيية منهم لأحزاب الطائفية التي اقتسمت كل شيء غنيمة حرب حتى التوظيف!

لقد جرى إهمال البرامج التعليمية، والتوجه لطباعة مقررات تحت ذريعة إعادة تأليفها وتصحيح ما تشوه فيها فلم يتم حذف صور المستبد الطاغية بل تمّ حذف نظريات وتجاريب علمية ووضع أدعية وخرافات وتحرير ما يخدم منطق الطائفية وهذه المرة بشكل اعتدى حتى على المنجز العلمي للعقل البشري بعصرنا..

أما المكتبة وأسلوب البحث والتوسع المعرفي فلقد حُرِم الطالب منه بضغوط متعمدة من بينها ضغوط غير مباشرة تتمثل بحشر الطلبة في فصول بعشرات لا تستوعبها تلك الفصول وبنظام ثلاثي وليس مجرد ازدواج الدوام..

أما الأنشطة اللاصفية من رياضية وفنية ومن أي صنف آخر فما عاد متاحاً التفكير بها.. وهي في الغالب تتم بصور استعراضية تسخر من المجتمع وتطلعاته لأبنائه وما يستحقون.

ولعل كل ذلك وغيره من المفردات الخطيرة التي أصابت العملية التعليمية قد عالجته بيانات المؤتمرات الطلابية وبرامجها بخاصة هنا في إطار هذه الحركة أبرز الاتحادات ممثلة بأول منظمة طلابية وأكثرها وضوحا برامجيا نوعيا بالإشارة إلى اتحاد الطلبة العام في الجمهورية العراقية.

هذا الاتحاد الذي تصدى لمهامه المهنية الديموقراطية بمعرفة نوعية وبعمق كفاحي باهر فيما قدمه من تضحيات من أجل تلبية مطالب الحركة الطلابية. وهو ما عرّض الأعضاء فيه لأعمال قمعية خطيرة وصلت حد التصفيات الجسدية هذا عدا عن الفصل التعسفي وأشكال البلطجة والابتزاز التي مورست ضدهم مثلما جرى مع طلبة جامعة القادسية قبل مدة ليست بعيدة وقبلها بجامعة أخرى ظهرت الهراوات (التواثي، العصي والكرابيج…) وطاولت الاعتداءات حتى الأساتذة الذين ساندوا الطلبة..

وأنكى من ذلك أن يستعين وزير بقوانين الأمس التعسفية لحظر المنظمات وأي شكل للعمل الطلابي المهني في حين لم يقف بوجه انتهاك الحرم الجامعي سواء من بلطجية أحزاب الطائفية الحاكمة أم من ميليشياتها المسلحة التي عادة من تصول وتجول بسطوتها وأفاعيلها..

إذن، عانى ويعاني طلبة العراق من ظروف قاسية مضاعفة لا مجال إلا القول بيقين أن تلك المعاناة نجمت عن السياسة العامة لحكم أحزاب الطائفية الظلامي وأشكال فساده وما أدى ذلك بالمحصلة إليه من الخلل الهيكلي البنيوي في العملية التعليمية.. حيث رصد جميع المتابعين سيادة اضطرابات وأعمال قمع شديد لم تكتفِ بالتضييقات من قبيل الحرمان من عقد الاحتفالات الطلابية والمهرجانات والمؤتمرات ومن فرص الاختلاط التي تعتمد مبدأ المساواة ومنع التمييز الجنسي وتتصدى للفلسفة الذكورية وإفرازاتها المرضية بل واصلت ما ترتكبه بأعمال الفصل الكيفي التعسفي وبتعميق ظاهرة خطيرة كظاهرة تسرب الطلبة من مقاعد الدراسة وترك الظاهرة بلا أية دراسة مستحقة ووسائل معالجة…

إن الحركة الوطنية وأحزابها التنويرية أمام واجب مصاعف بشأن العملية التعليمية يمر عبر أعلى أشكال التضامن والدعم للحركة الطلابية واتحاد الطلبة العام الذي يقف شامخا بتضحيات أعضائه من الإناث والذكور وذاك التذامن يجب أن يدرس التجاريب السابقة يوم جرى تجميد المنظمات أو التساهل في الموقف منها وتركها تجابه مصيرها أمام سلطة غاشمة.. وما تقتضيه الأمور اليوم يتمثل في منح كل واقعة وحادثة في وسط الطلبة اهتماما وتركيزا يتناسب ومخاطر استهداف الطلبة كونهم جوهر العملية التعليمية وهدفها السامي في تحسين مخرجاتها.

إن تمزق أو تشتت الحراك الوطني الديموقراطي من جهة وعدم وجود الاهتمام الكافي بقضية التعليم وأولويته وبخاصة منه هنا الموقف مما يجري للحركة الطلابية سيضعف فرص التغيير بمجتمع يجري مصادرة التنوير فيه ومفاقمة الظلام وخطاب الخرافة..

لقد وضعت قيادة الحركة الطلابية اهتماما بكل شاردة وواردة مما يحيط بالعملية التعليمية ولكن نضالاتها المتخصصة المهنية الديموقراطية تتطلب أعمق تضامن ومعاضدة لتلك الجهود وبرامجها..

فعلى سبيل المثال جاء فرض دروس دينية بخطاب مذهبي طائفي المنحى ليكون أداة تشويه الغايات التربوية السامية والأهداف التعليمية العقلية المعرفية مما يجسد التنوير والأنسنة.. وهي دروس من الخطورة في كونها تعدّ جيلا مستعداً للانتحار وارتكاب الجرائم البشعة بسبب ما تتضمنه بشكل سافر من أشكال التمييز التي تغرسها بأذهان الطلبة بكل ما تحتويه من مفردات تبيح العنف وتض على ما تسميه واجبات دينية مقدسة للقصاص (الثأري الانتقامي) الذي تستدر العواطف وتحض عليه بخطابها المزيف المضلل الذي تُسقِط عليه القدسية الدينية المزعومة.

وبين القدسية المضلِّلة لتلك البرامج وبين سياسات البلطجة وقمع كل أشكال التنوير من أنشطة تنتمي لمنطق عصرنا ترتكب الجهات المتكمة بالأمور أبشع جرائمها بحق الحراك الطلابي بتنوعات أطيافه وتنظيماته. وطبعا يجري تفكيك المنظمات الطلابية باساليب مرضية عديدة.

فمن جهة تم اختلاق منظمات هي مجموعات تابعة للميليشيات والعصابات المنظمة المافيوية وأخرى تابعة لزعامات وأحزاب الطائفية السياسية وأجهزتها المخابراتية المرتبطة بجهات وأطراف ليست عراقية.. فيما يتم مصادرة حرية العمل المنظم من طرف الحركة الطلابية بتهم جاهزة دائماً باختلاق بعبع أو آخر بحسب مقتضيات ما يحضّرون له من جرائم..

إن حرمان اتحاد الطلبة العام من دوره المباشر وعرقلة أنشطته تعني حرمان الطلبة من ممارسة أنشطة الثقافة التنويرية أو أنشطة فنية مسرحية غيرها وإبداعية أدبية تصقل مواهب الطلبة وتمنحهم عمقاً وربطا بين المنجز وواقع الحال وحرمانهم من الاحتفالات تحجب فرص التربية المتمسكة بقيم الوطنية والأنسنة وحرمانهم من أنشطة تخص العملية التعليمية تحرمهم من تطوير مواهبهم وإمكاناتهم وبرامج الإعداد المعرفي العلمي وتكسر بهذا فرص ربط ما تعلموه بواقعهم وبالتفاعل مع التطورات العلمية الأحدث عالميا و\أو تبادل التجاريب مع الحركة الطلابية العالمية..

إن الحقيقة المرة في بلاد كالعراق تكمن في أن الضغط التعسفي القمعي يؤدي لحالات تخلف وتراجع وتؤدي إلى انكسارات واحباطات وبالتأكيد إلى دفع الطلبة نحو أحضان قوى عنفية عنصرية لتطعن العملية التعليمية بمقتل عند تهيئة الطلبة للتجيير والخضوع للحظر من جهة التنوير والخنوع لأوامر قوى التمييز والاصطراع المختلق من جهة فكر الظلاميين ومنطق خرافاتهم البائسة..

ولكن تبقى حيوية أعمار الشبيبة ومرحلة التعلّم وقدراتهم العقلية فرصة لاستعادتهم في طريق التنوير ولتفعيل جهودهم بطريق الاستعداد والتزود بالعلوم وبقدرات الربط بين النظري والعملي يوم يتسلمون مسؤولياتهم بمهام البناء والتقدم..

إن المهمة اليوم، التي يحملها اتحاد الطلبة بقيادة الحركة الطلابية تتمثل بمضاعفة الجهد لوحدة تلك الحركة ولاستعادة فاعليتها وطنيا وفي إطار الحركة الديموقراطية واستقلاليتها عن كل قشمريات قوى الطائفية وأحابيل تزلفها واختلاق تحالفات ليست بمصلحة الوطن ولا الحركة الطلابية.. ومع مثل هذا الاتجاه نحتاج من كل أسرة عراقية أن تعاود استلهام كيف كانت العوائل تدفع أبناءها نحو التعلّم ونحو ممارسة كل الأنشطة الطلابية النوعية ونحتاج من التدريسيين فك الارتباط بمن ينصبون أنفسهم أسياد نعمة ومالكي لقمة العيش ويدعموا طلبتهم في كل تطلعاتهم وأنشطتهم السامية النبيلة..

ومع أنّ المعالجة هذه جاءت موجزة ولم تشمل كل عناصر الموضوع إلا أنها تبقى إطلالة تتطلع لمزيد اشتغالات بخاصة بمناسبة تأسيس أول منظمة طلابية عراقية هي اتحاد الطلبة العام يوم كان شعلة للحرية ولمناهضة الاستعمار واتفاقات تكبيل العراق بالإشارة إلى انتفاضة الجسر 1948 وإلى سلسلة التضحيات وشهداء الحركة الطلابية جميعا..

كل عام وطلبتنا يتقدمون بخطاهم نحو فرص عملية تعليمية أفضل، نحو غدهم الأفضل القائم على ما يحددونه بأنفسهم لا بوصابة زعيم مافيوي أو طائفي فاستقلاليتكم اساس في انتصاركم لأنفسكم وللتنوير ولمنطق العقل العلمي ولمنع التخلف وخطاب الخرافة من السطو عليكم أو ابتزازكم..

أنتم مثلما كل طلبة العالم وشبيبته تستحقوق الأفضل، تستحقون ما يتلاءم ووجودكم بأحدث المدارس وفصول العلم وبأكثر الجامعات تقدما واهتماما بالعقل الباحث العلمي غير الراكد كركود المياه الآسنة..

أتطلع لتفاعلاتكنّ وتفاعلاتكم مع المعالجة ومحاورها لتضيفوا أنتنّ وأنتم بمساواة تامة بينكما ما تتطلعون إليه وتحملونه رسالة في أبهى مراحل أعمار الإنسان لا تضيعوها بين الدجل والخزعبلات فيما من يستغلكم يتنعم بخيرات ما ينتجه آباؤكم وبسرقات ثروة يجب أن يمتلكها الشعب ويضعها هنا يستثمرها في بناء شخصياتكم ..

وتحايا متجددة

لا تعليقات

اترك رد