على مهل تريث ولا تستعجل بالرحيل


 

“رسالة بملء الحب، لأولئك الذين ما زالوا على قيد الأرض، يتقاسمون مع الليل خبز الأرق، يرتشفون بصمتٍ وكتمان أقداح الألم ”

مثل أنثى بفستان أسود، لكنه باذخ الفرح، يلفُّ جيدها الطويل عقد تشعُّ حبّاته بكثير من الأمل! تملك تفاصيل الذوق، تطوق شفتيها بابتسامة أنيقة، تجلس في حضرة الحياة، تخلع خوفها من هاجس الغد؛ كما تخلع قفازيها الطويلين الاصبع تلو الاصبع على مهل ووجل ببطء شديد الروعة. تحرق أعصاب الوجع. تدوّخ الألم، تشاكس الأيام تمازح اللحظة، وتتحايل على آلام جسدها فتوهم كل من يراقبها بأنها أنثى ترقص! كن مثل تلك الأنثى؛ إذا أهدتك السماء محبة منها لك بمرض يعوي في داخلك كذئب لا يهدأ إلا إذا افترستك أنيابه بألم.

لا شيء يحدث عبثاً، لكل شيءٍ حكمة. هناك ربٌّ يعترش السماء، يضبط إيقاع الأرض، يدوّزن كل ما يحدث على مزاجك أنت، على حسب قدرتك أنت. الله هو من شكّل طينتك، هو يعرفك ويفهمك أكثر مما تفهم نفسك؛ فيبتليك بما لا يبتلي به غيرك؛ فليس كل ابتلاء هو سخط عليك وغضب، وليس كل نعمة تُصيبك هي حظٌّ جميل.

<< إن المنطق هو المبتدأ لكل حكمة؛ ولكنه ليس المنتهى >> ربما الذين اصابتهم محبة السماء بالمرض هم منطقيون عندما يتألمون، وحينما تتوجع مسامات أجسادهم؛ لكن ماذا لو أبصروا في منابع الضوء التي في داخلهم حتما سوف يجدون هالة من نور تطوف من حولهم، حينها يتخلصون من رهاب النهاية المبكرة والرحيل المفاجئ.

إلى أولئك الذين يتناسلون من أرحام الغيم أجنّة بيضاء! أولئك الذين ينحدرون من سلالات العطر، هؤلاء هم الفرسان النبلاء؛ ينازلون المرض، يبارزون أوجاعه بسيف الابتسامة! لا يديرون ظهورهم للحياة، ولا يستسلمون أبداً؛ هم فقط يسلّمون نبض قلوبهم لحكمة السماء! لا يثقون بما يخبرهم الطبيب عن قرب النهاية وساعة الرحيل؛ فالطبيب يقرأ ما تمليه التقارير والفحوصات. هو لا يجيد لغة السحاب، ولا يعرف أبجدية الأمل! هو لا يصغي كما تصغي أرواحهم مرهفة السمع، إلى همس الملائكة وهي توشوش لهم بأن ظلوا كما الفراشات تحوم بخفة في حقول أيامكم؛ ما زال لكم متسع من الفرح ولكم في الحياة حق الحياة.

كن على يقين وقناعة تامة، بأن القوة الروحية التي يغمرك بها الله، بمقدورها أن تفعل لك الشفاء بإذنه! إن المعجزات تحدث إذا ما كنا بحاجة لها! اسلك الدرب المؤدية إلى الروح، وابحث عن النور، واغتسل بماء الضوء، إن الدواء والشفاء الذي تنشده لجسدك ليس متوفراً في الصيدليات، وليس في مراكز العلاج. هو في عيادة داخلك، اتبع هسيس الروح واقتفي الأثر! فالأمر الآن ما بين يديك. تعلّم كيف توسّع حدقة القلب لتنظر بصورة إيجابية؛ استسلم رغبة منك لقوة الروح والعقل الباطن، أنت أصلاً في عقلك الباطن

خُلقت معافى! وما حدث لجسدك مؤخراً سيكون وهمّاً إذا ما مسكت بطرف الخيط لتنسج منه وشاحاً مزركشاً بألوان الفرح والعافية! الجسد يمرض ويزداد به الألم؛ حين يمرض عقلك. كن أنت الربان الذي يقود سفينة أفكارك وأبحر بمشيئة الله، وأطلق سراح الروح، وافتح على مدِّ الفضاء اشرعة الأمل.

تذكر وأنت في سكرات الوجع، بأنك مُحاطٌ بسرب من الملائكة، يفتحون صحائفهم مع كل وخزة ألم يمحون عنك خطيئة! ونحن الذين نحسب بأننا بكامل العافية محاطون بصخب الحياة في كل لحظة نفعل خطيئة!

تأكد بأن هذا البلاء ما هو إلا اصطفاء لك؛ لأنك الأجمل ولأنك الأنقى، فكل الأنبياء الذين مروا على هذه الأرض توجعت أجسادهم، صلبوا وجلدوا، وظلت أرواحهم في منأى عن كل ألم! لا تكترث بما يحدث على جسدك. فكل جسد يفنى وتبقى الروح هي البداية ونهاية الألم وبدايتك السرمدية فلا تؤذي تلك الروح باليأس ولا تخدشها بالخوف والفزع!

أعد ترتيب أثاث عواطفك، ورتب خزانة اللحظات، دع حقيبة الرحيل جانباً وأنزل يداك اللتان ترتفعان رويدا، رويداً تهمّان تلوحان بالوداع؛ وقم من فراش الإحباط لتسرح خصال الفرح بمشط الأمل، وانثر غرتك المشرقة على جبين الحياة، تأنق وتألق لتخرج بوجه بشوش فما زال هناك متسع من الحب، ولم يزل لك نصيب في هذه الحياة. فكيف وأنت القوى الجميل تفرّط بما لك من حق وأرث في هذه الحياة.

شارك
المقال السابقليس دفاعا عن العلمانية، بل محو سوء فهم
المقال التالىماك أوفِن .. ؟!!ج – ٢
الشاعر السوري لؤي طه، الذي يراوغ رؤاه في كل مرة، ويبحث عن شتات الإنسانية وولع الذات التي تكون حاضرة في أشياؤه وأشياء الآخر. ليس هذا فحسب إنما يسمح لعاطفته أن تقوده إلى كتابة مالا يكتبه الآخر في أمكنة تستنطق الكلمات لتوقظ مساحة البوح. الشاعر لؤي طه، سوري الجنسية من مواليد 1970 يعتبر أن القصيدة توأمة....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد