نسيم حداد : عندليب العيطة وعشق القصيدة


 

السينما كغيرها من الفنون ، من أهم الاليات التي يمكن من خلالها التعريف
بدور “الشيخات” ،وتغيير تلك الصورة النمطية التي صنفتهن بالمفهوم
لاخلاقي الجائر.

تعرف الساحة الفنية المغربية و بالخصوص فن الثرات ألشعبي انتعاشا ملحوظا ، واهتمام الشباب العاشق لفن العيطة كموروث ثقافي له قيمة تاريخية و اجتماعية بعد أن كان مقتصرا على فئة الطبقة الشعبية معينة من ساكنة القرى و البوادي . من بين هؤلاء الباحثين و الدارسين لهذا الموروث الفنان نسيم حداد ، وهو في الاصل ذو مسار علمي ، دكتور في الفيزياء النووية، خريج المركز الاوروبي للأبحاث النووية وعاشق للتراث الثقافي الشعبي المغربي ، نهل من منابعه وهو صغير السن نشأ وسط اسرة تحب هذا النوع من الفن الذي دأب على ترديده كهاوي الى ا، قررب التعامل معه كباحث للحفاظ عليه وتقنينه باعتباره لم يحظ باهتمام الاعلام و التدوين الاكاديمي .

يعتبر حاليا نسيم حداد من أهم المدافعين عن هذا الفن و الفاعلين حصانته من التهميش ، كون جمعية لعشاق فن العيطة ، يحيي سهرات فنية داخل و خارج المغرب ، شارك أخيرا في انتاج الموسيقى التصويرية كمستشار فني ، لفيلم ولولة الروح للمخرج عبد الاله الجوهري ظلت الثقافة الشعبية حبيسة التهميش ولم تحظى بحقها في التدوين والدراسة والتحليل و هذا تصور جائر في حقها

 

1- كيف تولد عندك عشق الموروث الشعبي الموسيقي المغربي وأنت ذو ميولات علمية درست علوم الفيزياء النووية بالموازاة باحث في التراث الشعبي المغربي أليست هذه معادلة صعبة؟
في اعتقادي، يمثل الإهتمام و عشق التراث من الثوابت التي قد يربى عليها الإنسان و التي قد يكون معينها الأساسي المحيط الذي يعيش فيه الإنسان. و لعلي كنت محظوظا أن أنشأ في أسرة تعشق التراث المغربي بمختلف أطيافه سواء أكانت مرتبطة بالمعمار أو باللباس أو بالفن و الموسيقى و غيرها من تمثلات الموروث الثقافي المغربي الزاخر. لذلك تولد عندي شغف و عشق لهذا الموروث، و بدأ اهتمامي به في سن مبكرة بالحفظ و الترديد قبل أن يتحول إلى ممارسة و بحث أكاديمي و ميداني. و بالمقابل، فقد عرف مساري الدراسي توجها علميا محضا توج بدكتوراه الدولة في الفيزياء النووية من المركز الأوروبي للأبحاث النووية بسويسرا، لكن هذا لم يكن سوى دافعا إلى المضي قدما في سبر أغوار التراث التقليدي المغربي و ربما بتناول و دراسة أكاديمية علمية. و لا أنكر أن المسألة كانت في البداية بمثابة تحد لإثبات أن المزاوجة بين الدراسة و الفن معادلة صعبة و لكن ليست مستحيلة، ثم سرعان ما تحول الأمر إلى تكامل بين الإثنين في ظل العمل الجاد و الإخلاص في تقديم كل واحد منهما.

2 – نسيم حداد ن نلاحظ في الفترة الاخيرة أن عددا كبيرا من الشباب المغربي المثقف أصبح يهتم بالموسيقى والغناء الشعبي الموروث كفن العيطة في الوقت الذي كان هذا مقتصرا على الفئة الاجتماعية الشعبية فهل هذا يعكس مدى وعي الشباب بأهمية الموروث الثقافي المغربي بصفة عامة ؟
من دون شك أن اهتمام الشباب عموما و المثقف منه بفن العيطة يعكس مدى وعي هذا الأخير بأهمية الرجوع إلى تراثنا التقليدي و الشعبي و النهل منه. فالتراث عموما يمثل قاعدة و أساس للرقي بالمستوى الفني للبلاد إذا ما اعتبار أن هذا التراث بمثابة حصاد و تراكم لمهارات فنية متوارثة أنتجها و أوجدها المجتمع المغربي. و لعل السر في هذا الإهتمام المتزايد على التراث ناتج عن الوعي كما سبق الذكر، هذا الوعي الذي أساسه تغير ملحوظ في المشهد الإعلامي خلال السنوات القليلة الماضية من خلال تسليط الضوء بشكل أكبر على التراث و خاصة نمط العيطة. لكن و ما أود التحذير منه هو أن يتحول هذا الوعي إلى ثقافة استهلاكية و ما قد ينتج عنها من تمييع لنمط العيطة. ففي ظل غياب مأسسة لفن العيطة بمختلف أشكاله و بالطرق السليمة لتناوله كتراث، قد يصبح هذا التراث عرضة للتمييع بعد أن كان محصنا من تلك الفئة الإجتماعية الشعبية التي حرسته لقرون طويلة. لذلك هذا نداء لذوي الإختصاص من أجل السهر على الإنتقال السليم لهذا الفن إلى فئة الشباب دون المس بهويته و بهدفه الثقافي الفني الجمالي بعيدا عن السوق التجارية.

3- سجل تاريخ الغناء الشعبي المغربي أسماء لنساء نسميهن بالشيخات امتهن هذا النوع من الموسيقى والغناء لشيخة خربوشة كمثال هذه المرأة التي سخرت مهنتها لقهر الاستعمار الفرنسي ومن كانوا يتعاملون معه،هل تعتقد أن الاعلام أنصفهن وأخدن حقهن في التعريف بهن للجيل الجديد ؟
دائما ما يرتبط هذا الموضوع بتلك الثنائية الفكرية العميقة التي تصنف الثقافة إلى عالمة و شعبية. فالثقافة العالمة ظلت و لازالت تمثل مجموع الممارسات الفنية التي تبنتها طبقة المثقفين و البورجوازين وفق مجموعة من القناعات العامة و جعلت منها ثقافة نموذجية للبلاد تستفيد من كل وسائل الدعم و التوثيق و الإنتاج. بالمقابل، نجد أن الثقافة الشعبية ظلت حبيسة التهميش بل ولا تحظى حتى من حقها في التدوين و الدراسة و التحليل. و لعل من بين أهم أسباب هذا التهميش هو نزعة سمو التدوين التي تأرخ لكل ما جاء باللسان الفصيح و ترفض جميع ما جاء باللسان الدارج، إذ لا يرقى إلى مستوى التدوين أو الدراسة. هذا التصور الجائر في حق الثقافة الشعبية جعلها بعيدة عن التناول الإعلامي و حتى إن أدرجت في إحدى التناولات، فلا تعدو سوى بضاعة للإستهلاك بعيدا عن كل تناول جدي يرمي الإنصاف و التعريف بها. لذا نجد أن العيطة و الشيخات كممارسين لهذا النمط الغنائي لم ينصفوا إعلاميا أو حتى أكاديميا و ضاع بذلك جزء كبير من ذاكرتنا الشعبية نحاول جاهدين الآن ترميم و جمع ما تبقى منها. و هنا أشيد بالعمل الذي أصبح يقوم به الجسم الإعلامي خلال السنوات القليلة من أجل التعريف بهذا الفن بالمزاواة مع بعض الأبحاث الأكاديمية التي تظل قليلة بالمقارنة مع الإرث الكبير الذي يزخر به المغرب.

4 – ترجمت حياة الشيخة خربوشة الي فيلم سينمائي من اخراج حميد الزوغي فهل يمكن أن نقول بان للسينما دورا هاما لتحسيس الجمهور بقيمة الشيخة كعامل محرك لمجموعة من الاليات السياسية والاقتصادية أيضا ولا يقتصر دورها على الفرجة فقط ؟
بطبيعة الحال، فالسينما كغيرها من الفنون تعد من بين أهم الآليات التي يمكن من خلالها التعريف بدور الشيخات و تغيير تلك الصورة النمطية التي صنفت الشيخات بالمفهوم الأخلاقي الجائر دون الرجوع إلى الشيخة كمفهوم فني جمالي بل و كذاكرة حية لموروثنا الثقافي. و بالرجوع إلى فيلم خربوشة، فقد كان دافعا قويا إلى التعريف بهذه الشخصية الأسطورية و إن كان المتفرج لا يفرق بين الإقتباس من قصة واقعية تنضاف إليها صبغة خيالية تتيح المجال إلى تناول سينمائي و بين فيلم وثائقي يوثق لحقائق دون الرجوع للخيال. لذلك نرى أن قصة خربوشة اكتسبت الكثير من الخيال نتيجة غياب توثيق لهذه الشخصية و أصبحنا بهذه الوثيقة السينمائية كمرجع لقصة تاريخية في حين أن الواقع يظل بعيدا نوعا ما عن ما جاء في الفيلم. كما استحضر، في الإطار الحديث عن دور السينما، الفيلم الأخير للمخرج عبد الإله الجوهري و الذي شاركت في إنتاج موسيقاه التصويرية كمستشار فني. إذ تناول العيطة و الشيوخ من زاوية جديدة ربط فيها بين حقبة سنوات الرصاص في المغرب و تراث العيطة كممارسة فنية أوجدت من أجل التعبير عن أحوال المغاربة بل و كانت لسانهم الصادح دونما حصرها في الدور الفرجوي الذي حاضر من دون شك في العيطة.

5 –ماذا يمثل لك غناء هذه النوعية من الموسيقى وكيف تصنف من يأتي لحفلاتك وهل هناك تجاوب يرضيك مع الجمهور المباشر ؟
لقد دأبت منذ سنوات على تقديم سهرات فنية داخل و خارج المغرب، بتصور و تناول جديد للتراث التقليدي المغربي. إذ كونت مجموعة فنية تقدم مختلف الأنماط التراثية المغربية من ملحون، عيطة، غيوان، گناوة، عيساوة وغيرها.. و ذلك في سهرة واحدة يعيش فيها الجمهور سفرا من خلال التراث التقليدي و الشعبي المغربي. ولا أخفيكم أن هذه المسألة تمثل بالنسبة لي تلك الهوية المتنوعة و الموحدة التي نعيشها في المغرب و التي تجعل منا مجتمعا فريدا زاخرا باختلاف أطيافه الثقافية. و لعل هذا التنوع الذي أقدمه في سهراتي لسبب قوي لإرضاء كل الأذواق باختلاف ميولاتها الفنية. و ما يثير الإعجاب هو أن فئة الشباب تكون حاضرة بقوة إلى جانب كل الفئات العمرية على اختلاف توجهاتها الفكرية. لذلك أصنف جمهوري بذاك المغرب الصغير الذي توحده هويته الثقافية.

6–هل تعتقد أن لشاب مثقف مثلك له اهتمام بفن الموسيقى الشعبية يمكن أن يأثِر ايجابا على الجيل الجديد باعتبار أن العديد منهم ليست له ثقافة عامة لانه انصرف بشكل كبير الى التيهان وسط الشبكات التواصلية ؟
أتمنى ذلك، خصوصا و أني شاب أنتمي إلى هذا الجيل، فأحاول استعمال فضاء الشبكات التواصلية الإجتماعية كمنبر لمشاركة اهتمامي بالفن و الموسيقى التراثية مع الجيل الجديد و الجيل الصاعد. كما أن هذه الشبكات وفرت لي الفرصة للقاء العديد من الغيورين و المهتمين بالشأن الثقافي المغربي، فكانت مناسبة لتبادل الآراء و تشارك المعلومات بل و انضم العديد منهم إلى الجمعية المغربية للتراث و الثقافة الشعبية التي أرأسها، و ذلك بهدف العمل في إطار موحد من أجل الدفع و الرفع من قيمة و سومة موروثنا الشعبي.

7 – هناك أيضا تعاطي مجموعة كبيرة من الاصوات النسائية الجميلة لفن الملحون كثريا الحضراوي و كريمة الصقلي وغيرهن فهل هي ظاهرة صحية ؟
قبل الحديث عن تعاطي النساء لفن الملحون، أود الحديث عن إشكالية الجنس والصنف في الموروث التقليدي المغربي. إذ ذهب مجموعة من الباحثين إلى تصنيف التراث تصنيفا جنسيا بحصره في فئة الرجال أو في فئة النساء. وهذا يعتبر تقصيرا في حق التراث المغربي باعتباره تراثا إنسانيا لا يرتبط بجنس معين (ذكورا كانوا أو نساء). و مع ذلك لا يمكن أن نخفي تلك الجمالية التي يضفيها الصوت النسائي على الفنون الغنائية بصفة عامة و التراثية منها بصفة خاصة. فالصوت النسائي بكل ما يحمله من رقة في الإلقاء و نعومة في الأداء يضفي على الأغاني التراثية عوالم جمالية و فنية ربما لن نجدها في الأداء الذكوري. و فن الملحون الذي اشتهر بالذكور كممارسين لم يخلو من أسماء نسائية أثتت فضاءه الرحب. كما أن ظهور أسماء معاصرة من قبيل حياة بوخريص ، ماجدة اليحياوي، ثريا الحضراوي و غيرهن لا يعدو سوى ظاهرة صحية وجب الإشادة بها و تشجيعها ما دام التراث المغربي تراثا إنسانيا و ملكا جماعيا يحق للجميع النهل منه.

المقال السابقكشف الذمة المالية
المقال التالىبراري الذاكرة
امينة بركات .. كاتبة وصحفية مغربية حاصلة على دبلوم المعهد العالي للاعلام و الاتصال فوج 1984 - لغات العمل: العربية، الفرنسية، الانجليزية - التداريب : الصحافة المكتوبة و الاقتصاد بتونس11991- 1996 الاخراج الصحفي على الحاسوب بمركز تكوين الصحفيين بتونس 1996:سكرتارية التحرير بكلية الاعلام بمر....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد